معركة كسر العظام الدولية بدأت في سوريا

مقتل كبير المستشارين العسكريين الروس في سوريا، الجنرال فاليري أسابوف، ربما ليس هذا كل ما هو مهم بالخبر، لا سيما مع حديث وسائل الإعلام الروسية وعلى رأسها وكالة “سبوتنيك”...
رئيس المستشارين العسكريين الروس في سوريا الجنرال فاليري أسابوف
مقتل كبير المستشارين العسكريين الروس في سوريا، الجنرال فاليري أسابوف، ربما ليس هذا كل ما هو مهم بالخبر، لا سيما مع حديث وسائل الإعلام الروسية وعلى رأسها وكالة “سبوتنيك” عن ارتباط مقتل الجنرال بعملية “خيانة” على حد تعبيرها، الأمر الذي يضع القضية في خانة الاغتيال أكثر من كونها عملية قتل في معركة، خاصة وأن تلك الوسائل أكدت أن الاستهداف تم بعد تسريب إحدى الجهات مكان تواجد الجنرال الروسي في دير الزور لمقاتلي تنظيم داعش.
عمليا، ورغم عدم تحديد وسائل الإعلام الروسية للجهة المسؤولة عن “عملية الخيانة” تلك إلا أنه يمكن حصر الاتهام بثلاث جهات هي نظام الأسد وإيران والولايات المتحدة الأمريكية، على اعتبار أن الطرفين الأولين هما حلفاء سياسيين لموسكو، فيما واشنطن تعتبر الجهة الأخرى المحاربة للـ”إرهاب” في سوريا، في وقت تعيش فيه تركيا علاقات طيبة مع روسيا، ما يبعد أنقرة عن دائرة المتهمين.
منطقيا، اتهام النظام بهذه الخطوة والتآمر في قتل مسؤول بحجم الجنرال أسابوف قد لا يكون دقيق، خاصة في هذه المرحلة التي يعيش فيها النظام ككل في الكنف الروسي، وبالتالي فإن ليس من مصلحته توجيه مثل هذه الضربة للروس، ناهيك عن أنه لا يملك الجرأة للقيام بمثل هذه الخطوة التي قد يدفع بشار الأسد رأسه مقابلها إن أقدم عليها.
أما بالنسبة للأمريكان، وعلى الرغم من التقارب الأخير بين واشنطن وموسكو في الملف السوري، إلا أنه “أي التقارب” لم يصل للمرحلة التي تأمن فيها روسيا على كشف تحركات جنرالاتها في سوريا أمام الأمريكان، لاسيما في ظل الاتهامات التي أطلقتها روسيا قبل أسابيع عن دعم واشنطن لبعض خلايا داعش في سوريا، ما يجعل أمر تورط واشنطن في الحادثة شيئا مستبعدا بعض الشيء، بالرغم من أنه وارد ومحتمل.
يبقى الطرف الإيراني، والذي يمكن القول بأنه الأقرب للاتهام الروسي، وذلك لعدة أمور، أولها السخط الإيراني على التدخل الروسي المباشر في سوريا والذي حجم نفوذ طهران وجعل من عناصر الميليشيات الإيرانية قوة ثانوية بعد أن كانت القوة الأولى وصاحبة الكلمة الأقوى في الشأن السوري خاصة في الأعوام من 2011 وحتى 2016 “موعد تدخل الطيران الروسي في سوريا”.
من جهة أخرى، إدراك إيران بأن دورها في سوريا بالنسبة للروس مرحلي وآني مرتبط فقط باستمرار التوتر، الذي حالما ينتهي ستشرع روسيا بعمليات إخراج مقاتلي إيران من هناك، وهي أهم الضمانات التي قدمها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للإسرائيليين مقابل السماح للقوات الروسية بدخول الأراضي السورية وإنشاء قواعد عسكرية فيها، وهو ما تراه طهران كخيانة روسية للتحالف معها، وأن الأخيرة استعملت طهران ومقاتليها كورقة برية لتجنب الانزلاق في مستنقع شبيه بمستنقعها في أفغانستان.
