وقف إطلاق النار في سوريا هو المدخل الموضوعي الوحيد لبدء مرحلة جديدة

لا شك أن سلوك النظام السوري حتى الآن لا يشي، ولو قليلاً، أن لديه النية في تقديم أي تنازل مشروع للشعب السوري، خصوصاً بعد فتحه أبواب البلاد على مصراعيها...
أطلال مبان مدمرة في سوريا نتيجة غارات لطيران نظام الأسد على المناطق المدنية
لا شك أن سلوك النظام السوري حتى الآن لا يشي، ولو قليلاً، أن لديه النية في تقديم أي تنازل مشروع للشعب السوري، خصوصاً بعد فتحه أبواب البلاد على مصراعيها لتغدو ملعباً لآلاف المقاتلين من مليشيات عربية وأجنبية مختلفة. والأخطر من ذلك، تقديم امتيازات خطيرة للنظام الإيراني وروسيا في غياب أي مشروعية لكل قراراته التي يتخذها، لا بل في ظل غياب شبه كامل لإرادته هو ذاته في كل ما يقدمه من تنازلات بعد هيمنة الأخيرتين على إرادته وقراره السياسي بشكل شبه كامل.
وللأسف، من جهة أخرى، فإنه لم يعد من الممكن بأي حال من الأحوال التعويل على تلك المليشيات المسلحة التي كانت تحمل مسمى “الجيش السوري الحر” والتي كانت تعتبر ذراعاً عسكرياً لتحقيق أهداف الثورة وحماية حواضنها الشعبية والنخبوية ومكتسباتها الميدانية والسياسية، قبل أن تنقلب على مشروع الثورة برمته، وتعمل على سحق حواضنه وكوادره وتحطيم رموزه، وتعتبره مشروعاً معادياً لها على قدر معاداتها للنظام نفسه.
محمد قنطار عضو الأمانة العامة لتيار الغد السوري

محمد قنطار عضو الأمانة العامة لتيار الغد السوري

وبالتالي سيكون الاستمرار في دعم هذا الصراع، الذي لا ينتمي لمطالبات السوريين المشروعة بالتحرر والديمقراطية والمواطنة، بين تلك الأطراف المتصارعة على الحكم من قبل أي من قوى المعارضة السياسية جريمة تسجل بحق مرتكبيها، لأن انتصار أي من هذه الأطراف المتنازعة عسكرياً على الأرض لن يكون في مصلحة السوريين بأي شكل كان.
إذاً يكون الخيار الوحيد المتاح للسوريين هو التهدئة والعمل مع الأطراف الدولية الفاعلة والمسيطرة على كل قوى الصراع المحلية ابتداءً من النظام مروراً بالمليشيات المسلحة المقاتلة ضده على تثبيت مناطق وقف الاقتتال وزيادة رقعتها لتشمل كافة الأراضي السورية التي تشهد معارك بين تلك القوى، والعمل على فتح ممرات للمدنيين وتأمين إدخال البضائع والمواد الإغاثية وكل مستلزمات الحياة اليومية لإعادة الحياة للمدنيين في كل مناطق الصراع التي تم تثبيت وقف إطلاق النار فيها.
ضمن هذا السياق يمكن أن نعتبر المناطق التي دخلت حيز التنفيذ لاتفاقات وقف إطلاق النار أو ما يسمى “مناطق خفض التصعيد”، والتي تمتد من محافظة إدلب وريف حماة وريف حمص ودرعا والمنطقة الجنوبية، إنجازات كبيرة يمكن بالفعل، لا بل يجب الاستفادة منها والبناء عليها في أي عملية سياسية قادمة. وأبرز تلك الإنجازات على صعيد وقف إطلاق النار كان الاتفاق الأخير الموقع في القاهرة بين فصائل الغوطة الشرقية في ريف دمشق والنظام، والتي لعب فيها تيار الغد السوري ممثلاً برئيسه السيد أحمد الجربا دوراً محورياً في إتمامها وإنجاز بنودها، حيث شمل ذلك الاتفاق مناطق غاية بالأهمية، وهي الغوطة الشرقية في ريف دمشق، وسيمتد فيما بعد ليشمل بلدات يلدا وببيلا والقلمون الشرقي.
على صعيد آخر فإن إنهاء حالة الصراع المسلح، ليشمل كامل الأراضي السورية ما عدا المناطق التي تتمركز فيها القاعدة وداعش، من شأنه بالضرورة وبشكل تلقائي الحد من نفوذ المليشيات الطائفية والإيرانية المتواجدة في سوريا، ما يعني نهاية مهمتها التي ابتدعتها لنفسها في سوريا، وبالتالي انحسار النفوذ الإيراني بشكل مقبول، بما يفسح المجال لمفاوضات سورية برعاية المجتمع الدولي والدول الضامنة أن تثمر عن تقدم مقبول في مسار العملية السياسية.
أيضاً، سيكون من شأن تثبيت فعلي لوقف إطلاق النار في عموم الأراضي السورية أن يوقف النزيف البشري السوري، إنْ كان تقتيلاً أو تهجيراً، وسيضع جميع الأطراف أمام طاولة استحقاقات سياسية لا مناص منها. عندها يتوجب على المعارضة السياسية أن تكون قد هيأت نفسها للتصدي للاستحقاق السياسي المترتب عليها بعد أن تشمل عمليات وقف إطلاق النار كامل الأراضي السورية من خلال خلق مظلة عمل وطني تشمل الطيف الاجتماعي والسياسي الأوسع الممثل لقوى المعارضة والثورة على أساس رؤية مشتركة ونهائية ترتكز على أسس الديمقراطية والمواطنة والحقوق والحريات لكل مكونات المجتمع السوري.
محمد قنطار
أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • في معنى “العودة لحضن الوطن”

    على وقع ما أطلق عليه النظام تسمية “المصالحات الوطنية” والتي فرضت بالحديد والنار والتجويع والحصار من قبل النظام وحلفائه بعد سنوات من الوحشية. ومع توسع نطاق تلك المصالحات بتنا...
  • من زراعة المتشددين إلى زراعة المتشدقين

    يطالعك مقال لاسم معروف في عالم الصحافة العربية، شخص من المفروض أنه إعلامي مخضرم، فتتحمس للقراءة علك تجد معلومة أو تحليلا أو فائدة ترجى. تبدأ بالقراءة، تقرأ وتقرأ، ومع...
  • عن الحرمان في زمن الإجرام

    قبل عقود من الآن، كانت علب “السردين” صفراء اللون سبباً في انقسام حاد بين أطفال الحي والآخرين الذين يحصلون عليها من “الأونروا”، بالرغم من أن أهاليهم في معظم  الأحيان...
  • الأسد .. وحلم البقاء المستحيل؟!

    أعلم أننا في عالمٍ كل شيء فيه جائز، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالسياسة ومصالح الدول العظمى، ولكن رغم هذه الحقيقة يبقى للواقع ومعطياته كلمته الفصل في الكثير من...