حين بكى القمر

اخترق الصفوف المتحلقة حول اللوح الخشبي حيث حبيبه ورفيقه وصديقه، وأمسك بأنامله الغضة شعر صدر أبيه الكث، وتلك كانت حيلته المفضلة ليوقظه من النوم، لكن الأب بقي نائماً، وسط...
سيدة حورانية تقف وسط أطلال منزلها الذي هدمته طائرات الأسد

اخترق الصفوف المتحلقة حول اللوح الخشبي حيث حبيبه ورفيقه وصديقه، وأمسك بأنامله الغضة شعر صدر أبيه الكث، وتلك كانت حيلته المفضلة ليوقظه من النوم، لكن الأب بقي نائماً، وسط عويل النساء وقهرٍ في عيون الرجال.

مع أنه كان متعلقاً بأبيه أكثر من تعلقه بأي شخص آخر، لم يبكِ. لم يفهم ما الذي جرى، ولماذا. في صباح اليوم التالي، جاب غرف البيت بحثاً عنه، لكن دون جدوى.

ببضع قطع البسكويت كان يقدمها له عمه الذي شاركه ملاحقة القطط في أطراف البيت تعلق به وصادقه. كان العم يروي له قبل النوم حكاية كان الصغير دوماً بطلها، حتى يغفو ثم يضعه في فراشه ويمسح بيده على شعره الأشقر الناعم، والغصة لا تغادر الحلق.

لم يطل الأمر وكان الغزو. هرب العم مع من هرب، تاركاً الصغير وراءه. ولأنه اعتاد تغيير الأصدقاء، وجد في خالة أمه الحنونة ضالته.

مع أن بيتها كان يعج بالشباب والصبايا، ورغم أنها نسيت الحمل والرضاعة منذ سنين، إلا أن الأقدار جعلت الصغير قطعة من أحشائها وكانت كأي أم تتحدث عن جمال آخر العنقود، ولولا الحياء لقالت أن مخاض ولادتها له كان أيسر من كل الولادات السابقة.

تحول الصغير إلى الآمر الناهي في بيتها، فهو من يختار غداء اليوم وله أن يضرب أي ولدٍ من أحفادها. يقترب من حضنها ليهيمن عليه. ليس مسموحاً لها أن تطعم أحداً منهم أو تمشط لأي منهم شعره. هو بطل كل حكاياها وبقية الأحفاد مجرد “كومبارس”. كان هذا برضى الجميع باستثناء الأحفاد الذين ضاقوا ذرعاً بهذا الذي انتزع منهم كل شيء.

ولأن العدوان لا يميز بين طفل وشيخ، كانت رحلة النزوح. لم يغادر الصغير حضنها في ظروف القصف والرعب، وعندما يحتج أحفادها، كانت تقول لهم: “لكل منكم أب، فليلتحق به”. بقي الصغير حبيبها واشتد عوده في كنفها محاطاً برعاية أبنائها الطيبين.

سرعان ما بدأ الصغير رحلة جديدة، هذه المرة إلى بلادٍ بعيدة مع إخوته الصغار وأمهم. لم ينس تلك المرأة. كان يفرض عليها أن تتحدث معه أكثر من مرة في اليوم الواحد مع أنها كانت تعاني من المرض، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي توقف فيه فؤادها، فالقلوب الطيبة تموت قبل أوانها.

ولأن الصغير عرف معنى الموت والغياب الذي لا عودة بعده، ما إن سمع الخبر تلك الليلة، حضر إلى ذاكرته مشهد الرجل المسجى، وناح حتى الصباح. حينها فقط بكى القمر أباه.

أيمن أسود

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • حزب الله .. وداعا سوريا

    نعم آن أوان الرحيل عن سوريا، ربما هي الخلاصة التي أراد الأمين العام لحزب الله التمهيد لها خلال خطابه الأخير، رغم كل النبرة العالية المتعالية المعتادة منه، وهو ما...
  • درعا.. سيناريو محكوم بالتسويات

    ليس من الغريب أن تجتاح حالة الحماس نفوس السوريين مع الاستعراض التي قامت به فصائل الجبهة الجنوبية، واستعدادتها لمعركة طاحنة مع النظام، وتشكيل تحالفات عسكرية جديدة لهذا الغرض، إلا...
  • رسائل روسية .. وليلة سيبكي فيها الخامنئي

    ليس من المصادفة أن تأتي صور عقاب الجيش الروسي لعناصر من الجيش العربي السوري جراء عمليات التعفيش التي ارتكبوها وسط تصفيق السوريين بالتزامن مع ربط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين...
  • شتاء جنيف

    يدرك أي مراقب للحالة السورية، وأي مطًلع على بنية الدولة، وتكوين وبنية المعارضة أن مفاوضات جنيف لن تحمل حلاً إلا بإرادة دولية غير موجودة، ولكن كان لابد للائتلاف الوطني...