عندما يبتلع النظام مجرميه .. ومن سيتبع زهر الدين؟

على الرغم من وجود ما يشبه الإجماع حول مسؤولية النظام عن تصفية رموزه إلا أن الخلاف يظل مثاراً حول هدف النظام من عملية التصفية هذه، خاصة وأن التعرف على...
بشار السد يضع إكليلا من الزهور على ضريح الجندي المجهول في دمشق
على الرغم من وجود ما يشبه الإجماع حول مسؤولية النظام عن تصفية رموزه إلا أن الخلاف يظل مثاراً حول هدف النظام من عملية التصفية هذه، خاصة وأن التعرف على الأسباب يقود إلى معرفة فيما إذا كان هناك ضحايا آخرين سيبتعلهم النظام كما أنه سيعكس الحالة التي يعشيها.
منطقياً، الحديث عن أن النظام بدأ بتصفية المتورطين بجرائم ضد السوريين خلال السنوات السبعة الماضية وأولهم عصام زهر الدين، يكاد يكون أمراً بعيداً بعض الشيء، لا سيما وأنه فيما لو فكر بهذه الطريقة سيجد نفسه مضطراً لقتل أكثر من 70 بالمئة من ضباطه ومسؤوليه، خصوصاً وأن جميع عناصره من أصغرهم وحتى بشار الأسد شخصياً متورطون بهذه الجرائم، بالإضافة إلى أن تقدم التكنولوجيا وانتشار وسائل التصوير والتوثيق مكن السوريين من توثيق كل تلك الجرائم، خاصة تلك التي تمت في المعتقلات.
من ناحية أخرى فإن ربط التصفية بخلاف مع مسؤول أمني آخر وحدوث اشتباك بين مرافقي زهر الدين وبين قوة تابعة لذلك المسؤول يبدو أيضاً بعيد عن الواقع بعض الشيء، كونه يظهر حادثة مقتل زهر الدين وكأنها حادث وليس عملية مخطط لها كما تشير الوقائع التي سبقت الحادثة بأيام من التطبيل الإعلامي لزهر الدين وارساله في إجازته الأخير إلى مدينته، ونشر الكثير من الصور لاجتماعات تمت بينه وبين قيادات إيرانية وقيادات من حزب الله، لإظهار ولاء الرجل الكامل للنظام.
إذاً يبقى السؤال مفتوحاً، لماذا قتل النظام زهر الدين؟
وجهة النظر الأقرب تشير إلى فرضيتين في مقتل الجنرال الأكثر أجراماً، أولهما أن النظام بدأ بتطبيق سياسة “إضرب الكبير يخشاك الصغير”، وبالتالي عودة سوريا إلى قاعدة الرجل الأوحد أو بمعنى أوضح سوريا الأسد، خاصةً وأن السنوات السبع الماضية شهدت بروز الكثير من الأسماء التي كسبت زخماً كبيراً في أوساط الموالين طغت حتى على شعبية الأسد، ومن بينها زهر الدين وسهيل الحسن وعلي خزام وحتى العميد وفيق ناصر.
بالعربية الفصيحة “كما يقال”، قد يكون النظام سعى من خلال اغتيال زهر الدين توجيه رسالة لمن بقي من زملائه بضرورة العودة إلى حظيرة الأسد والعمل في ظله، خاصةً وأن الكثير من هؤلاء القادة سالفين الذكر ارتبط بعلاقات خارجية مع الروس والإيرانيين وحتى حزب الله ما منحهم شيء من القوة المستقلة عن قوة النظام، الأمر الذي من المؤكد يهدد قدرة الأسد على السيطرة عليهم فيما لو تصاعدت قوتهم وارتباطاتهم الخارجية أكثر.
ما يدعم السيناريو السابق هو تاريخ نظام الأسد ذاته في مثل هذه العمليات، فمنذ عهد الأسد الأب اعتاد النظام على تقديم قرابين للنظام من أحد صقوره سواء بالقتل او التهميش أو الإقصاء حتى يحافظ على طاعة البقية كما حصل مع غازي كنعان ومحمود الزعبي وحكمت الشهابي وغيرهم، وربما بشار الأسد في الوقت الحالي بحاجة إلى مثل هذه العملية أكثر من أي وقتٍ مضى، فالكثير من قادة نظامه بدأوا يجاهرون بالتمرد على قراراته والذي كان زهر الدين آخرهم من خلال تصريحه حول اللاجئين وعودتهم، بالإضافة إلى امتناعه عن تنفيذ الكثير من الأوامر العسكرية.
من جهة أخرى فإن إصدار النظام قرار منع استخدام أسماء وألقاب الضباط في وسائل الإعلام بعد أيام من مقتل زهر الدين مباشرةً يصب أيضاً ضمن التصور السابق.
أما الفرضية الثانية والتي أراها من جهتي أقرب إلى الواقع، تتجلى بأن عملية التصفية ترتبط بصراع النفوذ بين الروس والإيرانيين في سوريا، فزهر الدين من خلال صوره الأخيرة كان من الواضح أنه يمثل الصالح الإيرانية في سوريا وليس الروسية، وبالتالي فإن تغييبه سيكون بأمر روسي وبتنفيذ من قبل رجالات موسكو في النظام، خاصة بعد مقتل العديد من القادة الروس في سوريا والتي قالت موسكو إن تصفيتهم جاءت ضمن عملية خيانة “في إشارة مبهمة للإيرانيين”.
ما يدعم هذه النظرية هو تعيين العميد سهيل الحسن الموالي للروس قائداً للعمليات العسكرية في دير الزور، بعد مقتل العميد “وائل زيزفون” الذي قتل بعد يومين فقط من تعيينه بدلاً من العميد “عصام زهر الدين” في المدينة.
إلى جانب ذلك فإن ما تردد في وسائل الإعلام عن إصابة العميد الحسن في عمليات دير الزور بعد ساعات من تعيينه يشير إلى وجود شيء مريب في عمليات هذه المدينة، والتي يبدو أنها بدأت تشهد صراعاً بين الإيرانيين والروس للسيطرة عليها من خلال رجالات النظام الموالين لكل منهم.
أياً كانت الفرضيتين السابقتين هي الواقع فإن المهم فيهما أنهما تحملان بجانب معين ذات الدلالات والمؤشرات، واولها أن العميد زهر الدين لن يكون آخر القتلى وإنما هناك قائمة تصفيات ستطول من قادة النظام وخاصة العسكريين منهم، على رأسهم سهيل الحسن الذي يبدو الأكثر قرباً للقتل سواء من ناحية النظام المنزعج من شعبيته بين المؤيدين، أو من ناحية حرب النفوذ بين إيران والروس.
لنرى الأمور في سوريا بعين الواقع، فالعلاقات بين كافة المكونات والأطراف المذكورة سواء جهات أو دول أو حتى أشخاص تقوم على مبدأ المصالح، وليس على مبدأ الصداقة بمفهومها التقليدي، وفي نقطة معينة من الوارد جداً أن تتضارب مصالحهم جميعاً لتكون التصفية سيدة المواقف والعلاقة بينهم، لاسيما في ظل حالة الهدوء التي تعيشها سوريا بعد سنوات من الحرب، وشعور هذه الأطراف بأن الوقت حالياً هو للتسابق على النفوذ وتحقيق المصالح في هذه البلد، ما فتح المجال أكثر لبروز الخلافات والتوجهات فيما بينهم وطفوها إلى السطح.
حسام يوسف
أقسام
مقالات

أخبار متعلقة