الخَنّاس

لا أعرف على وجه الدقة متى تسلل ذلك الكائن وعشعش في صدري، كما لا أعرف متى كان يغادرني طوعاً، فأنا لم أستطع طرده أو الامتناع عن تنفيذ أوامره. بدأ...
طفل سوري
لا أعرف على وجه الدقة متى تسلل ذلك الكائن وعشعش في صدري، كما لا أعرف متى كان يغادرني طوعاً، فأنا لم أستطع طرده أو الامتناع عن تنفيذ أوامره.
بدأ ذلك عندما بلغت العاشرة من عمري. في غمرة اللعب مع الأولاد، تبدأ سيارة بالحركة فيقفز شيء في داخلي ويحلف يميناً معظَّماً أن ألمسها ويحدد لي عدد مرات فعل ذلك. وقبل أن تزداد سرعتها ويصير الوفاء بالقسم مستحيلاً، أركض لأضع يدي على السيارة بالقدر الذي حدده ذاك الهاجس، وإن استطعت أزيد على العدد المطلوب من باب الحيطة فربما أخطأت بالعد أو أن إحدى اللمسات لم ينتبه لها العداد عند هذا الكائن. الغريب أن الصغار حولي كانوا يركضون أيضاً نحو السيارة متضامنين معي فهم يعرفون أنني لا بد قد حلفت اليمين.
لم أكن أصدق أحداً أكثر منه، وكنت على يقين أن أي كلمة غير محسوبة قد تذهب بصاحبها للنار فكيف بعدم الوفاء باليمين.
كنت ألاحظ أن هذا الذي يسكنني ينشط أياماً ويخبو في أُخر. كانت مادة الاجتماعيات ومدرسها تربة خصبة يرتع فيها مطلقاً أوامره التي كان لزاماً عليّ طاعته فيها. كان المعلم في شرود دائم ودرسه كأنه البرد في المفاصل مع أنه كان صاحب همٍ عام، واعتقل لاحقاً ردحاً من الزمن. ذات حصة، سألني عن أي الحيوانات يسمى صوته بالخوار. رغم خوفي منه، إلا أن الساكن في داخلي أعطاني الثقة بقدرتي على الإجابة فقلت من فوري: “بقرة أستاذ”. صرخ في وجهي محتقناً: “شو ولك!”. ارتعدت فرائسي وتشتت ذهني وصرت بحذر أبحث عن إجابة في عيون الطلاب. مسكوناً بوجوب عدم الاستسلام، جربت مرة ثانية: “حمار أستاذ”. فتكرر المشهد مع ازدياد غضبه. انفلت الأمر ولم أترك شيئاً لم أقله: “معزاية أستاذ، كلب أستاذ، …”. لم أدري وقتها أن المشكلة بكلمة “أستاذ”، كما لم أفهم بعد ذلك لماذا يُسجن معلم ابتدائي حتى ولو كان على درجة عالية من النزق. ربما تَلَبَسَهُ قريبٌ للذي في داخلي ولم يحل عنه إلا بعد أن أكل الدهر عليه وشرب في تلك الأقبية المنتشرة على طول البلاد وعرضها.
ما زاد الطين بلة أن ذلك اليوم لم ينته إلا بموقعة أَمَرّ وأدهى، ففي المساء كنت بصحبة الرفاق أمام دار السينما، وإذ برجل مهيب يرتدي بزة سوداء، قوي البنية ومثل أستاذنا لا يضحك للبيض المسلوق كما يقال. كانت إحدى جيوبه تصدر رنيناً يشبه صوت قطع النقود المعدنية أو مجموعة من المفاتيح عندما تصطك ببعضها البعض. هذا الذي في داخلي حلف يميناً مغلظاً أن ألمس جيب الرجل ثلاث مرات. فعلتها، فاعتقد الرجل أني أريد سرقته فكانت حفلة حامية الوطيس من الرفش والرفس.
الصيف وعطلة المدارس وتمزيق كتب التاريخ والجغرافيا واللعب على مدى نهارات طويلة ربما جعلت هذا الآمر ينساني ويبحث عن شقي آخر، لكن إلى حين. فقد ظهر لاحقاً، واستوطن لساني، وما يزال.
أيمن الأسود
أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • هل يكون 2018 عام العودة إلى سوريا؟

    بينما يجتمع المسؤولون داخل أروقة المباني الحكومية في أنحاء أوروبا والشرق الأوسط، لمناقشة سياسات تهدف إلى إعادة الملايين من اللاجئين السوريين إلى وطنهم، تتأمل أسر سورية تجلس في خيام...
  • من كوباني لعفرين.. صفقات دولية على حساب الدم الكردي

    رغم تباين المواقف حيال العمليات العسكرية التركية في مدينة عفرين السورية إلا أن هناك بعض النقاط التي يتفق عليها جميع الأطراف بعيداً عن مواقفها ووجهات نظرها حول هذه العمليات....
  • شُوهِد

    في الأول الابتدائي، كنت الذكر الوحيد في صفٍ كامل من الجنس اللطيف في مدرسة ترتع فيها آنسات يطفحن أنوثةً أيام “الشارلستون” وتسريحة السد العالي، ما جعلني أتباهى بذلك بين...
  • إيران .. ثورة أم تصفية حسابات دولية؟

    أقدّر تماماً تعاطف الشعب السوري مع الحراك الشعبي في إيران، ولاسيّما أنه أعاد الكثير منهم إلى ذكرياته الأولى مع الثورة السورية، بالإضافة إلى اعتبارهم إياه امتداداً لثورتهم كونه يستهدف...