الأزمة السورية بين الممكن والمتاح

يزداد المشهد في الأزمة السورية “غموضا” وليس “تعقيدا”، وتتوالى فيه الألغاز والمواقف المبهمة من الدول الفاعلة والدول التي تؤثر في المشهد السوري، من خلال استعمال أدواتها المتواجدة على الأرض...

يزداد المشهد في الأزمة السورية “غموضا” وليس “تعقيدا”، وتتوالى فيه الألغاز والمواقف المبهمة من الدول الفاعلة والدول التي تؤثر في المشهد السوري، من خلال استعمال أدواتها المتواجدة على الأرض السورية أو من خلال وكلائها المحليين أو الإقليميين، وترتفع الوتيرة أحيانا وتنخفض حسب البورصة العالمية للمفاوضات والمصالح التي تحكم العلاقات بين الدول ذات التاثير العالمي.

لاشك أن الضربات الصاروخية التي نفذتها الولايات المتحدة الامريكية على مطار الشعيرات، عقب مجزرة خان شيخون التي ارتكبها الأسد بالأسلحة الكيميائية المحرمة دوليا، لم تكن ضربات اعتباطية أو نزوة من نزوات ترامب، بل كانت بمثابة جرس يتم قرعه للتنبيه على العودة الأمريكية للتدخل بشكل مختلف في الأرض السورية، وقد توالت التنبيهات الأمريكية من خلال إسقاط طائرات للنظام وقصف أرتال له كانت تحاول الاقتراب من مواقع النفوذ الأمريكي أو من مواقع قوات الجيش السوري الحر التي تدعمها أمريكا في البادية السورية.

الشرق الأوسط بما يحمله من أساطير وخرافات تداخلت مع الجانب الديني أصبح بمثابة الرمال المتحركة التي يغوص فيها الجميع، وقد تعاملت أمريكا مع جميع الأطراف على هذا الأساس، وقامت بتوريطهم في هذه الرمال المتحركة ثم وقفت تتفرج عليهم وهم يستغيثون ويعلنون أن لاحل بدون إرادة أمريكية حقيقية، وأن غياب الرؤية الأمريكية الواضحة هي التي تسبب التعثر في الحل، وقد أكد ذلك أكثر من مرة المبعوث الدولي “استيفان دي مستورا”.

الإدارة الأمريكية من الواضح أنها اتخذت قرارين فقط، وهي تعمل على أساسهما بشكل جدي؛ الأول هو القضاء على تنظيم داعش بشكل كامل في العراق وفي سوريا مهما كان الثمن، والعمل على اجتثاث هذا التنظيم بشكل كامل، وجعل هذا الأمر مهمة خاصة لها حصرا، إن كان بشكل مباشر أو من خلال حلفاء لها تقدم لهم الدعم ليعملوا على الأرض.

الثاني وهو التصدي للنفوذ الإيراني وتحجيم دور إيران في المنطقة العربية، من خلال البدء بعملية عزل للمليشيات التابعة لها، إن كان في العراق أو في سوريا رغم صعوبة هذا الأمر وتكلفته العالية التي قد تكون أكثر من تكلفة القضاء على داعش، لأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى نفوذها يتقلص، وهي التي انهكت اقتصادها على مدى عشرات السنين من أجل بناء هذا النفوذ وتقويته.

هنا يتصدر المشهد التداخل في المصالح بين روسيا وإيران، وتحاول طهران الاستفادة من حاجة الروس إليهم في سوريا كي تكتسب شرعية لاستمرار وجودها مقابل تثبيت الاتفاقيات التي تبرمها موسكو مع الأسد، والتي أصبحت تتفاوض بشكل علني عن الأسد ونظامه وتعقد الصفقات والمعاهدات والهدن دون الرجوع إليه أو استشارته، بل إنها أعلنت عن تغيير وزاري قريب سيطال عدة وزارات سيادية في سوريا قبل أن يعلن الأسد وحكومته عن ذلك.

ثم يأتي تداخل المصالح التركي الروسي، والذي تحاول تركيا من خلاله أن تمسك العصا من منتصفها، فهي لاتريد أن ترتمي في الحضن الروسي بشكل كامل وتصبح مجرد أداة يستغلها الروس لتحقيق أقصى مايمكن من مصالحهم على حساب المصالح والأمن القومي التركي لذلك نراها تعمل بحذر وتحاول القضاء على المشروع الكردي من خلال تمرير الشروط الروسية والضغط على الأطراف التابعة لها للقبول بمطالب الروس التي تنتج من خلال مؤتمر أستانة، ولكن الأتراك يعلمون أن الحليف الأمريكي يراقب بشكل دقيق مايجري وأن لهم خطوطا لايمكنهم تجاوزها ونراهم يحاولون بشكل دائم طرح أنفسهم والفصائل التابعة على أنهم بديل موثوق للقوات الكردية التي تقاتل مع الأمريكان، ولكنهم إلى الآن لم يستطيعوا نيل الضوء الأخضر لهذا الأمر.

الأمريكيون بطبيعتهم يتعاملون مع الجميع بشكل مبهم، يوحون للجميع بأنهم معهم، وأنهم حلفاء لهم لكن دون إعطاء أي ضمان لأي وعد أو تعهد، بل يجعلون عباراتهم فضفاضة تحتمل أكثر من تفسير، وتخضع لعدة تأويلات بطريقة دبلوماسية تجنبهم فقدان الحلفاء، وتجعل الحليف في حيرة من أمره وفي وضع لايحسد عليه، فهو لم ينل الموافقة الصريحة، ولم يسمع الرفض المطلق.

الغموض هو لعبة أمريكية بامتياز، تبرع فيها جميع القيادات الأمريكية، وتستعملها بشكل محترف، ويبدو أنهم ليسوا بصدد التخلي عن هذا الأسلوب الناجح الذي يعطيهم المرونة في الحركة وتبديل الاتجاه بسرعة كبيرة، ويجنبهم الدخول في مواجهات مباشرة مع حلفائهم.

ويبدو أيضا أن لديهم خطة خاصة يعملون وفقها وليسوا في وارد إطلاع أي أحد عليها، بل استعمال الجميع من أجل تنفيذها وإنجاحها وفي النهاية يحصدون نتائجها مع توزيع بعض الهدايا التي لاتؤثر بشكل كبير على نصيبهم منها، بل ستجعل الجميع فرحين ويظنون أنهم حققوا أقصى مايمكن من نتائج كانوا يحاولون الحصول عليها، وذلك بعد الإنهاك الكبير والاستنزاف الذي تعرضوا له في هذه الأزمة الماراثونية.

وفي النهاية سيجدون أن الممكن قد تم تحقيقه، ولكن ليس كل المتاح هو مسموح لهم به، بل إن الحصة الكبرى ستكون من نصيب من ورّط الجميع في الرمال المتحركة ثم أمسك بطوق النجاة ووقف ينظر إليهم وهم يغرقون ويستنجدون به للتدخل من أجل إنقاذهم.

صدام حسين الجاسر

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة