تيار الغد السوري بين النظرية والتطبيق

لاشك أن أغلب الحركات والتجمعات السياسية التي تنشأ في مختلف بقاع العالم تقوم على أساس نظري يحدد توجهاتها وأهدافها ونظمها الداخلية ومناهجها الفكرية الذي تستند إليها في اتخاذ قراراتها...
السيد أحمد الجربا يلقي كلمة خلال مؤتمر تأسيس تيار الغد السوري بالقاهرة آذار 2016
لاشك أن أغلب الحركات والتجمعات السياسية التي تنشأ في مختلف بقاع العالم تقوم على أساس نظري يحدد توجهاتها وأهدافها ونظمها الداخلية ومناهجها الفكرية الذي تستند إليها في اتخاذ قراراتها ورسم سياساتها المرحلية والعمل من أجل تحقيق أهدافها ومشاريعها.
لا يختلف تيار الغد السوري عن هذه الحركات والتجمعات في السياق العام والنشوء الأول. ولكن تصل هذه الحركات أو الأحزاب إلى “نقطة الحقيقة”، وهي التطبيق الفعلي لما تحمله من رؤى وأفكار ومبادئ، وهنا يبرز مدى الارتباط بين النظرية والتطبيق، فإن استطاعت الحركة السياسية أن تطبق نظرياتها على أرض الواقع وتسقطها على الحالة التي تواجهها واستطاعت أن تشخّص العلة وتقترح الحل فإنها ستنطلق نحو النجاح بخطوات ثابتة لأنها لم تكن منفصلة في شعاراتها عن الواقع.
صدام حسين الجاسر

