العودة الأمريكية ومآلاتها على الواقع السوري

رغم كل ما صدر الإدارة الأمريكية في الحقبة الأوبامية من وعود وتوعدات، إلا أن الرئيس الأمريكي في تلك الحقبة ترك المجال لحلفاء النظام في سوريا سواء روسيا أو إيران...
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والضربة الصاروخية المحدودة في سوريا 07042017

رغم كل ما صدر الإدارة الأمريكية في الحقبة الأوبامية من وعود وتوعدات، إلا أن الرئيس الأمريكي في تلك الحقبة ترك المجال لحلفاء النظام في سوريا سواء روسيا أو إيران وكل من لف لفهم في المنطقة ليفعلوا ما يشاؤون في سوريا.

أوباما ترك الحبل على الغارب بالنسبة للحرب السورية بين النظام والمعارضة، وأعطى جل اهتمامه لمحاربة الإرهاب متمثلا بتنظيم داعش بعد أن استفحل التنظيم في كل من سوريا والعراق، وسيطرته على الرقة والموصل. ولا ينفي أحد ما ترتب على السياسة الأوبامية من ارتخاء للجبهات التي تشهد مواجهات بين فصائل المعارضة وقوات النظام، والانشقاقات المتتالية وإعادة تدوير فصائل المعارضة وفق تحالفات جديدة لتنفيذ أجندات للدول الإقليمية، أما داعش فقد كان يبحث عن حاضنة شعبية في مناطق سيطرته تضمن له الاستمرار والتمدد، ولكنه مارس ذلك عبر القهر وإرهاب العامة بممارسات إجرامية بلغت حدودا قصوى في الامعقول واللامحتمل.

في الأثناء دخلت روسيا إلى سوريا بعدتها الضخمة وعتادها النوعي وأقامت قواعد عسكرية في الساحل السوري وحلب وحمص.. وبدأ الروس باستهداف كل من داعش وفصائل المعارضة، ما سمح للنظام بالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب قواته وقوات حلفائه الممولين من إيران سواء الحرس الثوري الإيراني أو الميليشيات الطائفية المستقدمة من باكستان وأفغانستان والعراق أو حزب الله اللبناني.

إسماعيل بوبي عضو الأمانة العامة بتيار الغد السوري

بعد وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة في واشنطن بدا واضحا أن الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تستعيد نفوذها المفتقد من جديد، لتعيد اعتبارها ودورها في المنطقة والعالم، بعد أن وصلت إلى الهامش واستفحل النفوذ الروسي، وقد استعادت زمام المبادرة حين واتتها الفرصة التي قدمها لها الأسد إثر قصفه لمدينة خان شيخون بالأسلحة الكيميائية المحرمة “أمريكيا” من مطار الشعيرات، ليبدأ ترامب بإطلاق التصريحات النارية التي رددتها وسائل الإعلام العربية والعالمية بأن الأسد قد تجاوز الخطوط الحمر الأمريكية في سوريا، وقام بضرب الشعيرات بـ59 صاروخا وجهت رسالة للعالم أن أمريكا ليست غافلة عما يجري في سوريا.

وهي رسالة موجهة بالأساس لكل من روسيا وإيران، ولاشك أنها بدأت مرحلة قادمة جديدة في سياستها إزاء سوريا، والأيام القليلة القادمة ستكون كفيلة بالإفصاح عن إيضاحات كثيرة في السياسة الأمريكية تجاه الوضع في سوريا. والروس والإيرانيون أيضا ستعيدون النظر في حساباتهم واستراتيجياتهم التي بنوها على حساب الغياب الأمريكي دون توقع حسيب أو رقيب.

كل المفاوضات التي كانت تتم بالرعاية الروسية سواء في الداخل السوري ونتج عنها إخضاع بعض المناطق المحاصرة وتهجير أهلها وإبعادهم عنها، أو في موسكو أو في الأستانة.. كانت تحصيل حاصل، لأن المعارضة السورية كانت مواقفها مبنية على تصادماتها الداخلية، وعلى أساس أنها تفاوض وتتعامل مع طرف قوي يلقى كل الدعم ويتمتع بكل الصلاحيات التي تخوله الخوض في المفاوضات والحصول على التنازلات فيما ترزح المعارضة تحت ضغط إنقاذ ما يمكن إنقاذه من مدنيين يخضعون للحصار المطبق والقصف الهمجي الذي يرتكب المجازر اليومية دون رادع أو مانع.

ومنذ مؤتمر جنيف الأول وانهاءا بالرابع لم يقدم النظام أي تنازلات للطرف الآخر الذي يعتبره ضعيفا وإرهابيا وغير جدير بالتفاوض أصلا، لولا الضغوط الدولية لدفعه للحضور إلى جنيف حتى وإن كانت النتيجة لا شيء.

ولأن النظام يعتبر نفسه قويا ومنتصرا على الشعب الذي دمر مدنه وقتل مئات الآلاف من نساءه وأطفاله وشبابه وشرد الملايين منه، فقد اقتصر خطاب النظام، على لسان الجعفري، بالتركيز على الوضع الأمني والحديث عن الإرهاب الذي نعت به كل المعارضة دون تمييز، ولكن بعد الضربة الأمريكية التي أدت إلى قلب المعادلة وتغيير موازين القوى ستكون للمعارضة توجهات أخرى غير التي كانت في السابق.

أمريكا لم تكن غائبة عما يجري في السابق، وإن كانت تراقب وتتابع عن كثب، بدليل أنها كانت تدعم الكيانات العسكرية في شمال وشمال شرق سوريا، حيث أقامت في تلك المناطق العديد من المطارات والقواعد العسكرية وقامت بدعم ومساندة قوات سوريا الديمقراطية وقوات النخبة السورية كقوات عسكرية تعمل على الأرض تحت مظلة التحالف الدولي للقضاء على داعش، وهي غير بعيدة عن الدعم الذي يقدمه التحالف للقوات السورية في الجنوب والبادية السورية لإحكام الخناق على التنظيم الإرهابي والقضاء عليه في سوريا بالتوازي مع الحرب المستعرة ضده في الموصل.

ولكن يظل ذلك ناقصا طالما أن العملية السياسية برمتها معطلة وتقف أمام حائط سد دون ضغط أمريكي حقيقي، واتفاق أمريكي روسي على الشروع بتنفيذ الاتفاقات الدولية المتعلقة بالحل السياسي في سوريا، وهذا يبدو أنه في حالة انتظار إلى حين الانتهاء من تحرير الرقة وحصر الفصائل الإرهابية في جيوب ضيقة، ولكن هذا الانتظار يدفع ثمنه الشعب السوري الآن تمددا للمخططات الديموغرافية التي ينتهجها النظام وحلفاؤه، وخصوصا الإيرانيون، لإبعاد المعارضة عن تخوم المناطق التي يسيطر عليها النظام، ما يعقد الحل في سوريا ويعقد ترتيباته وما يتبعه من استحقاقات، في ظل احتقان شعبي طائفي مناطقي معالجته لا تقل صعوبة عن صعوبة أي أمر من أمور الأزمة السورية التي طالت بما يكفي للمباشرة الفورية بحلها، كما طالت بما يكفي لتكون صعبة الحل.

إسماعيل بوبي

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة