الوجود الأمريكي في سوريا – معضلة التبرير القانوني

إعلان وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، مؤخرا بقاء القوات الأمريكية في سوريا حتى بعد انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش لكبح المخطط الإيراني التخريبي والتوسعي في منطقة الشرق الأوسط، يحمل التزاما...
جثمان سكوت دايتون - أول قتيل أمريكي على الأرض السورية في قاعدة دوفر الجوية 2016

إعلان وزير الخارجية، ريكس تيلرسون، مؤخرا بقاء القوات الأمريكية في سوريا حتى بعد انتهاء الحرب ضد تنظيم داعش لكبح المخطط الإيراني التخريبي والتوسعي في منطقة الشرق الأوسط، يحمل التزاما مكلفا للشعب الأمريكي بالاستمرار في صراع يمكن أن يزج بالقوات الأمريكية في مواجهة مباشرة مع قوات نظام الأسد وأقرب حلفائه، إيران وروسيا، وإذا حافظت الإدارة الأمريكية على هذا الوعد، فإنها ستحتاج لمسوغات قانونية كي لا تخرق جميع القوانين الدولية والدبلوماسية ذات الصلة.
وقد أوضح تيلرسون أنه نظرا لممارسات نظام الأسد المنفرة، فإن هذه محاولة لمنعه من بسط سيطرته على الأراضي السورية. وفي الواقع، فالهجمات الجوية والبرية التي شنتها تركيا في الأيام الأخيرة على منطقة عفرين، تدل على مدى تعقيد الوضع على الأرض.
ومن المؤكد أن أي مسار للعمل في سوريا قد تترتب عليه عواقب وخيمة ومميتة. فقد قتل ما يقرب من نصف مليون إنسان منذ اندلاع الثورة في سوريا ربيع 2011. كما أن أهوال العنف تتحدى الوصف، ولا يزال دور القوات الروسية والإيرانية التي تدعم الأسد مصدر قلق عميق. وإن كانت نتائج عودة القوات الأمريكية بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا غير مؤكدة، فإن عواقب بقائها هناك أيضا إلى أجل غير مسمى أخطر من ذلك بكثير.
نعم، إن لدى الولايات المتحدة دورا يمكن أن تلعبه فيما يتعلق بتحميل الأسد مسؤولية جرائم الحرب التي ارتكبها ضد الشعب السوري ومنعه من ارتكاب المزيد من الأعمال الوحشية. ولكن ليست لدى الرئيس دونالد ترامب سلطة لاتخاذ قرار بشكل منفرد بإلزام القوات الأمريكية بمنع الأسد بالقوة. وهو بحاجة إلى تبرير أسبابه للكونغرس وللشعب الأمريكي، وللمجتمع الدولي أيضا. فإقحام القوات الأمريكية في هذا الوضع من طرف واحد ليس مجرد سياسة سيئة، بل إنها، من وجهة نظرنا، سياسة غير قانونية بموجب الدستور والقانون الدولي.
فقد وضع مؤسسو الدستور نظاما يمنح سلطة إعلان الحرب للكونغرس، وليس للرئيس. ووفقا لقرار سلطات الحرب لعام 1973، يتعين على الرئيس إبلاغ الكونغرس في غضون 48 ساعة بدخول القوات المسلحة في نزاع عسكري في غياب إعلان الحرب. ويجب على الرئيس بعد ذلك إنهاء استخدام القوات المسلحة في غضون 60 يوما (وفترة 30 يوما إضافية للانسحاب) ما لم يعلن الكونغرس الحرب أو يأذن باستخدام القوة العسكرية.
وقد أكد فريق ترامب للسياسة الخارجية أنه لا يعتقد أنه يجب الالتزام بأي من هذه القواعد، والالتزام الجديد الذي أعلنه تيلرسون يوحي بأن هناك استعدادا لانتهاكها. ومن الواضح أن الرئيس على استعداد للاستهانة بالحدود الدستورية لسلطته وإلزام قواتنا بالبقاء هناك، وهو يفعل ذلك من تلقاء نفسه.
وكانت إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما، قد أوضحت في عام 2015 أن التصاريح باستخدام القوة العسكرية التي وافق عليها الكونغرس في عامي 2001 و2002 قدمت الأساس القانوني للعمليات ضد تنظيم داعش؛ لأنها كانت تستهدف الإرهاب على نطاق واسع باعتباره تهديدا لأمريكا. ولكن بالتأكيد لا يوجد شيء في القوانين يمكن القول إنه يمتد للوجود العسكري الأمريكي في سوريا بعد أن يكون تنظيم داعش قد وهن بشكل مؤكد.
ونحن لسنا أول من أشار إلى هذه المخاوف. فقد عمل السيناتور تيم كارين (ديمقراطي – فيرجينيا) والسيناتور جيف فليك (جمهوري – أريزونا) لسنوات للفت الانتباه إلى غياب التصريح القانوني للعمليات العسكرية في الشرق الأوسط. ومؤخرا، أوضح بوب كروكر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، خلال جلسة استماع أنه لو كان يتعين على القوات الأمريكية البقاء في سوريا لمحاربة الوكلاء الإيرانيين، “فإنه لا توجد تصاريح لمثل هذا النوع من النشاط”.
وبرأينا، فإن بقاء القوات الأمريكية في سوريا سيمثل انتهاكا مباشرا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية للقانون الدولي. فالعمليات الأمريكية ضد عناصر تنظيم داعش وتنظيم القاعدة في سوريا تتم دفاعا عن أمريكا وحلفائها، ولاسيما العراق. وكان هذا هو أساس التفسير الذي قدمته الولايات المتحدة في 23 أيلول/سبتمبر 2014 للأمم المتحدة لتبرير عملياتها العسكرية في سوريا.
ومن المؤكد أن تحقيق الاستقرار في الأراضي التي تم استردادها من تنظيم داعش أمر ضروري لضمان عدم ظهور تهديدات إرهابية مرة أخرى، ويجب أن يمثل هذا أولوية للولايات المتحدة. ولكن مع تضاؤل تهديد التنظيم، فليس من الممكن القول إن المهمة بالنسبة لنا هي مهمة دفاع عن النفس. وإذا أمر الرئيس القوات الأمريكية بالسيطرة على أراضٍ في سوريا في هذه الظروف، فإنه بذلك يأمرها بانتهاك واضح لميثاق الأمم المتحدة.
وفي هذا الخرق الواضح للقانون الدولي، لن نضع قواتنا في طريق الأذى فحسب؛ بل سنمنح ترخيصا دوليا ونسن سنة سيئة لكل الحاقدين علينا في جميع أنحاء العالم للسير على خطانا، كما سيؤدي ذلك إلى انخفاض موافقة العالم على قرارات وسلوك القيادة الأمريكية إلى مستوى جديد سبق أن انخفض إلى 30 في المئة من 48 في المئة قبل عام واحد. وهذا المسار من شأنه أن يقوض إلى حد كبير الثقة في القيادة العالمية التي اكتسبتها أمريكا بشق الأنفس كطرف للعمل الدولي المتعلق بالقانون، ربما لا يمكن إصلاحه.
ومنذ عدة عقود، تنازل الكونغرس تدريجيا عن سلطته الحربية إلى السلطة التنفيذية، وإذا لم يتصرف الآن بعكس هذا المسار، فقد يفقد ما تبقى لديه من سلطة. يجب على الكونغرس أن يحترم واجباته الدستورية: قواتنا وأسرهم تستحق مناقشة عامة حول النطاق الدقيق لمهمتهم إذا كنا نطلب منهم أن يضعوا حياتهم على المحك.
يجب على الكونغرس أن يخبر الرئيس بأنه لا يمكنه إشراك قواتنا في حرب غير مشروعة في سوريا، والسماح لهذا العمل “غير المشروع” بشكل صارخ سوف يفسر نهاية سلطة الكونغرس على قرار الحرب، وسوف يقدم دليلا لا يقبل الجدل على أن الولايات المتحدة في ظل الرئيس ترامب لم تعد قاطرة للنظام العالمي، بل مستعدة لتمزيقه.
كوري أنثوني بوكر – عضو لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ
أونا آن هاثاواي – أستاذة بكلية الحقوق جامعة ييل
نيويورك تايمز

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة