هدنة أنقرة.. لنصافح الروس ونعود إلى الثورة من جديد

لا أنكر أبداً القلق الذي انتابني مع بداية التقارب الروسي التركي، والذي لا زال يرافقني حتى لحظة كتابة كلماتي هذه، رغم استقبالي بسعادة كبيرة لخبر اتفاق وقف إطلاق النار...
مولود جاويش أوغلو سيرغي لافروف محمد جواد ظريف إعلان موسكو

لا أنكر أبداً القلق الذي انتابني مع بداية التقارب الروسي التركي، والذي لا زال يرافقني حتى لحظة كتابة كلماتي هذه، رغم استقبالي بسعادة كبيرة لخبر اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا والذي كان نتيجة ذلك التقارب.

حقيقة، لا أخفِ موقفي السلبي من نظرة وطريقة تعامل الحكومة التركية وخصوصاً الرئيس رجب طيب أردوغان مع الثورة السورية، إلا أن هذا لا يعني أنني لا أرى في الاتفاق فرصة ربما تكون من ذهب لما هو أبعد من وقف القتل والتدمير.

كسوري في الدرجة الأولى وكمتابع للأحداث في سوريا في الدرجة الثانية، يمكنني القول إن الثورة فعلياً بحاجة لهذا الاتفاق أكثر من أي وقت مضى، حتى وإن لم يرسخ لحل طويل الأمد، لاسيما وأن الثورة تعيش حالة غير مسبوقة من التراجع الشبيه بالانهيار مع بدء انتشار المصالحات مع النظام في الكثير من المناطق المحررة، وسيطرة النظام على مواقع ونقاط استراتيجية على قدر كبير من الأهمية كحلب وداريا وريفي دمشق الجنوبي والغربي، إلى جانب شرذمة الفصائل المقاتلة وعجز المعارضة السياسية وفساد شريحة واسعة من الاثنين معاً، دون استثناء التآمر الغربي والإقليمي على الثورة السورية.

عملياً، ربما يمتلك البعض سبباً أو سببين لرفض الاتفاق، ولكن على الصعيد الشخصي أرى الكثير من الأسباب التي تدفع لقبوله وتشجيع القوى المعارضة التي فاوضت عليه، “إذا تضمن إدلب طبعا”، ومن بين تلك الأسباب أنه سيمثل فرصة لعودة الثورة إلى مربعها الأول والمطالبة بإسقاط النظام عبر الحراك السلمي والمظاهرات السلمية التي تعتبر فعليا أكثر ما يمثل تهديداً مباشراً على النظام، إلى جانب إمكانية اعتبار الاتفاق كخطوة فعلية على طريق وقف المجازر وأعمال القتل الممنهج اليومي بحق الشعب السوري، في ظل الجمود الدولي الذي ظهر علنياً ومعلناً خلال المذبحة التي تعرضت لها مدينة حلب وسابقاتها من المدن السورية.

لا أريد أن أبالغ في تفاؤلي، ولكن من أهم النتائج التي يمكن للاتفاق تحقيقها أيضاً، وقف عمليات التهجير والنزوح بحق المناطق المحررة، وبالتالي ضرب حقيقي لمشروع التغيير الديمغرافي الإيراني في سوريا، وهنا لابد من الإشارة إلى من الخطأ اعتقاد أن الاتفاق جاء برغبة إيرانية، وإنما قبولها به جاء بضغط من موسكو لعدم رغبة طهران الدخول في الوقوع بصدام مع الروس، فعملياً مصلحة إيران تقتضي استمرار عمليات القتال والمعارك، ما يسمح لها بإدخال المزيد من الميليشيات الموالية لها والمضي أكثر في سياسة التهجير العرقي، خاصة وأن الشيعة في سوريا لا يمثلون أكثر من 1 بالمئة من السوريين.

فيما لو تحدثنا بعيداً عن الوضع الميداني، فلا يحتاج الناظر للشأن السوري بعين الواقع أن أهمية الاتفاق تتركز في إمكانية النظر إليه كفرصة للمعارضة السورية السياسية، لإعادة النظر في علاقاتها الدولية والخروج من العباءة الأمريكية التي تمارس الابتزاز السياسي معها عبر ورقة الدعم، إلى جانب إلى اعتباره خطوة تقارب مع موسكو بما قد يقنعها بأن وقت التغيير السياسي في سوريا قد حان، وأن مصلحة الروس مع السوريين وليست مع النظام.

كمتابع للموقف الروسي يمكنني القول إن الوقت قد حان فعلاً للمعارضة السورية أن تتعامل مع الثورة ومصالحها بمنطق المصالح وليس عدالة القضية، والنظر الهدنة الحالية كمقدمة لعلاقات جديدة مع موسكو تمهد لسحب من تحت قدمي الأسد الذي يمثل الدعم الروسي له الشريان الرئيسي للبقاء في السلطة.

نعم جربنا الأمريكيين طيلة سنوات من الثورة، وكانت تجربتنا معهم مريرة، أنتجت مئات الآلاف من المعتقلين والشهداء، وملايين المهجرين، ولا أرى ضيراً من التقارب مع الروس حاليا إن كان في ذلك حلحلة للقضية السورية بحسب الثوابت الثورية وعلى رأسها تنحي الأسد.

عملياً لو نظرنا إلى الأمور في سوريا  بعين المراقب بعيداً عن العواطف، فالفرق كبير بين روسيا وإيران، روسيا لا تبحث عن تغيير ديمغرافي ولا تبيت عداء تاريخي للشعب السوري، كما أنها لا تحارب على أساس طائفي، وعليه أعتقد أن مسافتنا إلى موسكو أقرب من طهران بكثير، والتفاهم مع الروس ممكن إن اقتنعت المعارضة السورية بضرورة العمل بلغة السياسة وليس بلغة العواطف والشعارات والخطابات.

أنا هنا لا أبرئ روسيا من دعم الأسد والمسؤولية من سيل الدماء السورية، ولكن ربما علينا الآن أن نستغل أي فرصة لوقف نزيف الدم وأعمال القتل، والسعي للحفاظ على ما تبقى من سوريا، حتى وإن كان ذلك من خلال روسيا طبعا دون التنازل عن ثوابت الثورة بإسقاط الأسد.

لنفكر بواقعية، فالحديث عن نصر عسكري على النظام في ظل الدعم الروسي والتخاذل الأمريكي لا يتعدى كونه عواطف وأمنيات صعبة المنال، والمنطق يقول أن النصر على الأسد في هذه الظروف مرتبط بالعمل على سحب الورقة الروسية من يده سياسياً بعيداً عن القناعة العسكرية، وكسب موسكو إلى جانب الثورة، لا سيما وأن الجميع متفق على أن موسكو تبحث عن مصالحها وليس عن بقاء الأسد بشخصه.

باختصار ما أريد قوله، أن الطريقة الأمثل لتعاملنا مع الروس يجب أن تبنى على مبدأ المثل القائل: “اليد التي لا نقدر عليها لنصافحها وندعو عليها بالقطع” وهذا هو الوقت الذي يمكننا العمل بهذه القناعة.

حسام يوسف – تيار الغد السوري

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة