الأسد .. وحلم البقاء المستحيل؟!

أعلم أننا في عالمٍ كل شيء فيه جائز، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالسياسة ومصالح الدول العظمى، ولكن رغم هذه الحقيقة يبقى للواقع ومعطياته كلمته الفصل في الكثير من...
من مظاهرات الثورة السورية في مدينة حماة
أعلم أننا في عالمٍ كل شيء فيه جائز، خاصة إذا ما تعلق الأمر بالسياسة ومصالح الدول العظمى، ولكن رغم هذه الحقيقة يبقى للواقع ومعطياته كلمته الفصل في الكثير من القضايا والأحداث حتى وإن تعارضت مع المزاج الدولي، وربما تكون الثورة السورية واحدة من تلك القضايا.
كثيرا ما بات يتردد في الأوساط الإعلامية أن سوريا اليوم تتجه نحو إعادة إنتاج الأسد بقرار دولي، وعلى الرغم من قناعتي التامة بأن الأسد يتجه نحو مشاهده الأخيرة في السيناريو السوري، إلا أنني لن أستبعد “جدلاً” أن يتخذ المجتمع الدولي قراراً بالإبقاء عليه في سدة الحكم كأسوء سيناريو قد تواجهه الثورة السورية، ولكن السؤال الجوهري هنا، هل القرار الدولي وحده يكفي الأسد للبقاء، وإعادة بناء امبراطوريته من جديد كما كانت قبل العام 2010؟؟ هنا بيت القصيد.
نتفق جميعاً على اختلاف توقعاتنا للحل في سوريا على أن ولاء الجيش والمنظومة الأمنية لبشار الأسد بتوليفتهما الطائفية شكلا الرقم الصعب في بنية النظام منذ تشكيله قبل قرابة خمسين عاماً، كما كان هذا الولاء حجر الزاوية في صموده حتى سبع سنوات من الثورة “من الناحية الداخلية”، وهذه حقيقة لا ينكرها أحد، وإنطلاقاً منها يمكن اعتبار إعادة انتاج الأسد كواحد من المستحيلات.
لننظر إلى إحصائيات سبع سنوات من الثورة، صحيح أن النظام لم يسقط، ولكن  يمكن القول بأن المنظومة العسكرية والأمنية قد تحطمت تماماً نتيجة الانشقاقات التي تسببت بانهيار الكثير من القطع العسكرية، بالإضافة إلى ارتفاع أعداد قتلى النظام والمصابين بإعاقات دائمة “سواء من القوات النظامية أو ما يسمى بالقوات الرديفة”، والتي كان للطائفة العلوية حصة الأسد منها جراء مقتل وإصابة ثلثي شباب الطائفة العلوية وشاباتها “بحسب إحصائيات روسية”، ناهيك عن هجرة أعداد كبيرة من الشبان العلويين خلال موجات اللجوء إلى أوروبا، ما هدد بشكل مباشر وجود وثقل الطائفة العلوية كمكون ديموغرافي أقلوي في سوريا ككل.
من ناحية أخرى فإن عجز بشار الأسد عن إعادة قوته العسكرية “عمادة نظامه” لا يتوقف فقط عن حد النقص البشري، وإنما في اندثار الحرس القديم الذي أسس لهذه الإمبراطورية الديكتاتورية التي قادها والده حافظ الأسد “أمثال غازي كنعان وحكمت الشهابي وعلي دوبا.. إلخ”، وعدم كفاءة الحرس الجديد لبناء امبراطورية ظلام أمنية جديدة، خاصة وأن هذا الحرس لا يتمتع بذات درجة الولاء التي كانت يمتلكها الحرس القديم تجاه الأسد الأب.
ما أريد قوله هنا، أنه فيما لو بقي بشار الأسد في السلطة “وأتحدث هنا جدلاً”، فإنه سيكون بلا مخاب ولا أذرع أمنية وعسكرية ضاربة كاملة الولاء، على اعتبار أنه لن يكون قادراً على استعادة التركيبة الطائفية للجيش والأجهزة الأمنية التي كانت روح النظام وقلبه، وبالتالي فإنه الجيش المقبل لسوريا “حتى وإن شكله الأسد” لن يتمتع بذات الولاء للنظام لا سيما على مستوى كبار الضباط، وسيضطر وقتها لإنشاء جيش تعددي قد يكون للعلويين فيه حصة كبيرة ولكنها غير كافية لضمان الولاء التام كما كان الحال سابقا، ما يعني أن الثورة إن لم تسقط الأسد بشكل لكامل فإنها على الأقل حققت إنجازاً عظيماً بكسر العمود الفقري للنظام وحولته إلى نظام عاجز حتى ولو استمر الأسد في منصبه.
