عواقب التقاعس الدولي في سوريا أصبحت واضحة ومثيرة للمزيد من القلق

يبدو المشهد السوري منذ مطلع العام الحالي أكثر قتامة، ما ينبئ بامتداد الصراع في سوريا لفترة قادمة لا يمكن تحديد نهايتها أو التكهن به، وقد تجلى ذلك للعيان خلال...
آثار الدمار في حي الدخانية شرقي دمشق

يبدو المشهد السوري منذ مطلع العام الحالي أكثر قتامة، ما ينبئ بامتداد الصراع في سوريا لفترة قادمة لا يمكن تحديد نهايتها أو التكهن به، وقد تجلى ذلك للعيان خلال مؤتمر ميونخ للأمن الذي التأم مؤخرا ودارت خلاله تصريحات ومناقشات لا يمكن وصفها إلا باستمرار الاحتقان بين الدول المتدخلة في الملف السوري سواء عسكريا على الأرض أو سياسيا على مستوى المهمة الأممية.
تجلى ذلك باصطدام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بوزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس في المداخل المسدودة، والفتور الذي رافق استقبال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف نظيره التركي مولود جاويش أوغلو، ناهينا عن التهديدات التي أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإيران ليس على مستوى تواجدها في سوريا بل على كل المستويات اللامحدودة.
كما كرر لافروف، خلال جلسة لمنتدى “فالداي” الدولي للحوار المنعقد في موسكو اليوم، دعوته للأمريكيين الذين وصفهم بـ”الزملاء” مرة أخرى “لتجنب اللعب بالنار، وتحديد خطواتهم ليس انطلاقا من احتياجات الحالة السياسية العابرة، بل انطلاقا من مصالح الشعب السوري وشعوب المنطقة، بمن فيها الكرد”.
ليبقى الرهان على افتراض أن هذه الدول لن تبدأ تمزيق قطع من مناطق سيطرتها ونفوذها من بعضها البعض خاسرا في المدى المنظور، ولكن من الملحّ بشكل متزايد أن تجلس هذه الجهات المتنافسة على طاولة وتبدأ في الحديث. ويمكن أن يكون لخلافات الآونة الأخيرة تأثير بارتفاع طفيف في الصراع يؤثر على جميع هذه الأطراف على جبهات متعددة ما ينذر بالأسوأ بكثير في المستقبل.
واليوم، تبدو الحدود الفاصلة بين مناطق نفوذ الحلفين الروسي والأمريكي في دير الزور رقيقة وهشة، وكذلك بين القوات التركية والأمريكية في حلب، فيما يصطدم التصعيد الإيراني في دمشق والبادية دائما بمصالح إسرائيل.
خلال الأسبوعين الماضيين، قامت القوات الأمريكية بصد هجومين شنهما تحالف القوات الداعمة للأسد والمدعوم من مرتزقة روس، مما أسفر عن مقتل أكثر من 100 شخص على الأقل خلال مواجهة واحدة.
كما أطلقت إسرائيل أكبر هجوم لها حتى الآن على نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين في عمق سوريا. فيما فقدت تركيا عناصر ودبابات وطائرة هليكوبتر خلال هجومها الجديد على عفرين حيث تقاتل حلفاء الأمريكيين من وحدات حماية الشعب الكردية.
وكانت طائرة مقاتلة روسية قد أسقطت في إدلب، مما أثار غضب موسكو لتشن حملة انتقامية ثقيلة بعد قتل الطيار، ولم تهدأ حملتها التي دمرت خلالها العديد من المشافي حتى استعادت جثة طيارها وحطام طائرتها. كما صعدت قوات الأسد بشكل كبير هجماتها على غوطة دمشق الشرقية التي تفرض عليها حصارا محكما مستمرا لمدة أربع سنوات وأكثر.
يضاف إلى ذلك تهديد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بضربة جوية قاسية على قوات الأسد في حال استمرارها بشن هجمات كيميائية كالتي نفذتها في الغوطة وإدلب، ووثقتها وأدانتها منظمات دولية.
إذًا كل هذا “الكثير من التقلبات” خلال هذه الفترة القصيرة من الزمن يشير إلى أن العجلات تسير باتجاه معاكس للحل أو على الأقل التهدئة.
إن فشل إدارة الرئيس دونالد ترامب في الانخراط الفعلي والجاد خلال العام الماضي، المضاف إلى فشل الرئيس باراك أوباما قبل عدة سنوات في إنفاذ “خطه الأحمر”، وفشل روسيا في النظر إلى أبعد من رغباتها؛ دفع الصراع السوري إلى أخطر مكان له حتى الآن.
وتتعرض الآن صراعات المصالح التي تم تهميشها وإخضاعها وتأجيلها لتحقيق لهدف المشترك “هزيمة تنظيم داعش” للخطر وكل طرف يسعى لتعزيز نفوذه والسطو “ما أمكن” على جزء أو كل ما للآخرين من نفوذ.
في أول مواجهة واسعة النطاق بين قوات الأسد وحلفائها والقوات الأمريكية وحلفائها وجها لوجه على ضفاف الفرات، تم إرسال أكثر من 100 من المهاجمين إلى حتفهم في قصف جوي ومدفعي عنيف وساحق، وهذا ليس بحادث عرضي أو مصادفة، قد نرى وقائع مشابهة لما جرى عند كل مغامرة لأي طرف في مناطق نفوذ طرف آخر.
ومنذ بداية هذا العام، اتخذ وزير الدفاع جيمس ماتيس ووزير الخارجية ريكس تيلرسون والسفيرة الأمريكية لدى مجلس الأمن والأمم المتحدة نيكي هالي خطا أقوى بكثير من التحرك والمواجهة مع الأسد وبوتين مما فعلوه خلال معظم السنة الأولى لدونالد ترامب في البيت الأبيض.
وقد كان هذا التحرك في الموقف الأمريكي كافيا لوزير سابق في الشرق الأوسط ليعلق: “أخيرا وجدت أمريكا أقدامها وسياساتها” على درب أطول حرب أهلية في المنطقة. وبعد عام تقريبا من التيه والغياب عن المكانة والحضور الدولي الفاعل فإن كل إدارات الدولة الأمريكية باتت تقف الآن في مواجهة روسيا وضدها.
وباتوا يتهمون موسكو بصوت عال بالفشل في كبح استخدام الأسد للغازات السامة في ساحة المعركة، وفشلهم في جعل الدكتاتور السوري ينهي حملة القتل الممنهجة ضد شعبه.
والفتور في العلاقات بين أوباما مع بوتين استمر جزئيا مع إحجام ترامب عن المشاركة دبلوماسيا في سوريا، وانشغاله فقط بمهمة القضاء على دولة داعش، أما المشاكل الأخرى في سوريا فقد تم تهميشها ومنحها المقعد الخلفي.
يضاف إلى هذه المشاكل، دعم الولايات المتحدة الأمريكية لكرد سوريا في مواجهة فصائل المعارضة السورية المتحالفة مع تركيا، واستخدام إيران للحرب السورية للنهوض بمصالحها الإقليمية للمهيمنة والسيطرة على الدول العربية، وإحباطات إسرائيل المكبوتة حيال التوسع الإيراني، ومعركة تركيا مع الكرد في عفرين، واستمرار الأسد في إراقة الدماء حتى في ضواحي عاصمته، ونوايا روسيا لفرض سلام غير قابل للتطبيق.. وكل ذلك يأتي ليضاف على رأس القابع في البيت الأبيض ويطلب منه حل كل هذه التعقيدات غير القابلة للحل الآن.
لقد أصبح هذا الصراع الذي تدخلت فيه موجات متعددة من المصالح المتنافسة، مطهيًا بما فيه الكفاية خلال حرب استمرت لسبع سنوات، ولا أحد يعرف متى يحين أوان جلي الأطباق، ولا أحد يستطيع التنبؤ بما سيحدث عندما يغلي وعاء واحد ويفور في المقبل من الأيام.
وبينما جلست الولايات المتحدة على هامش المحادثات الدبلوماسية خلال أفضل جزء من عام النشاط الميداني والحركة الدبلوماسية، دفعت روسيا محادثات السلام السورية بشروطها الخاصة، الأمر الذي اعتبره البعض محاولة للالتفاف على محادثات الأمم المتحدة للسلام في جنيف بسويسرا مع نسختهم الخاصة في سوتشي ودعوة المعارضة التواقة للحل وإنهاء الحرب لفرض سلام لا توجد لديه فرصة للتحقق.
وباختصار، فإن تركيز العام الماضي على محاربة داعش لم يفعل شيئا لجعل سوريا قريبة من الاستقرار، لكنه ترك الولايات المتحدة وروسيا في مسار تصادم لا مفر منه. ومع ذلك، فإن ما سيجعل هذا العام مختلفا، هو أن الدولتين، ومن خلال وكلائهما، تقدمت الآن إلى خط متفق عليه من “الفصل العسكري” عند نهر الفرات.
وقد تم إنشاء هذا “الفصل العسكري” بين الأمريكان والروس جنبا إلى جنب مع الخط الساخن وفق “آلية ديكونفليتيون” العسكرية بين الروس والإسرائيليين، لضمان عدم تصادم قواتهما والحفاظ على شراكتها المناهضة لداعش “سليمة” في سوريا.
والآن بعد أن وصل الجانبان إلى نهر الفرات، تصر روسيا على أن تنظيم داعش هزم، وبالتالي حان الوقت لأن تغادر القوات الأمريكية الأراضي السورية. الأمر الذي جعل ماتيس يصر مؤخرا على العكس وأن داعش لم يهزم، وأنه من السابق لأوانه انسحاب القوات الأمريكية.
وكان روبرت فورد، السفير الأمريكي الأخير في سوريا، قد قال العام الماضي إن الولايات المتحدة ليس لديها مصلحة استراتيجية في الاحتفاظ بقوات في سوريا، وأنه ليس هناك شيء يمكن اكتسابه أو اكتنازه والتضحية بالدم من أجله.
من ناحية أخرى، يخشى حلفاء فصائل المعارضة، بشقيها السياسي والعسكري، في أمريكا من أن تقوم القوات المحلية الكردية بسحق هذه الفصائل بمساعدة أمريكية، لأنها تريد “شرق الفرات” خاصا بها لإظهار أنها يمكن أن تدير حكما محليا ديمقراطيا.
كما أن الولايات المتحدة تستيقظ أخيرا على احتياجات حليفها “إسرائيل” في سوريا، ومخاوفها من ترسيخ إيران لأقدامها مستغلة الفوضى والصراع. ووفقا لتقارير حديثة، فقد قدمت إيران قرضا بقيمة 4.6 مليار دولار للأسد واستثمرت 16 مليار دولار لدعم نظامه عسكريا منذ عام 2012.
وفيما داعش وأزمة اللاجئين وقتل الأبرياء وقصف المستشفيات من قبل النظام وروسيا أبقت الغرب مشتتا، فإن إيران حفرت عميقا في الدولة السورية، ولا يعرف أحد كيف يمكن أن يعالج ذلك ويعيد الأمور إلى سابق عهدها.
وما دامت إيران تشكل تهديدا متصورا لإسرائيل، فإن هذه المسألة الوحيدة وحدها يمكن أن تؤدي إلى تصعيد على أي عدد من الجبهات الأخرى.
ويبقى الحجم الحقيقي للفوضى سببه المصالح المتضاربة في سوريا، وهذا الأمر لا يعني أن لا أحد لديه خطة للسلام، ولكن لا أحد حتى الآن اكتشف كيفية فك المضاعفات ووقف التصعيد القادم في بلد استنفدته بالفعل هذه الحرب الوحشية.
نيك روبرتسون – سي إن إن

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة