ورقة الأسد .. ولعبة الابتزاز الدولي في سوريا

الأسد باق .. الأسد سيرحل .. لم يعد رحيل الأسد مطلبا للمرحلة الانتقالية، وآخرها لا يمكن إعادة إعمار سوريا بوجود الأسد… تصريحات متناقضة أطلقها الغرب والأطراف الدولية خلال الأشهر...
أحد الثوار يسقط صورة لبشار الأسد من على جدار أحد المباني في مدينة أريحا بمحافظة إدلب 29 أيار 2015
الأسد باق .. الأسد سيرحل .. لم يعد رحيل الأسد مطلبا للمرحلة الانتقالية، وآخرها لا يمكن إعادة إعمار سوريا بوجود الأسد…
تصريحات متناقضة أطلقها الغرب والأطراف الدولية خلال الأشهر الماضية، اعتبرها البعض دليل تخبط دولي في سوريا، فيما رآها البعض الآخر مؤشرا على فشلِ المعارضة السورية في قيادة الثورة، مقابل طرف ثالث اعتبرها دليل تآمر دولي على الثورة السورية.
كلها وجهات نظر ممكنة، إلا أن تقريب مسافة النظر لهذه التصريحات ربما يقود لقراءة مختلفة تماما عما ذكر سابقا، وأولها أن تلك التصريحات تدل على أن الأسد بشخصه بات ورقة ابتزاز تمارسها القوى الدولية على الشعب السوري أولا وعلى بعضها لتحقيق مصالح وتوازنات للقوى ثانيا، لاسيما وأن ذات التصريحات المتناقضة تخرج من المسؤول الدولي الواحد، كما كان الحال في تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ومواقف الحكومة البريطانية وبعض الدول العربية والإقليمية، والذين قدموا جميعهم تصريحات متناقضة حول ذات القضية في مدة زمنية قصيرة جدا.
لنفترض جدلا، أن المجتمع الدولي تآمر مع الأسد ضد الثورة، فمن المؤكد أن هذا التآمر لن يظهر على العلن من خلال تصريحات صحفية لقادة هذا المجتمع لا سيما في ظل الجرائم المهولة التي ارتكبها بشار الأسد بحق السوريين والتي فاقت حتى جرائم الحرب العالمية الثانية، وفيما لو وُجد هذا التآمر فأنه سيكون سريا وبضوء أخضر من تحت الطاولة لبشار الأسد لاستعادة سوريا كاملة مقابل حصار طويل الأمد من قبل المجتمع الدولي، تماما كما حصل في سيناريو العراق أوائل تسعينيات القرن الماضي عندما واجه صدام حسين انتفاضة شعبية حصل خلالها على ضوء أخضر دولي لقمعها واستعادة السيطرة على العراق كاملة مقابل حصار جائر قتل الشعب قبل الحكومة، دون أن تبدي الدول الغربية موافقتها على هذا السيناريو بشكل علني.
من جهة أخرى، فيما لو كانت هذه التصريحات ناجمة عن فشل المعارضة السورية “وانا هنا لا أدافع عنها ولا أقول أنها ليست مخطئة ولم تكن على قدر قيادة الثورة” فإن هناك سيناريو بديل ممكن للمجتمع الدولي تطبيقه في سوريا من خلال خلق نظام جديد من رحم النظام الحالي يزيح الأسد ويبقي على “مؤسسات الدولة” وهياكل النظام في صورتها الحالية مع اسقاط للأسد، وهنا يكون المجتمع الدولي قد تجاوز حرج الاحتفاظ ببشار الأسد الذي بدأ يصنف دوليا إلى جانب هتلر وموسوليني، لا سيما مع وجود الكثير من الشخصيات التي تصلح للعب مثل هذا الدور “كالعميد مناف طلاس مثلا” المقبول روسيا وغربيا أو أحد الشخصيات المنشقة عن النظام أو التي لا تزال داخل سوريا كفاروق الشرع.
ما أريد قوله بشكل مباشر، بأن هذا التناقض في التصريحات الدولية حول مصير بشار الأسد تحديدا لا يرتبط بالتخبط ولا بالتآمر الدولي مع بشار الأسد ولا حتى بفشل المعارضة السورية ممثلة بالائتلاف الوطني بقدر ارتباطه بأمرين اثنين أولهما على الصعيد الداخلي الشعبي وثانيهما على صعيد توازنات القوى الدولية ومصالحها في سوريا والشرق الأسط عموما، فعلى الصعيد الداخلي يريد المجتمع الدولي توجيه رسالة إلى الشعب السوري بأنه بات يملك الكلمة الفصل في مستقبل سوريا وأن مصير الأسد مرتبط بالرؤية التي يتبناها وليس بمطالب الشعب السوري، وذلك لوضع السوريين امام خيارين؛ إما فشل الثورة وإبقاء الأسد في السلطة، وإما الخضوع للتسويات التي تقرها القوى الدولية في اجتماعاتها مقابل إسقاط النظام.
على الصعيد الدولي فإن هذا التخبط مرتبط بدلالات وتفاصيل مختلفة، فجميعنا يعلم أن المواقف الدولية حيال القضية السورية تنقسم بين المعسكر الأمريكي “المعارض” للأسد والمعسكر الروسي الداعم له، أما الموقف الأوروبي العربي فهو يندرج تحت مسمى الداعم لأحد المعسكرين، ما يعني أن هذا التباين الواضح في المواقف وتحديدا على المستوى الأوروبي والإقليمي يأتي ضمن إطار البحث عن أي المعسكرين يحقق النسبة الأكبر لمصالح هذه الدول “المعسكر الروسي الباحث عن نفوذ خارج الاتحاد السوفيتي، أم المعسكر الأمريكي الباحث عن استعادة الدور الدولي الفعال بعد حقبة أوباما المترهلة”، خاصة بالنسبة للفرنسيين والبريطانيين الباحثين عن استعادة نفوذ ومصالح في المستعمرات السابقة، والأتراك الباحثون عن دور إقليمي أكبر في مواجهة النفوذ الإيراني.
نعم قد لا تمتلك المنظومة الأوروبية وتركيا قوة الكلمة الفصل في سوريا كما الحال بالنسبة للروس والأمريكيين إلا أنهم يملكون قدرة على ترجيح كفة على كفة في معادلة القوى بين الروس والأمريكان، ودعم طرف على حساب طرف آخر خاصة في ظل التأزم الحاصل داخل الإدارة الأمريكية والذي يهدد قوتها في فرض وجهات نظرها على القوى العالمية.
ما يجب أن يفهمه السوريون اليوم، أن القضية السورية والمواقف منها لم تعد مرتبطة بدكتاتور أو قضية شعب محقة، وإنما في تغيير كامل للقوى الدولية وموازينها، فالعالم اليوم يعيش فترة أشبه بالتي عاشها عقب الحرب العالمية الأولى مطلع القرن الماضي والتي شهدت انهيار القوى التقليدية ممثلة ببريطانيا وفرنسا وصعود نجم الأمريكان كقوة القطب الواحد، وقدر سوريا الآن أن تكون مسرح لهذه التقلبات في هذا العصر، والتي تسعى من خلالها بعض القوى لفرض نظام عالمي جديد يزيد من قوتها وعلى رأسها روسيا، مقابل قوى تسعى لترسيخ النظام العالمي الحالي للاحتفاظ بقوتها وعلى رأسها الولايات المتحدة.
لا أقول هنا أن بشار الأسد بات بأهمية أن يكون نقطة فارقة في النظام العالمي وتطوراته، وإنما هي الأهمية الجغرافية والاستراتيجية لسوريا، على اعتبار أنها نقطة الدخول للعالم العربي بالنسبة للقوى الإقليمية، ونقطة الوصول إلى المياه الدافئة وضمان السيطرة على خطوط الغاز الواصلة إلى أوروبا بالنسبة للروس، ونقطة وصل بين القواعد العسكرية في تركيا والمنطقة العربية وخط التماس مع الحدود الشمالية لإسرائيل بالنسبة للأمريكان، ومنقطة المجد الضائع بالنسبة للفرنسيين والبريطانيين، وهو ما جعلها مركزا لمحاولات تراوحت بين فرض أو ترسيخ  نظام عالمي معين.
ما أريد التنويه له أيضا، أن بشار الأسد في وضعه الحالي لم يعد ذلك الوريث لدكتاتورية الظلام الصلبة المتماسكة القادر على تسيير سوريا باتجاه المنظومة العالمية التي يريد، كما أنه لم يعد القادر على فرض السيطرة الكاملة المطلوبة لترسيخ استقرار معين في بلد تمتلك كل هذه الأهمية الدولية والجغرافية، إلى جانب أنه فقد الورقة الأهم التي كان ممسكا بها والمرتبطة بأمن إسرائيل، ما يعني أنه سيكون من السذاجة أن تلجأ القوى الدولية لمثل هذه الشخصية في الحفاظ على مصالحها وتوازناتها، خاصة وأنه لن يكون بمأمن عن مواجهة انتفاضة شعبية مماثلة في المستقبل إن تم الإبقاء عليه، ناهيك عن فشله الذريع في مواجهة الانتفاضة الشعبية الحالية، وهوما تعيه تماما تلك القوى.
باختصار، فإن ربط سير الأمور في سوريا تحديدا ما يتعلق بمصير الأسد بالتصريحات الدولية وتناقضاتها قد يفتقد للدقة والصواب، فهو أقرب للدلالة على لعبة ابتزاز بدأ المجتمع الدولي بممارستها ضد السوريين وضد مكونات ذلك المجتمع نفسها، فمجرد الحديث عن وجود مرحلة انتقالية وذكر وجود الأسد فيها من عدمه يشير إلى الوضع الذي يعيشه النظام وعدم وجود نية دولية حقيقية للاحتفاظ ببشار الأسد، خاصة كما ذكر سابقا القضية السورية لم تعد مرتبطة بالسوريين والنظام وحدهم، أما بالنسبة للتطورات الميدانية وسيطرت النظام على مساحات واسعة فلا يدعم بقاء الأسد بالسلطة بقدر ما يشير إليه من توجه دولي لتسييس الحرب السورية ورغبة هذا المجتمع بوقف العمليات القتالية وتخفيف الضغط عنه بعد تفاقم الحالة الإنسانية وموجات اللجوء التي كانت متصاعدة خلال العامين الأخيرين.
حسام يوسف
أقسام
مقالات

أخبار متعلقة