رئيس إيران أم وريث المرشد؟

قبل أربعة أعوام من اليوم راهن الكثير من المحللين على تأثير اختيار رئيسٍ إيرانيٍ جديد على السياسة الإيرانية عموماً وفي الملف السوري خصوصاً، لاسيما مع وصول الإصلاحي حسن روحاني...
لافتة للمرشد علي خامنئي في أحد شوارع طهران

قبل أربعة أعوام من اليوم راهن الكثير من المحللين على تأثير اختيار رئيسٍ إيرانيٍ جديد على السياسة الإيرانية عموماً وفي الملف السوري خصوصاً، لاسيما مع وصول الإصلاحي حسن روحاني إلى سدة الحكم، لكن مع الأيام أثبت تصاعد الدعم الإيراني لبشار الاسد والحوثيين وحزب الله أن السياسة الإيرانية لا تختلف باختلاف الرئيس “صاحب الصلاحيات المحدودة بالشؤون الداخلية فقط” طالما أن المرشد لايزال هو ذاته.

اليوم نحن أمام حالة جديدة من الانتخابات الرئاسية في إيران “19 أيار القادم”، لا سيما وأن التيار المحافظ “الذي يسيطر على معظم مفاصل البلاد” يبحث  أن يكون الرئيس القادم خليفة للمرشد الأعلى علي خامنئي أكثر من كونه رئيس للجمهورية، لاسيما في ظل التدهور الملحوظ في صحة الخامنئي، والذي بات يهدد قدرته بالاستمرار في منصبه وحياته بشكل كامل خاصة مع التقارير الطبية التي كشفت انتشار مرض سرطان البروستات في جسده.

لست هنا بوارد ذكر تفاصيل صحة المرشد، ولكنها عملياً هي الحلقة الأهم في الانتخابات القادمة بالنسبة للتيار المحافظ الساعي لتأمين سلطته المطلقة في البلاد عبر كرسي المرشد، فالمحافظون يدركون تماما خطورة موت خامنئي قبل إعداد خليفة له، لا سيما ما سينتج عن ذلك من قيام صراعات على الصعيد الداخلي، في ظل وجود الكثير من الشخصيات الدينية التي تستعد لخوض صراع وراثة الخامنئي، وعلى رأسهم حسن خميني “حفيد الإمام الخميني” الذي يعد من أنصار الخندق المواجه للخامنئي ومعكسر المحافظين.

عملياً في هذا الواقع الذي يقول من الناحية الطبية “والاعمار بيد الله” إن الخامنئي قد لا يشهد الانتخابات بعد القادمة، يجد التيار المحافظ نفسه أمام استحقاق الحفاظ على كرسي المرشد، وضمان انتقالٍ سلسٍ للصلاحيات من الخامنئي لخليفته، من خلال السيطرة على كرسي الرئاسة وتحويل منصب الرئيس بصورة غير مباشرة ولا معلنة إلى منصب مفوض بصلاحيات المرشد، خصوصاً وأن المعسكر الإصلاحي ليس بعيد عن الطريقة التي يفكر فيها المحافظون بالنسبة للانتخابات وخلافة المرشد.

هنا يمكن القول إن دعم المحافظين للمرشح الأصولي المتشدد إبراهيم رئيسي في انتخابات الرئاسة لم يأتي من باب الصدفة، وربما يعتبر مؤشراً قوياً على نظرتهم للانتخابات وخلافة المرشد، فالرجل المعروف بتعصبه وأصوليته الشديدتين يعتبر من أكثر الشخصيات الدينية الإيرانية حظاً لخلافة خامنئي، خاصة بسبب تاريخه القيادي في النظام الإيراني، بالاضافة إلى تلقيه العام الفائت دعماً كبيراً وما يشبه رسالة مبايعة من رجالات الجيش والأمن والحرس الثوري “الذين يعتبرون قيادات الدولة العميقة الحقيقية في إيران والرقم الصعب في اختيار المرشد”، وهو الشيء الذس يدفعني على الأقل بوجهة نظر شخصية إلى اعتباره الأقرب إلى كرسي الرئاسة، خاصةً إن تكرر سيناريو العام 2009 ولعبت عمليات التزوير دورها في نتائج الانتخابات.