أما النقطة الأهم، تتمثل برؤية الروس والإيرانيين للأمور في سوريا، والتي ينظرون لها على أنها تسير باتجاه التهدئة والاستقرار العسكري، ما يدعم فرضية أن كلا الطرفين بدأ بالبحث عن طرق زيادة النفوذ في سوريا ومن بينها سياسة الاغتيالات وضرب مراكز القوى للآخر، وهي السياسة التي ربما تكون بدأت بالفعل قبل أعوام مع بروز الصراع بين جناحي النظام الأول الموالي للروس والثاني الموالي للإيرانيين، والذي أطاح بالكثير من القادة الأمنيين في النظام على رأسهم اللواء جامع جامع الذي قتل أيضا في دير الزور قبل سنوات، والصراع الذي نشأ بين اللواء رستم “المدعوم إيرانيا” واللواء رفيق شحادة “المدعوم روسيا”، والذي أسفر عن مقتل الأول بظروف غامضة وتسريح الأخير رغم احتفاظه حتى الآن بسلطة أمنية قوية جعلت من تسريحه إجراءا شكليا.
وفق هذه الفرضية وفيما لو كانت فعلا طهران من تقف وراء خيانة موسكو فإنه يمكن اعتبار مقتل أسابوف بمثابة نقطة تحول في صراع النفوذ بين إيران وروسيا، على اعتبار أن هذا الاغتيال يعني أن سياسة كسر العظم بين الحليفين قد تخطت تصفية مسؤولي النظام إلى تصفية مسؤولي الدولتين في سوريا.
هنا ما أريد قوله بأنه حسب هذا السيناريو وبغض النظر عن الجهة التي تقف وراء التآمر مع داعش لقتل الجنرال أسابوف “رغم قناعتي التي تميل باتجاه مسؤولية الحرس الثوري” فإن مجرد حديث الروس عن وجود خيانة وتواطؤ في الحادثة، يعني أن معركة استنزاف حقيقية قد بدأت بين الأطراف الدولية الفاعلة في الملف السوري، وأن مقتل أسابوف ليس إلا إعلانا لاندلاع تلك الحرب التي ستحصد المزيد من القادة العسكريين وربما السياسيين بعمليات مشابهة، خاصة وأن الروس سيسعون لحفظ كرامتهم من خلال عمليات انتقامية من الجهة المسؤولة عن “الخيانة” التي أطاحت بواحد من أهم وأبرز الجنرالات في روسيا، أو أن أطرافا أخرى ستستغل الواقعة لإشعال الموقف أكثر بين روسيا وحلفائها.
قد لا أمتلك قائمة مؤكدة للشخصيات الدولية التي ربما تطالها حرب التصفيات وكسر العظم المفترضة، إلا أنني قد أستطيع التأكيد بأن مقتل أسابوف يشير إلى أن عمليات الاستهداف ستطال شخصيات قيادية من الصف الأول، كالجنرال قاسم سليماني القيادي في الحرس الثوري الإيراني، والذي سيكون هدفا شبه مؤكد للروس فيما لو كانت إيران هي الجهة المسؤولة عن اغتيال أسابوف، بالإضافة إلى عدد من قيادات النظام الأمنية والعسكرية الموالية لإيران وروسيا على حد سواء، وعلى رأسهم العميد سهيل الحسن والعميد عصام زهر الدين وبعض الشخصيات السياسية كبشار الجعفري “المقرب من إيران”، كما لن تستثني القائمة بعض الشخصيات العسكرية للمعارضة وتحديدا الموالية للولايات المتحدة كقيادات سوريا الديمقراطية وبعض قيادات الجيش السوري الحر المقربة من واشنطن، وليس شرطا أن تقوم روسيا بذلك بل أطراف أخرى تريد توجيه الاتهام لها وربما يكون نظام الأسد نفسه من سيقوم بذلك كما فعل ذلك مرارا مع أخلص رجالاته ورجال حزب الله المؤازر له بهدف تعقيد المشهد وزيادة خلط الأوراق.
باختصار، لا أدري إن كان مثل هذا التصور يمكن تقييمه ضمن خانة الإيجابيات على اعتبار أن حرب التصفيات غالبا ستستثني المدنيين بعد سبع سنوات من استهدافهم من كل الجهات والأطراف، أم أنه سلبي كونه يعكس مدى سيطرة القوى الدولية على سوريا التي تحولت إلى ساحة تصفية صراعات وحلبة يحاول  الجميع إعلان انتصاره فوقها وفوق دمارها وأوجاع شعبها، ولكن ما يمكنني تأكيده أن نظام بشار الأسد هو الجهة الوحيدة التي تتحمل كل ما آلت إليه الأمور بشكلها الحالي.
حسام يوسف
أقسام
مقالات

أخبار متعلقة