المبادرة الإيرانية .. قفز إلى الخلف أم إعلان هزيمة؟

لا أدري إن كان من باب المصادفة أن يتزامن العرض الإيراني بالانسحاب من جنوب سوريا بـ”ضمانات أردنية” عبر وسيط تركي، مع التنفيذ الفعلي لمناطق خفض التوتر هناك؛ والتي كانت...
علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الخمينية في إيران
لا أدري إن كان من باب المصادفة أن يتزامن العرض الإيراني بالانسحاب من جنوب سوريا بـ”ضمانات أردنية” عبر وسيط تركي، مع التنفيذ الفعلي لمناطق خفض التوتر هناك؛ والتي كانت نتيجة اتفاق أمريكي روسي مشترك، ولكن ما أستطيع تأكيده بأن وراء هذا العرض ما وراءه من الدلالات التي ربما تتعدى ليس فقط حدود الجنوب وإنما الجغرافية السورية كلها.
مبدئيا وبحسب منطق الأمور فإن التحرك الإيراني يمكن حصره بواحد من احتمالين، إما كإعلان هزيمة فعلية في سوريا وانهيار لمشروعها، ولكن بغلاف سياسي لحفظ ماء الوجه، أو مجرد قفزة للخلف بانتظار تطورات معينة أو لترقب ما ستؤول إليه الأمور مستقبلا، فأي الاحتمالين الأقرب؟.
قبل الخوض في تحليل هدف التحرك الإيراني لابد من الإشارة إلى أن طبيعة الشروط التي وضعتها إيران في عرضها، وفقا لوكالة آكي الإيطالية، بأن تضمن الأردن قيام إدارة مدنية للمناطق المحررة في الجنوب بعيدا عن ما أسمته “التنظيمات المسلحة”، يعكس أن إيران وبحسب منظومة أهدافها أجبرت على مثل هذه الخطوة خاصة بعد عجزها عن إفشال اتفاق تخفيض التصعيد من خلال الاستفزازات المتكررة للمعارضة، إلى جانب إدراكها أن روسيا “الحليف الأكبر للأسد والضامن السياسي له” ربما باتت تسبح في فلك أكثر بعدا عن ذلك الذي يسبح فيه الإيرانيون، في بداية محتملة لتفكك معسكر حلفاء الأسد بفعل تبدلات المصالح.
أما عن المبادرة بحد ذاتها، فمن الناحية المبدئية يصعب اعتبارها كإعلان هزيمة عامة في سوريا، خاصة وأن هزيمة من هذا النوع تعني سقوطا لحزب الله قلعتها “أي إيران” وحارس مصالحها في لبنان، إلى جانب أن المطلع على النظرية الإيرانية في الحروب يدرك تماما أنها كثيرا ما تسعى للهروب المؤقت عند احساسها بالعجز عن تحقيق أي شيء في المرحلة الحالية، وبالتالي فإن هذا العرض يمكن وصفه بإعلان هزيمة في معركة وليس الحرب ككل وقفزة للخلف لتجنب هزائم أكبر في المستقبل القريب.
المهم في العرض الإيراني هنا، ليس فقط في دلالاته الآنية أو الظاهرية، وإنما في ما يحمله من إشارات تدل أيضا على عدة أمور أكثر اتساعا من جغرافيا الجنوب، أولها وأهمها أن القضية السورية تتجه نحو ترسيخ وقف إطلاق نار شامل خلال الفترة المقبلة، وتمهيد الجو نحو ترسيخ قواعد لحل دائم، وإن كان بغض النظر عن شكله وتفاصيله يبدو أنه لا ينسجم مع الطموحات الإيرانية ومصالحها الطائفية، وثانيها وجود ما يشبه إجماعا دوليا تشارك فيه روسيا على عدم ترك سوريا كلقمة إيرانية كما كان الحال في العراق واليمن، هذا الاجماع الذي ربما بدأ وتبلور مع زيارات بوتين إلى إسرائيل والتي اعتبرت كتأشيرة للتدخل العسكري الروسي المباشر، والذي أعتقد أنه كان بداية لإنهاء أي دور إيراني في سوريا ولكن على مراحل.
أمام هذا السيناريو، يمكن القول بأن تزايد انتشار تجربة خفض التوتر ووصولها إلى مناطق نفوذ إيرانية كما في حمص ودمشق وحلب يدفع للاعتقاد بأن مبادة الانسحاب الإيرانية الحالية قد لا تكون الأخيرة من نوعها، وقد تمتد إلى مناطق أخرى ما يعني إمكانية أن تشهد الفترة المقبلة تراجعا كبيرا في نفوذ وانتشار الميليشيات الإيرانية والعراقية في سوريا بدرجة غير مسبوقة، وبالتالي فإن إيران ستكون وقتها أمام خيارات محدودة وضيقة جدا في سوريا، ليس أصعبها أن تصر طهران على السباحة عكس تيار الإرادة الدولية؛ ما يمكن أن يكبدها المزيد من الخسائر ويضعها في مواجهة أكبر من حجمها الاستراتيجي والجغرافي والعسكري، أو القبول بالتسوية الدولية التي قد لا تتفق مع مصالحها وعليه فإنها تكون قد أعلنت رسميا هزيمتها وانهيار مشروعها في المنطقة ككل نظرا لمحورية موقع سوريا في الربط بين نفوذ طهران في بيروت وبغداد، أو أنها تقبل بتعويضات رمزية لا تتعدى أنشطة تجارية او منجم للفوسفات  وربما بعض القطع الزراعية تحت الإشراف الروسي.
باختصار ما أريد قوله، بأن إيران وبعد سبع سنوات بدأت تشعر بـ”المقلب” الذي تعرضت له في سوريا، وبأنها لم تكن سوى أداة للقتل والتدمير وترسيخ توازنات معينة شأنها في ذلك شأن بشار الأسد، وأنها بعد خسائر بآلاف القتلى ومليارات الدولارات تواجه خطر ما يسمى بالعامية “أن تخرج من المولد بلا حمص”، وقد لا أكون آخذا في التفاؤل الزائد إن قلت بأن أكبر طموحات إيران خلال الفترة المقبلة في سوريا قد تنحصر بالسعي لعدم قيام كيان كردي في الشمال، بعد أن كانت تسعى للسيطرة على سوريا ككل.
حسام يوسف – تيار الغد السوري
أقسام
مقالات

أخبار متعلقة