الأهم في مثل هذا الطرح هو أن الأسد في هذه الحالة لن يكون بمنأى عن احتمالية مواجهة انقلابات عسكرية فيما لو بقي في سدة الحكم، أو دعم جزئي من الجيش لأي انتفاضة شعبية مقبلة ربما تشهدها سوريا حتى ولو بعد عشرين عاماً من اليوم وتكون كفيلة باقتلاع حكمه، وهو ما لا يتناسب مع المصالح الدولية التي تتطلب استقراراً على المدى الطويل.
أما لو تحدثنا على المستوى الواقعي، فروسيا هي الجهة الأكثر إدراكاً للواقع السابق، نظرا لتوغلها التاريخي في سوريا ودرايتها الكاملة بالنظام وتركيبته، وهو ما سيدفع موسكو للعد حتى المليار قبل تبني فكرة الاحتفاظ بالأسد إلى ما لا نهاية، فالروس “بحسب تصريحات الملحق العسكري الروسي السابق في دمشق فلاديمير فيودوروف”، كثيراً ما يميلون إلى ترسيخ استقرار في مناطق نفوذهم ومصالحهم وتحديداً في سوريا، لا سيما وأنهم باتوا يمتلكون مصالح مضاعفة عن تلك التي كانت لديهم قبل العام 2010، إلى جانب ما باتت تمثله سوريا من عمق للأمن القومي الروسي من خلال منع أي مشاريع لأنابيب غار تمر من سوريا عبر أوروبا أكبر مستورد للغاز الروسي وتحديداً “مشروع الغاز القطري”، ما يعني بأن أسد بلا مخالب لن يكون محل اهتمام للروس.
أتفهم هنا من ينظر إلى الدور الإيراني في سوريا ومدى إمكانية أن يعتمد الأسد عليه في امبراطوريته الطائفية، ولكن وجود الدور روسي يجعل من احتمالية تنامي الدور الإيراني في سوريا شيئاً خيالياً، خاصة وأن روسيا لن تنظر بعين القبول لوضع مصالحها في سوريا تحت سيطرة جيش طائفي موالٍ لإيران، بما يمنح طهران ورقة ضغط يمكنها استخدامها ضد موسكو في أي وقت.
خلاصة القول، فإن مصير الأسد ليس مرهونا اليوم فقط بالموقف الدولي كما يرى البعض، وإنما بمعطيات الواقع الذي يقول بأن الأسد حتى لو قُدِرَ له البقاء في السلطة فإنه لن يكون قادراً على ترميم جراحه وإعادة بناء قلاعه الأمنية ليعود إلى سابق عهده، وهي النقطة ذاتها التي تدعم عدم وضع الدول ذات الشأن لبشار الأسد في حسبانها كجزء من الحل النهائي في سوريا، أما تراجع وتيرة الأعمال القتالية بين المعارضة والنظام فلا تدرج إلا ضمن تمهيد الأجواء لحل سياسي وليس لإعادة إنتاج الأسد كما يتهيأ لمواليه وبعضاً من معارضيه.
حسام يوسف – تيار الغد السوري
أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • قرابين الحرب

    منعت نفسي منذ أيام أن أكتب عن بيع الشابة “كاترين مزهر”.. كيف أكتب عن حادثة واحدة وهناك آلاف الموتى والمفقودين في بلاد تحولت لمقبرة جماعية كبيرة للأحياء قبل الأموات....
  • الخَنّاس

    لا أعرف على وجه الدقة متى تسلل ذلك الكائن وعشعش في صدري، كما لا أعرف متى كان يغادرني طوعاً، فأنا لم أستطع طرده أو الامتناع عن تنفيذ أوامره. بدأ...
  • كيف تخرج المعارضة السورية من مأزقها

    مرت الثورة السورية بالعديد من المحطات وصلت بها إلى ما وصلت إليه اليوم، وكانت الثورة قد حظيت بتأييد أكثر من مائة دولة وكلت إحدى عشر منها بإدارة ملف مساعدة...
  • المبادرة الإيرانية .. قفز إلى الخلف أم إعلان هزيمة؟

    لا أدري إن كان من باب المصادفة أن يتزامن العرض الإيراني بالانسحاب من جنوب سوريا بـ”ضمانات أردنية” عبر وسيط تركي، مع التنفيذ الفعلي لمناطق خفض التوتر هناك؛ والتي كانت...