صدام حسين الجاسر

في واقعنا السوري رأينا أغلب الحركات والأحزاب السياسية قد تحولت إلى مجرد مكاتب تصدر الشعارات وتتحول شيئا فشيئا إلى الجمود الفكري والعملي لأنها لم تستثمر طاقاتها المتاحة، أو لأنها رفعت شعارات لا تنطبق على واقع المجتمع الذي تدعي تمثيله والانبثاق عنه، ودليل ذلك على سبيل المثال “حزب البعث” الذي رفع شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية وفشله الذريع في تحقيق أي شعار منها، بل على العكس، تحول إلى مؤسسة تنتهج القمع الاستبدادي  والتفرقة المجتمعية والرأسمالية الفاحشة التي جعلته يسيطر على رأس المال ويتحكم به في استعباد المجتمع وتبديد مقدراته. الشعارات الرنانة التي أرهقت الشعوب العربية وأثقلت كاهلها وجعلتها تفقد الثقة في النخب السياسية أصبحت شعارات للتجارة والكسب على حساب هذه الشعوب.
ما يمكن ملاحظته اليوم أن تيار الغد السوري، في وقت قصير جدا بالنسبة للأحزاب والحركات السياسية السورية الأخرى، استطاع أن يقدم إنجازات واستقراءات للواقع جعلته يتخذ خطوات جريئة وقف البقية على شواطئها خوفا من فقدان ما تبقى لهم من مصادر كسب. لم يكن التيار يبالي بكثرة الناقدين أو المشككين بصحة قراراته أو خطواته واطروحاته ورؤيته للحل السوري لأنه استطاع استخلاصها من قراءة صحيحة وليس قراءة عبثية ترتكز على حسابات ضيقة ومصالح شخصية، وتجلى ذلك في التحالفات التي أقامها والزيارات والتنسيقات التي قام بها ليتفاجأ العالم مؤخرا بالهدنة في الغوطة الشرقية ودور التيار فيها، الأمر الذي شكل صدمة حقيقية عقدت ألسن الكثيرين فلم يستطيعوا حتى نقدها وجلسوا يتفرجون كأنهم في مرحلة تعلم أبجديات العمل السياسي وتطبيق النظريات ودمجها بالواقع.
الملاحظ أن رأس الهرم في التيار لا يظهر كثيرا على شاشات الإعلام أو وسائل التواصل، بل يجعل من أعماله مندوبا عنه يظهر نيابة عنه وعن التيار، ويراقب بصمت مطبق عمل الجميع، ويبدو أن هذه الطريقة أحرجت باقي قيادات الأحزاب الذين يصدعون رؤوسنا بندواتهم ومحاضراتهم خطاباتهم على القنوات ويملؤون آذاننا بتحليلاتهم وطرق الحل في سوريا، لنتفاجأ في النهاية أنهم لم يقدموا أي خطوة عملية في سبيل تحقيق ما يتحدثون عنه بل لازالوا في مرحلة التنظير التي يعجزون عن تجاوزها إلى بر العمل والإنجاز.
النظام الداخلي للتيار استطاع أن يضع تصورا واضحا لما يريده، وحدد شكل سوريا المستقبلية وطرق تحقيق ذلك بناءا على علاقات المجتمع الداخلية، وتحدث عن التشاركية على أساس المساواة وليس المساومة من أجل الحصول على مكاسب مختلفة تجعل من فئة ذات أفضلية على بقية الفئات.
حركة المجتمع السوري رغم تمزقه في الأعوام الأخيرة ومراقبته واستخلاص ما يناسبه وطرحه هو أمر غاية في الصعوبة وحساس جدا، وقد أحجم الجميع عن الخوض فيه بسبب قصر النظر وافتقاد الشجاعة اللازمة للطرح والتطبيق، بل تم الاكتفاء بالحديث عن انتقال سياسي يعتبر غطاء من أجل إعادة المجتمع إلى توازنه، وهو طرح فضفاض يحتمل تأويلات كثيرة قد تحمل في طياتها أمورا اسوء مما حصل وقد تؤدي إلى إحداث تقسيم مجتمعي فعلي فضلا عن استمرار الصراع إلى ما لا نهاية.
طرح التيار مبدأ التشاركية وعدم الإقصاء وحدد بوضوح أهمية مشاركة الجميع دون استثناء، ونظر إلى المجتمع السوري على أنه كتلة واحدة يتم التعامل معها بالتساوي وبشكل متواز يضمن انسحاب الحالة على الجميع، وليس بشكل متتال يجعل من المجتمع حالات عدة يتم التعامل معها على أساس طائفي أو عرقي أو ديني، وأدرك التيار أن التفاصيل هي التي يكمن فيها الخطر، وأن مناقشتها الآن أفضل من ترحيلها إلى المستقبل وجعلها قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة.
الدمج بين النظرية والتطبيق هو ما جعل التيار رقما صعبا في الحالة السورية، والاستفادة من أخطاء الأخرين وتجاربهم منحته المقدرة على رؤية الأفضل وتطبيقه، ولم يكن ذلك ليكون لولا الجهد الجماعي بين جميع مكوناته وتلازم مسارات عملها والاعتماد على العمل الجماعي وعدم إهمال الأفكار التي قد يتم طرحها ومناقشتها بشكل عملاني وصولا للتطبيق الأمثل والأجدى.
قد يتعرض التيار للنقد، وقد يتعرض للنكسات، وهذا أمر طبيعي لأنه بالمحصلة عمل بشري، ولكن بوجود كادر قادر على تجاوز الصعوبات وترجمتها إلى عوامل قوة له بحيث تجعله يعرف مواطن الضعف ليصار إلى معالجتها وتجاوزها.
في النهاية لايزال التيار مندفعا نحو التطبيق، وها هو يحصد النتائج ويصبح الاعتراف به على أنه طرف لا يمكن اختزاله أو استثناؤه أمرا لا مفر منه، وإن كان على مضض لكثير من المعارضين الذين أصبحوا على يقين أنهم يحصدون ما زرعتهم أيديهم من رهانات خاطئة مبنية على قصر نظر خلال السنوات الطوال الماضية، وأن ابتعادهم عن العمل على أرض الواقع واكتفائهم بالنظريات والشعارات هو ما أوصلهم إلى الحالة التي هم فيها ولا يحسدون عليها، وأن تلازم النظرية والتطبيق هو ما ميز تيار الغد السوري وجعله في موقع الصدارة الفاعلة والمنجزة على الأرض.
صدام الجاسر
أقسام
مقالات

أخبار متعلقة