مؤشرات نظرة المحافظين للرئيس الجديد والبحث عن مرشد جديد لا تنحصر فقط في اختيار شخص “رئيسي”، وانما في استبعاد التيار المحافظ للكثير من المرشحين الأصوليين من انتخابات الرئاسة كونه لا تنطبق عليهم شروط خلافة المرشد “بأن يكون من طبقة السادة أو أصحاب العمامات السوداء” وعلى رأسهم محمود أحمدي نجاد الذي يعتبر أكثر قرباً وتفضيلاً للخامنئي من رئيسي، لاسيما وأن رئيسي لا يتمتع بأي شهرة أو شعبية تمكنه من خوض سباق الرئاسة أمام مرشح كروحاني يقال بأن شعبيته تجاوزت كل من سبقه في هذا المنصب.

طبعاً، لا يمكن الحديث عن مؤشرات استعدادات المحافظين لعملية خلافة المرشد عبر انتخابات الرئاسة دون التعريج على قضية موت هاشمي رفنسمجاني، والذي قالت تقارير إعلامية أنه تعرض لعملية اغتيال تورط فيها المرشد وأجهزة الأمن الإيرانية، خاصة وأن الرجل كان يعتبر الرجل الثاني في الثورة الإسلامية بعد الخميني، وعقبة حقيقية في وجه السلطة المحِافِظة المطلقة، كونه صاحب سلطة كبيرة تمكنه من لعب دور كبير في اختيار المرشد وقيادات النظام الإيراني وتحديداً ذات المناصب الدينية بوصفه رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، ما يدفع إلى تبني نظرية أن تغييب رفسنجاني “غير المتفق مع الخامنئي” جاءت كخطوة أولى على طريق اختيار المرشد الجديد بما يتوافق مع أهواء المحافظين، فيما ستشكل الانتخابات الخطوة الثانية على ذات الطريق وستلحقها خطوات أخرى.

هذه النظرة “المحافظة والإصلاحية” على حد سواء للانتخابات الرئاسية الإيرانية تعني شيئين مهمين، أولهما أن السباق الرئاسي سينحصر عملياً بين مرشحين من أصل ستة هما ابراهيم رئيسي الذي يشكل حجر الأساس في مشروع المحافظين في خلافة المرشد، وحسن روحاني الذي سيعتمد التيار الإصلاحي على شعبيته لقطع الطريق على المحافظين ومشروعهم، فالانتخابات الرئاسية اليوم ليس فقط على منصب رئيس وإنما على حكم إيران ككل عبر شخص المرشد، وبناءاً على ذلك فإن دور المرشحين الأربعة الباقين لن يكون وفق هذا السيناريو أكثر من كومبارسات لإكمال المشهد ولن أكون مصدماً ان انسحب بعضهم أو كلهم من السباق.

أما النقطة الثانية والأكثر أهمية، أنه فيما لو وصل رئيسي إلى سدة الحكم “وشخصياً اعتقد أنه قريب جداً منها” فإنه لن يكون رئيساً عادياً أو تقليدياً، وإنما سيكون فعلياً مفوض بصلاحيات المرشد أو وريث له أكثر من كونه رئيس جمهورية، وأن إيران ستشهد الكثير من التقلبات على الساحة الداخلية فيما لو فاز رئيسي، أبرزها نقل سلس وغير رسمي لبعض صلاحيات المرشد إلى “شخص الرئيس” وليس إلى الرئيس كـ”منصب”، إلى جانب تصاعد عمليات تصفية أو تغييب الشخصيات المؤثرة في عملية اختيار المرشد، والتي قد تعتبر عقبة أمام تنصيبه مرشداً أعلى.

باختصار، ولفهم الحالة التي تعيشها إيران اليوم بكامل تفاصيلها يمكن تشبيهها بالحالة السورية عندما باشر حافظ الأسد تجهيز بشار الأسد لخلافته، تلك المرحلة التي شهدت تركز السلطة الفعلية بيد الأخير وتسلسله في مناصب الدولة وتغييب الكثير من الشخصيات القيادية في النظام لتمهيد الطريق أمامه للوصل إلى السلطة، فإيران منذ اليوم وحتى وفاة الخامنئي أو ربما عزله لأسباب صحية “وهو أمر وارد” تعيش ذات السيناريو الذي عاشته سوريا منذ عودة بشار الأسد 1994 وحتى تسلمه السلطة بعد موت والده 2000، من اقصاءات وتدرج في المناصب ونقل للصلاحيات وتصفيات جسدية أو سياسية، فكلنا يذكر كيف أفرغ الأسد الأب الساحة أمام الأسد الابن عبر ما سمي وقتها بمحاربة الفساد والتي اطاحت بصقور النظام آنذاك السياسية والعسكرية، ما يعني أن وصول رئيسي إلى الحكم سيكون بداية حرب على الفساد في إيران لكن على الطريقة الأسدية.

حسام يوسف – تيار الغد السوري

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة