درعا.. سيناريو محكوم بالتسويات

ليس من الغريب أن تجتاح حالة الحماس نفوس السوريين مع الاستعراض التي قامت به فصائل الجبهة الجنوبية، واستعدادتها لمعركة طاحنة مع النظام، وتشكيل تحالفات عسكرية جديدة لهذا الغرض، إلا...
تل الحارة بريف درعا

ليس من الغريب أن تجتاح حالة الحماس نفوس السوريين مع الاستعراض التي قامت به فصائل الجبهة الجنوبية، واستعدادتها لمعركة طاحنة مع النظام، وتشكيل تحالفات عسكرية جديدة لهذا الغرض، إلا أن تفهّم هذه الحالة وربما التعاطف معها لن يساهم في تغيير واقع أو مصير ينتظر المنطقة في ظل الدور الدولي في معادلة التطورات على الأرض السورية.
لننظر إلى كامل التطورات الميدانية التي شهدتها سوريا خلال العامين الماضيين، لا سيما في أحياء حلب الشرقية والغوطة وأحياء حمص وريف حماة، التي شهدت خروج فصائل المعارضة ودخول قوات النظام بموجب اتفاقات وتفاهمات دولية وإقليمية، تضمنت تسويات وتقاسمًا للنفوذ الدولي، تلك التسويات التي مكنت موسكو من ترسيخ واقعٍ جديد، ناهيك عن دور تلك التفاهمات في شكل إدارة المناطق السورية، والتي كان آخرها ما حدث في مدينة منبج قبل أيام من خلال الاتفاق الأمريكي التركي حول شكل إدارة المدينة، الأمر الذي يدعم بشكل كبير بأن مصير درعا والقنيطرة سيكون محكومًا بالمصالح والتفاهمات الدولية، وليس القوة العسكرية للأطراف السورية.
الأسبوع الماضي نشرت وسائل الإعلام تفاصيل الاجتماعات الروسية الإسرائيلية حول مصير المنطقة الجنوبية من سوريا، والتي تبعها بداية انسحاب المليشيات الإيرانية ومليشيا حزب الله من المنطقة والابتعاد عن الحدود مع الجولان السوري المحتل، الأمر الذي يشير غالبا إلى أن درعا ستكون على موعد مع مصير مشابه بما شهدته المدن السورية سابقا، وإن كان مع بضعة تعديلات تتناسب مع خصوصية المنطقة الجنوبية سياسيا واستراتيجيا.
ما يدعم فرضية أن يكون للعبة الدولية دورها في مصير المنطقة الجنوبية، يكمن في تقاطع مصالح الدول الفاعلة لاسيما بالنسبة للروس والإسرائليين الذين يسعون للحد من النفوذ الإيراني في سوريا عموما، بالإضافة إلى ما تردد عن دخول ملف سيادة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان، مقابل سيطرة القوات الروسية على مدينتي درعا والقنيطرة، الأمر الذي يعزز من احتمالية المباركة الأمريكية الدولية لمثل هذا الاتفاق.
في ظل هذه الظروف، قد يكون من غير المنطقي الرهان على القوة العسكرية للفصائل العسكرية المنتشرة في درعا والقنيطرة، لاسيما في ظل السيطرة التامة لغرفة الموك المُدارة أمريكيا على قرارات تلك الفصائل وتحركاتها، والتي ظهرت بشكل واضح عبر إجبارها فصائل الجبهة على إلغاء المعركة التي أطلقتها نصرةً للغوطة الشرقية قبل أشهر، وتهديدها بمواجهة مصير مشابه لحلب الشرقية والغوطة وغيرها في حال عدم إلغائها.
باختصار يمكن القول بأن المجتمع الدولي اليوم بات أكثر تحكما في سير الأمور في سوريا وميلا لإقرار حل سياسي ينهي الحرب بعدما حقق كل طرف من الأطراف الدولية مصالحه وحصل على مناطق نفوذه، وأن القوى السورية بمختلف انتماءاتها السياسية والعسكرية ستكون ملزمة بقبول التسوية الأخيرة وكافة التطورات الموصلة إلى تلك التسورية، بما فيها إنهاء مظاهر العسكرة بكامل أشكالها.
ولابد لنا كسوريين من إدراك حقيقة أن مصير سوريا لن يحكم بالمطالب المحقة ولا بالعدالة التي ستحاسب من ارتكب الجرائم بحق السوريين، وإنما بما يحقق للدول الفاعلة في الملف السوري فرض واقع يساعدها على ترسيخ مصالحها خاصة في تعدد تلك الأطراف وتضارب بعض هذه الصالح، ما يعني أن مصير المنطقة الجنوبية سيكون متلائما مع هذا الواقع بعيدا عن الثورة وأهدافها التي لم تعد كما كانت.
حسام يوسف

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة