روسيا أمام خيارات في سوريا “أحلاها مر”

لجني ثمار استثمارها في سوريا ولتحقيق استقرار للصراع قبل تصاعده بشكل أكبر؛ ستحاول روسيا تنفيذ خطة متعددة الجوانب محفوفة بالمخاطر غير مؤكدة النجاح. وكجزء من تلك الخطة ستحاول موسكو...
صور الرئيس فلاديمير بوتين إلى جانب صور بشار الأسد في مناطق سيطرة النظام في سوريا

لجني ثمار استثمارها في سوريا ولتحقيق استقرار للصراع قبل تصاعده بشكل أكبر؛ ستحاول روسيا تنفيذ خطة متعددة الجوانب محفوفة بالمخاطر غير مؤكدة النجاح. وكجزء من تلك الخطة ستحاول موسكو الحصول على مساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في تمويل جهود إعادة الإعمار في سوريا، على الرغم من أن رغبة روسيا في إبقاء بشار الأسد في السلطة ستكون نقطة شائكة ومعيقة للآمال الروسية.

كما ستحاول موسكو منع الصراع في سوريا من أن يتفاقم ليفسح المجال لحرب دولية من خلال التوسط بين إسرائيل وإيران، وتحقيق التوازن بين أولويات الحكومتين السورية والتركية في محافظة إدلب، وكل ذلك لايبدو أنه أمرا سهلا أو بالإمكان تحقيقه بدون ثمن أو تضحيات أو تنازلات.

هذه خلاصة رؤية طرحها مؤخرا مركز ستراتيجيك فوركاستينغ والمعروف أكثر باسم “ستراتفور” وهو مركز دراسات استراتيجي وأمني أمريكي، يعد أحد أهمّ المؤسسات الخاصة التي تعنى بقطاع الاستخبارات، عن طبيعة السياسة الروسية المنظورة حاليا لحل الأزمة السورية التي تديرها منفردة ما خلا بعض التنسيقات المحدودة مع الأتراك والإيرانيين وبشكل أكثر محدودية مع الأمريكان.

فقد دخل الصراع في سوريا مرحلة جديدة منذ استيلاء قوات النظام على درعا والقنيطرة في جنوب غرب البلاد. الآن، ولأول مرة في تاريخ هذا الصراع المستمر على مدى سبع سنوات؛ أصبحت كل الأراضي “ذات المغزى” في سوريا إما تحت سيطرة مباشرة من القوات الموالية للنظام أو الخاضعة لوجود أجنبي مهم، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية والقوات الأمريكية المتحالفة معها على الجزء الشمالي الشرقي من البلاد، في حين وجدت القوات التركية “مغرسا” لها في شمال محافظة حلب وإدلب، حيث تتمركز آخر قوات الثوار وفصائل المعارضة.

إلا أن حكومة بشار الأسد هي التي تسيطر على معظم سوريا بمساعدة حلفاء مثل إيران وروسيا وحزب الله، وكل من هؤلاء الشركاء لديه رؤية مختلفة لمسار البلاد ومصيرها. لكن موسكو بعد أن حققت بالفعل هدفها الأساسي المتمثل في تأمين موقعها وتأمين حكومة الأسد في البلاد تتوق إلى تحقيق الاستقرار وإنهاء الحرب وجني ثمار مشاركتها في الصراع. ولهذه الغاية وضعت خطة متعددة الجوانب مليئة بالمخاطر لا يزال نجاحها غير مؤكد.

إعادة الإعمار غير المحتمل

الخطوة الأولى في الخطة الروسية هي تأمين تمويل إعادة الإعمار الضروري للحفاظ على بقاء الأسد في السلطة سلميا في سوريا على المدى الطويل، وبدون جهود كبيرة لإعادة بناء واستقرار البلاد يمكن أن تغلي الأوضاع مرة أخرى وتتحول إلى حركة تمرد جديدة. وعلاوة على ذلك فإن دور روسيا في تهدئة وإعادة تأهيل سوريا سيؤدي في نفس الوقت إلى تعزيز نفوذها وتعزيز شرعية حكومة الأسد، ربما بما يكفي لتشجيع الغرب على رفع العقوبات المفروضة على الأسد ورموز نظامه، على الرغم من أن هذه العملية لن تكون رخيصة التكلفة، حيث تشير التقديرات إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تبلغ في المتوسط حوالي 400 مليار دولار، ولأن روسيا لا تستطيع تحمل هذا المشروع بمفردها، فإنها تتجه نحو دول أخرى، وهي هنا الولايات المتحدة والصين والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي للمساعدة.

حتى الآن، وصلت روسيا إلى نتائج متضاربة، فبينما أبدت الصين رغبتها في الاستثمار في هذا الجهد فإن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي لا تبدي رغبة بالتورط في الخطة الروسية. وقد قامت بعض دول الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا بتسليم مساعدات إنسانية إلى سوريا عبر روسيا، لكن أنشطتها هذه بعيدة كل البعد عن خطة إعادة الإعمار التي تضعها موسكو في ذهنها. وفي محاولة لإغراء أعضاء الاتحاد الأوروبي لدعم رؤيتها؛ أثارت روسيا احتمال عودة اللاجئين إلى سوريا التي أعيد بناؤها. غير أن الاتحاد الأوروبي يشكك في نوايا روسيا ولا يزال غير راغب في العمل مباشرة مع حكومة الأسد. وقد ثبت أن إقناع الولايات المتحدة بجدارة الخطة ليس بالأمر السهل. فواشنطن لن تعمل فقط مع الحكومة السورية، في ظل عدم وجود تحوّل سياسي، بل إنها تبحث أيضا عن طرق لخفض إنفاقها في سوريا، وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 17 آب/أغسطس الجاري إلغاء انفاق مبلغ 230 مليون دولار مخصصة لبرنامج تحقيق الاستقرار في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ليقوم حلفاؤها العرب (السعودية والإمارات والكويت) والغربيون (الدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا) والآسيويون كتايوان ومعها أستراليا لسد هذه الثغرة واستكمال البرنامج.

تجنب تصعيد إسرائيلي إيراني

ومع استمرار موسكو في البحث عن طرق لضمان استمرارية إدارة الأسد؛ فإنها تعمل أيضا على منع الصراع في سوريا من التصعيد إلى حرب بين الدول المعنية هناك. حيث تقوم إسرائيل بتكثيف هجماتها ضد القوات الإيرانية في سوريا منذ العام الماضي في محاولة لمنع طهران من ترسيخ وجودها في البلاد، وقد تتطور هذه الهجمات، إذا تركت بدون ضابط، لتصبح نزاعا شاملا بين إيران وإسرائيل يمكن أن يضر بقدرات حكومة الأسد، بل ويورّط روسيا فيها أيضا. ولتجنب المزيد من التصعيد؛ أقنعت روسيا إيران بسحب وحداتها الثقيلة من مناطق جنوب غرب سوريا في الوقت الراهن ورفعت مستوى اتصالاتها مع إسرائيل لتجنب الصدامات العرضية بين القوات الروسية والإسرائيلية.

توزيعات السيطرة العسكرية في سوريا

توزيعات السيطرة العسكرية في سوريا

ومع ذلك، فإن خطر المواجهة الإسرائيلية الإيرانية لا يزال قائما، ويمكن لإيران أن تقرر في أي وقت إرسال قواتها إلى المنطقة القريبة من مرتفعات الجولان المحتلة. علاوة على ذلك، فإن إيران لطالما كان لها وجود في سوريا، ومن المرجح أن تواصل إسرائيل هجماتها، وليس لدى روسيا القدرة ولا الإرادة لطرد إيران من سوريا بالكامل، وواضح تجذر الوجود الإيراني في البلاد وارتباط نظام الأسد به الأكثر من اللازم. يضاف إلى ذلك حاجة موسكو إلى القوات الإيرانية في سوريا لاستكمال مهام القضاء المبرم على الثورة السورية والتي ستستمر لفترة طويلة في المستقبل خصوصا في المناطق النائية من البلد الذي مزقته الحرب.

مسألة إدلب

لكن القضية الأكثر إلحاحا التي يتعين على موسكو التعامل معها هي إدلب. وتقع هذه المحافظة التي باتت معقل الثوار الوحيد من الناحية الفنية ضمن إطار تفاهمات واتفاقيات “خفض التصعيد” التي توصلت إليها روسيا مع تركيا وإيران خلال محادثات السلام في كازاخستان العام الماضي. وقد كانت مطالبات الصفقة بخفض التصعيد “شكلية” على الرغم من أنها مهدت الطريق لتركيا لإرسال قوات لإنشاء اثنتي عشر نقطة مراقبة على طول الحدود الإقليمية لإدلب. والآن بعد أن فرضت قوات الأسد سيطرتها على جنوب غرب سوريا، يتوق الأسد إلى شن هجوم على إدلب للسيطرة على المزيد من الأراضي. وقد تحركت القوات الموالية بالفعل شمالا نحو المحافظة خلال الأسابيع القليلة الماضية استعدادا لمثل هذه العملية، الأمر الذي وضع روسيا في حرج مع تركيا.

فمن ناحية، تريد موسكو إضعاف قوات الثوار في إدلب -خاصة أولئك الذين تتهمهم بالوقوف وراء الهجمات المتفرقة على قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية- للتأكد من أنهم لن يشكلوا تهديدا للنظام في المستقبل. لكن ومن ناحية أخرى، يمكن أن يضع ذلك روسيا في صراع مباشر مع تركيا التي تعارض الانسحاب من إدلب خوفا من فقدان المنطقة العازلة في سوريا وإطلاق موجة من اللاجئين على حدودها. وليس لدى موسكو أي نية لإثارة مواجهة مع أنقرة. فالتنازع بينهما، بعد كل شيء، يمكن أن يقطع علاقاتهما ويعيد أنقرة إلى حضن الولايات المتحدة، كما سيشجع البلاد من جديد على الثورة ضد نظام الأسد.

مع أخذ هذه العوامل في الحسبان؛ ستتبع روسيا نهجا متجانسا لمسألة إدلب، وستضغط على تركيا لاتخاذ موقف أكثر صرامة بشأن الفصائل الجهادية بما في ذلك جماعات مثل هيئة تحرير الشام والحزب الإسلامي التركستاني (الذي يشكل فرعا لجماعة المتمردين الإيغور التي تعتبر مصدر قلق كبير للصين أيضا). وفي الوقت نفسه فإن روسيا تحبط توقعات الأسد من خلال توضيح أنها لن تدعم هجوما عسكريا كاملا للسيطرة على إدلب طالما بقيت القوات التركية في المحافظة. وبدلا من عملية شاملة من المرجح أن تبدأ سلسلة من الهجمات الموالية المدعومة من روسيا خلال الأسابيع القليلة المقبلة، إلى جانب حملة دعائية واسعة النطاق لإقناع فصائل المعارضة بإلقاء أسلحتها عبر التهديد باستخدام أسلحة محرمة دوليا وتوجيه ضربات صاروخية مؤلمة ولكن محدودة.

ومع ذلك، فإن مثل هذا النهج المغاير للنمط الروسي السائد خلال التدخل في سوريا منذ أيلول/سبتمبر 2015 سوف ينطوي على مخاطر كبيرة. حيث لم تدعم روسيا من قبل أي عملية عسكرية واسعة النطاق في أي جزء تسيطر عليه فصائل المعارضة من سوريا مع وجود قوات أجنبية، وإذا ما قررت أن تفعل ذلك في إدلب فسوف تتعرض لخطر التسبب في خسائر في صفوف القوات التركية أو ثوران دعوات للانتقام والتصعيد. وعلى الرغم من أن الأسد استعاد قبضة سيطرته على العديد من المناطق إلى حد كبير ويطمح للمزيد، إلا أن روسيا ربما تجد أو ترى أن استكمال تنفيذ استراتيجيتها في سوريا أسهل وأربح وأوفر لها من تنفيذ طموح حليفها لتعزيز سيطرته على أكبر مساحة ممكنة من البلاد.

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة