سوريا ما قبل النهاية ومصير الأسد

رغم كل التعقيدات والتشابكات التي طفت إلى سطح القضية السورية بعد الضربة الثلاثية (الأمريكية البريطانية الفرنسية) التي تعرضت لها المواقع العسكرية المرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية السوري قبل أسبوعين، إلا...
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ملوحا بيده

رغم كل التعقيدات والتشابكات التي طفت إلى سطح القضية السورية بعد الضربة الثلاثية (الأمريكية البريطانية الفرنسية) التي تعرضت لها المواقع العسكرية المرتبطة ببرنامج الأسلحة الكيميائية السوري قبل أسبوعين، إلا أنه يبدو أن وراء الكواليس تعيش هذه القضية مراحلها شبه النهائية تمهيدا لحل مستدام يرسخ لتوازنات إقليمية ودولية معينة بعيدا عن شكل وتفاصيل النظام الذي سيحكم.
قبل الدخول في تفاصيل استعدادات كل معسكر لسيناريو الحل النهائي، لابد من نظرة شاملة على واقع الانتشار العسكري في سوريا والتبدلات التي طرأت عليه خلال العام الفائت، والتي توحي بوجود شيء من التفاهمات الأمريكية الروسية على تقاسم مناطق النفوذ بينهما في سوريا بحيث تكون المنطقة الوسطى والساحلية والعاصمة تحت النفوذ الروسي، على أن يترك لواشنطن حرية التصرف في ما تبقى من سوريا بالشكل الذي تريده، ومن هنا بدأ كل معسكر بترتيب أوراقه داخل ما بات يسمى مناطق نفوذه.
أكثر ما يدل على وجود هذه التفاهمات والتقسيمات يمكن استنتاجه من ما يمكن أن نسميه “معركة ربط المناطق” التي قادتها روسيا خلال العام الماضي لإخراج فصائل المعارضة من المناطق المذكورة سابقا وخاصة الغوطة الشرقية، وهي المعارك التي جعلت من خارطة الانتشار العسكري في سوريا أكثر انسجاما بعد أن كانت تعيش حالة من التداخل بين المعارضة والنظام.
أما حالات الترتيب الداخلي لكل معسكر فيبدو واضحا من سلوكيات كل من موسكو وواشنطن، فموسكو التي يبدو أنها باتت ملزمة بالوفاء بتعهداتها لإسرائيل والمجتمع الدولي حيال الوجود الإيراني في سوريا بعد أن أحكمت سيطرتها على مناطق نفوذها، بدأت التمهيد للاستغناء تماما عن الدور الإيراني، فبعد دخول قوات النظام إلى مخيم اليرموك والحجر الأسود خلال الفترة المقبلة يمكن القول إن إيران لم تعد تمتلك أي دور تقدمه للروس، وأن العلاقة بين البلدين قابلة للعودة إلى سابق عدائها التاريخي الممتد من سبعينيات القرن الماضي.
ما يدعم توجه روسيا نحو تحييد إيران عن الملف السوري لا ينحصر فقط بالالتزامات بوعودها وحسب وإنما أيضا بحالة الرفض الروسي لوجود شريك لموسكو في منطقة نفوذها، خاصة وأن طهران ترفض البقاء في الظل الروسي وستسعى للحصول على دور يجعلها صاحبة نفوذ في سوريا شبيه بنفوذها في العراق ولبنان واليمن، ما يعني أن مناطق النظام الحالية لن تتسع لقوتين متكافئتين، وعلى ما يبدو ومن البديهي أن تكون الكفة الروسية هي الأرجح.
على الجانب الأمريكي يظهر الأمر أكثر تعقيدا مما هو عليه لدى الروس خاصة في ظل تضارب مصالح حلفاء واشنطن وتعددهم في سوريا، وهو ما يشير إلى أن واشنطن تتجه نحو نظرية إدارة مناطق نفوذها من الخلف عبر قواعدها العسكرية في القامشلي، وتقسيم مناطق نفوذها عسكريا بين حلفائها، وهو ما ظهر جليا من خلال الصور التي أظهرت نشر قوات فرنسية في دير الزور بالإضافة إلى ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن نشر قوات عربية في مدينة الرقة، على أن تبقى الوحدات الكردية متمركزة في مناطق القامشلي والحسكة، فيما تخضع المناطق الجنوبية في القنيطرة ودرعا للإشراف الأمريكي المباشر.
هذا التصور وهذه السيناريوهات تكمن أهميتها في عدة دلالات، أولها أن دور المليشيات والتنظيمات والهيئات قد انتهى، خاصة مع دخول قوات عسكرية نظامية تتولى عملية الفصل بين المناطق، ما يوحي بأن مرحلة الحرب الشاملة قد انتهت في سوريا حتى إن شهدت البلاد بعض حالات التوتر العسكري كالضربة الثلاثية أو معارك متفرقة هنا أو هناك، ما يعني أن عجلة الموت والدمار في سوريا بدأت تتباطئ في حركتها خلافا للسنوات السابقة، لاسيما في ظل تصريحات وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس وتأكيده أن لا حل عسكري في سوريا.
أما ثاني الدلالات فهي الحفاظ على البلاد على الأقل من الناحية الإدارية والتنظيمية، فصحيح أنها ستكون مقسمة سياسيا وعسكريا إلا أنها ستكون خاضعة لحكم العاصمة دمشق، وإن كان في ظل نظام حكم فيدرالي.
باختصار ما أريد قوله يتلخص في بضعة نقاط، أهمها أن سوريا اليوم وبحسب المشهد الميداني تعيش فعليا حالة التمهيد لحل ينهي القتل العشوائي المستمر منذ سنوات، وأن ما تشهده الأرض السورية هو تجسيد لاتفاق تقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا، والأكثر أهمية يكمن في مصير المليشيات الإيرانية التي يبدو أنها تعيش آخر أيامها في سوريا في ظل التجميد الروسي لها ولدورها، أما بشار الأسد فيبدو أنه لن يجد مكانا له في السلطة بعد العام 2021، عام انتهاء ولايته الحالية، على اعتبار أن شكل النظام وهيئته لم تعد مهمة بالنسبة للمجتمع الدولي وتحديدا روسيا وفق التقاسم المذكور، لاسيما وأن تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التي أعقبت الضربة الثلاثية أشارت إلى أن الأسد وقواته ليسوا من خطوط موسكو الحمراء.
حسام يوسف

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • حزب الله .. وداعا سوريا

    نعم آن أوان الرحيل عن سوريا، ربما هي الخلاصة التي أراد الأمين العام لحزب الله التمهيد لها خلال خطابه الأخير، رغم كل النبرة العالية المتعالية المعتادة منه، وهو ما...
  • درعا.. سيناريو محكوم بالتسويات

    ليس من الغريب أن تجتاح حالة الحماس نفوس السوريين مع الاستعراض التي قامت به فصائل الجبهة الجنوبية، واستعدادتها لمعركة طاحنة مع النظام، وتشكيل تحالفات عسكرية جديدة لهذا الغرض، إلا...
  • رسائل روسية .. وليلة سيبكي فيها الخامنئي

    ليس من المصادفة أن تأتي صور عقاب الجيش الروسي لعناصر من الجيش العربي السوري جراء عمليات التعفيش التي ارتكبوها وسط تصفيق السوريين بالتزامن مع ربط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين...
  • شتاء جنيف

    يدرك أي مراقب للحالة السورية، وأي مطًلع على بنية الدولة، وتكوين وبنية المعارضة أن مفاوضات جنيف لن تحمل حلاً إلا بإرادة دولية غير موجودة، ولكن كان لابد للائتلاف الوطني...