جواب من تحت الباب

على غير العادة، كان الاستيقاظ حلوا ذاك الصباح، وسرعان ما دبت حيوية لم أعهدها منذ زمن في أطرافي. مع تتالي فناجين القهوة والسجائر المدكوكة كيفما اتفق، أنشب المزاج العالي...
رجل على طريق

على غير العادة، كان الاستيقاظ حلوا ذاك الصباح، وسرعان ما دبت حيوية لم أعهدها منذ زمن في أطرافي. مع تتالي فناجين القهوة والسجائر المدكوكة كيفما اتفق، أنشب المزاج العالي مخالبه في تلافيف دماغي، سيما وأن الهدوء يعم المكان، فلا حركة للسيارات في الخارج ولا صوت للمكنسة الكهربائية الخاصة بحارس العمارة الذي يقض مضجع أهل الكهف، ويبدو أن الجار المهووس بترميم شقته كل صيف قد انتهى من إصلاح المجارير بعد أن جرَّب كل أنواع الشلع والقلع.

بحيوية ونشاط، خرجت من باب البيت دون مقصد معين لتأخذني قدماي حيث تشاءان. وصلت أول الطريق وبدأت أحضر نفسي لتصنيف المارة حسب أشكال أنوفهم ولون بشرتهم وقصات شعرهم وهمة خطاهم وأمارس هوايتي في قراءة الوجوه والأجساد.

بدأ يثير استغرابي عدم وجود أحد في طريقي، مع أن أبواب المتاجر مفتوحة. لا أحد يبيع ولا أحد يشتري. دخلت متجرا وكان خاليا من أي بشر. البضائع مكدسة على الرفوف. وقعت عيناي على المشروبات الثمينة التي طالما تمنيت أن أشتريها وراودتني نفسي على حمل ما أستطيع لكن قدماي ارتعدتا خوفا فلربما في الأمر “إنَّ”، فقد تكون مؤامرة وأن هناك من يتربص ليقبض علي بالجرم المشهود. خرجت متمهلا كما لو أن لا شيء يعنيني وقلت لنفسي إن كان ولابد لم لا أفتح صناديق “الكاشير” التي يسهل خلعها آخذا كل ما فيها من مال، من باب ما خَفَّ حمله، لكن الريبة فعلت فعلها وأجلتُ الموضوع.

أكملت سيري وزادت دهشتي عندما رأيت محلات الأجهزة الكهربائية والهواتف والحواسيب مفتوحة أيضا بلا زبائن، وكانت الحيرة أكبر عند مشاهدة أبواب محلات المجوهرات والذهب والعطور النفيسة مشرعة وبضاعتها معروضة بلا رقيب أو حسيب. وسائل النقل متوقفة، بلا ركاب ولا سائقين.

رحت أتلمس جسدي، فقد أكون في حلم، ووجدتني من لحم ودم وشعرت بالألم عندما حاولت عضَّ أصابعي إمعانا في التأكد أني في كامل قواي العقلية. تابعت المشي وأنا أرقب نوافذ وشرفات الأبنية السكنية على طرفي الشارع، مطوفا بصري في ثنايا الأزقة المتفرعة عنه لكن لم أعثر على أحد. قلت لنفسي لم لا أجرب الاتصال بأحدهم. فعلت، لكن بعد رنات عديدة لم يرد. اتصلت مع آخر وآخر لكن بلا طائل.

بدأ الأمر يروق لي، ذلك لأني منذ سنين كنت أرى أجسادا بلا أرواح تتزاحم على الأرصفة وفي السيارات والحافلات والقطارات والأسواق، الواحد خلف الآخر يكاد يصطدم به. أما الآن، فلا ضجيج ولا وجوه متعبة تحث الخطى لتصل مبتغاها الذي طالما تساءلتُ عن ماهيته وعن سبب نشاطها وهمتها وهل ما يسعون خلفه يستحق كل هذا اللهاث، لكني افتقدت وجود النساء، وخصوصا وجوه الأربعينيات اللواتي كثيرا ما كُنَّ يضعن مساحيق التجميل في طريقهن للعمل.

الحالة العامة تشي بأن خطبا ما ذهب بالبشر وأبقاني أنا، أو أن الناس كافة اتفقوا على شيء واحد ألا وهو أنا، وربما هناك من يسجل ردود أفعالي كما لو كنت فأر تجارب.

بقيت أنتقل من سؤال إلى سؤال طيلة ساعات النهار. وبعد أخذٍ ورد بيني وبيني توجهت إلى بقعتي الأثيرة في هذا الجزء من العالم، إلى الطريق الترابي المحاذي لنهر قرب البيت تحيط به أشجار حاورتها كثيرا. هناك حيث بيئتي الحاضنة لن يفكر أهلها من الحيوانات في نصب شرك لي مهما كلف الأمر. وكانت المفاجأة، فلا وجود للطيور التي طالما أجهدت نفسي في محاولة معرفة ما يجول في خاطرها. رحت أبحث عن البط الذي يسكن جانبي النهر لكن بلا فائدة، والأكثر غرابة اختفاء الحشرات والزواحف. لم أشاهد ولا حتى نملة واحدة. قلت لنفسي: “هل من كائن حيّ هنا، أو هناك، أو في أي مكان؟”

عدت إلى البيت مثقلا بالأسئلة التي ليس لها أجوبة. وما إن وصلت إلى أقرب كرسي حتى هبطت عليه كما لو كنت معلقا بمنطاد تحمله علامة استفهام كبيرة. وقبل أن ألتقط أنفاسي، مر أمامي شريط أحداث اليوم، وسألت نفسي: “هل هذا معقول؟ هل كل ما رأيته لي، وهل كل الأموال في البنوك المفتوحة لي؟ وهل حقا لايوجد من أتقاسم معه كل الكنوز والمجوهرات والأموال؟” اقتحمني سؤال آخر: “هل سأتمكن من الاستمرار وحيداً مع وجود كل ذلك لي وحدي؟ يا ترى، إن كان لي أن أخسر ذلك كله مقابل أن يكون بقربي إنسان واحد، أو حيوان واحد، ماذا سيكون قراري؟”.

وبينما أنا في عين عاصفة من الأسئلة، قُرِع الباب. التفت نحوه في ذهول، وكأني أنتبه لوجوده لأول مرة. رأيت رسالة تُمَرّر من تحت عقب الباب. حملتُ نفسي نحوه وفتحته، لكن لم أجد أحدا. التقطت الرسالة، وقرأت: “من الإدارة العامة لِما بعد.. عزيزي الميت، يهمنا إعلامكم بانقضاء يوم الإجازة!”.

أيمن الأسود

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة