النظم الاستبدادية.. سوريا مثالاً

سوريان يتبعان لجهتين مختلفتين، الأول يعمل لدى جهة أمنية، يقتل ويعذب بدم بارد، والآخر جندي في داعش يقتل ويعذب بدم بارد أيضاً يتشاركان ذات السادية والشذوذ الفكري، وكل منهما...
أحمد شبيب عضو المكتب السياسي في تيار الغد السوري

سوريان يتبعان لجهتين مختلفتين، الأول يعمل لدى جهة أمنية، يقتل ويعذب بدم بارد، والآخر جندي في داعش يقتل ويعذب بدم بارد أيضاً يتشاركان ذات السادية والشذوذ الفكري، وكل منهما يعود الى بيته ليقبل ابنه ويحضنه وينام قرير العين راضي الضمير معتقداً بأنه أدى واجبه على أكمل وجه، الأول اعتقد بأنه نال مرضاة رؤسائه وخدم دولته ووطنه وأثبت لنفسه قبل أن يثبت للآخرين وطنيته العالية، والثاني يعتقد بأنه يرضي ربه ودينه وعقيدته، ويثبت حبه لوطنه وأرضه وأبناء جلدته.
وكلاهما يعيشان في بيئة تعتبرهما أبطالاً، فهما ينتميان لحواضن شعبية – حواضن إجرام – ومن المؤكد أن تلك الحواضن هي حواضن متكاملة فيها من المثقفين والأطباء والمهندسين والحقوقيين ورجال الدين والوجاهات الشعبية، فهي نسيج سوري متكامل، فيه ما في كل المجتمع بمختلف بيئاته التي نعرفها جيداً.
هذه الظاهرة المريعة تتطلب منا البحث العميق والتحليل الدقيق في نشأتها ووصولها إلى ما وصلت إليه من إيغال بالتطرف والإجرام.
ومن جهتي أرى أن أساس هذه الظاهرة مرتبط بالتربية والنشأة والظروف المحيطة بالفرد وبالبيئة الحاضنة له . ولكن علينا أن نعترف قبل كل شيء أن رهانات النظم الاستبدادية بشكل عام نجحت في فرض الجريمة والارتزاق والجهل وزرعت بذور الشذوذ الفكري والانحلال وجعلتهما أعلى من أي قيمة إنسانية، ونجحت هذه النظم في احتكار كل مقدرات الدولة من أجل تعميم وترسيخ أيديولوجيتها وفرض أدوات الحكم من أجل الاحتفاظ بالسلطة عن طريق إنشاء أجيال غير واعية وسهلة الانقياد، وبالتالي خلقت دول شعاراتية بعيدة كل البعد عن الأخلاق والكرامة والتطور والتنمية.
من المؤسف أن كل طغاة العالم عبر التاريخ وجدوا مؤيدين لأفكارهم ومنفذين لجرائمهم التي تتعارض مع الإنسانية، ولنا في هتلر وستالين مثال في التاريخ الحديث.
لقد أخطأ حزب البعث في سوريا عندما هدم البنية المجتمعية السورية، واستبدلها ببنية السلطة التي لا تملك الوعي الوطني، على قاعدة قومية مستنسخة من تجارب فاشلة في دول أوروبية، متجاهلة الخصائص القيمية للثقافة السورية والتراكم الحضاري لها، ما جعل الشعب يعيش أزمة الهوية والانتماء، في الوقت الذي كانت فيه السلطة تترسخ وتغوص في بحور من الفساد والجريمة والتخلف وإقصاء الانسان – المواطن- وهدم انتمائه بالفقر والتجويع والقمع.
هذا الحال قتل الأمل والطموح، وعاش الشعب لعقود ما بين اليأس الخالص، أو السلطة، أو الصمت، أو السجن أو الاغتراب.
وفي آذار 2011 كانت السلطة في سوريا بين خيارين، إما تسليم السلطة، أو الاستثمار بالبيئة الفاسدة التي رعتها على مدى عقود، ولم تكن مفاجأة لأحد بأنها اختارت الثاني، وبالتالي ظهر على السطح مجرمين ولصوص من كل الاتجاهات وبكل الألوان، ووصلنا اليوم الى النتيجة المشؤومة حيث تحول كل الفاعلين في الشأن السوري الى بيادق على رقعة شطرنج تدير اللعبة وتتحكم بها دول اقليمية ودولية.
من هنا يأتي دور النخب البناءة لتزرع الأمل الحقيقي والواقعي في نفوس السوريين، الأمل بالمستقبل للجميع في ظل وطن حر كريم يبني الإنسان ويعزز انتماءه الوطني ويهتم به فوق كل الاهتمامات، ليكون مواطناً حراً يليق بوطنٍ حر، وطن يخرج علماء وفنانين ومبدعين، ويهدم أي بيئة أو فكرة تولد المجرمين مستقبلاً، وإن لم ننجح ستتحول الثورة إلى حرب مهلكة مهمتها الحفاظ على مصالح دنيئة لجهات قذرة.

أحمد شبيب
عضو المكتب السياسي في تيار الغد السوري

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة