دمشق تحييكم .. من الثورة العربية الكبرى إلى ثورة أطفال درعا

“الفرسان العرب من بلاد الحجاز البعيدة اليوم غارقون في نشوة انتصارهم في شوارع دمشق”، هكذا عنونت صحيفة “الغارديان” اللندنية افتتاحيتها في عددها الصادر يوم 1 تشرين الأول/أكتوبر 1918.. وكتبت:...
احتفالات أهالي دير الزور بعيد الاستقلال في 1946 - مجلة ناشيونال جيوغرافيك

“الفرسان العرب من بلاد الحجاز البعيدة اليوم غارقون في نشوة انتصارهم في شوارع دمشق”، هكذا عنونت صحيفة “الغارديان” اللندنية افتتاحيتها في عددها الصادر يوم 1 تشرين الأول/أكتوبر 1918.. وكتبت: “بينما كانت الشمس تغرب فوق المساجد والمستنقعات، الميجور توماس إدوارد لورانس، الضابط البريطاني الشاب الذي أتمّ تكتيكته يؤكد نجاح الثورة العربية، من خلال قيادته لخطوط المواجهة من سيارة مصفحة بكوفيته العربية قائلا بصوت عال: دمشق تحييكم”.

 

القوات البريطانية في دمشق - 2 تشرين الأول 1918

القوات البريطانية في دمشق – 2 تشرين الأول 1918

وعلى الرغم من أن صحيفة الغارديان أصدرت يومها تحذيرا حيال السيطرة الإدارية المستقبلية على المنطقة “المحررة” والفراغ الحاصل جراء الانتفاضة العربية ضد الأتراك خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، إلا أن تحذيرها ذهب أدراج الرياح أو أدراج التفاهمات البريطانية الفرنسية “سايكس بيكو”.

وأشارت الصحيفة إلى أن “هناك خطرا جسيما من انهيار مؤسسات القانون والنظام”. “الأعيان الذين كانوا يعلنون حتى اللحظة الأخيرة ولاءهم وعملهم مع الأتراك يعلنون ولائهم للحلفاء. وهناك بالفعل تقارير تفيد بأن بعض هؤلاء الوجهاء قد تم إطلاق النار عليهم واتهامهم بالخيانة. ستكون مهمة الجنرال إدموند ألنبي العامة الأولى هي إقامة حكومة عسكرية للحفاظ على النظام واستعادة الخدمات العامة للمدينة”.

بالتوافق مع الترتيبات المبرمة مع بريطانيا، سيسيطر الفرنسيون على سوريا، وقد استعد جيش ألنبي للتحول غربا للالتحام بالقوات الفرنسية التي تمثلت مهمتها في الاستيلاء على ميناء بيروت في لبنان ليمهد الطريق لها إلى دمشق.

سيعترف خبراء التاريخ العائد للقرن العشرين بالتأكيد بواحدة من تلك الإنقسامات المتعددة الارتجالية للأرض في الأرض المحتلة التي وجدت تعبيرها الكامل في برلين من 1945 إلى 1961. في الواقع، يقال إن وصول لورنس “فاتحا” إلى دمشق في صباح ذلك اليوم من عام 1918 هو الشرارة التي أشعلت في نهاية المطاف برميل البارود من الخصومات الفئوية وانعدام الثقة في الحرب الأهلية المدمرة التي ما زالت تعذب المنطقة بعد قرن من الزمان.

إن الانشطار الإقليمي لسوريا في السنوات التي أعقبت الحرب العظمى مباشرة كان سيشكل تحديا إداريا صارما في أفضل الأوقات، ناهيك عن الفترة التي شهدت أيضا الانهيار الشامل للإمبراطوريات القارية الأوروبية الأربع، لتسود القبلية العرقية الفوضوية العنيفة وعديمة الرحمة.

لكن الأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد خلع ما بعد الاستعمار لإثارة دوامة التمرد الطائفي والإبادة الجماعية التي يرتكبها النظام والتي تسببت منذ عام 2011 في مقتل ما يقدر بنحو نصف مليون مدني ودفعت ستة ملايين مواطن آخرين إلى الفرار من بلادهم المدمَّرة. وبحكم الحاجة إلى المزيد من الموارد، وكما هو الحال غالبا في هذه المنطقة الشيزوفرينية التي كانت في وقت من الأوقات مفعمة بالثراء وممزقة بالخصومات بين الفصائل، فإن مصير الكيان الجغرافي المعروف الآن باسم سوريا كان ومايزال يحدده النفط.

حدود جغرافية وطائفية جديدة

احتاجت قوات الاحتلال الفرنسية من عام 1918 حتى عام 1923 للسيطرة على كامل تراب سوريا وقمع المحاولات المتعاقبة من قبل “الفصائل البدوية” لمقاومتها. في غضون ذلك، تم إبرام معاهدة أنجلوفرنسية في نيسان/أبريل 1920 رسمت الحدود الصحراوية الجديدة والحدود الطائفية. تضمنت المعاهدة بروتوكولا سريا قاد بريطانيا إلى سحب جيشها من سوريا مع الاحتفاظ بالحقوق لـ 75 في المائة من النفط الخام الذي اكتُشف مؤخرا في الأراضي القاحلة التي يفترض أنها قاحلة حول الحدود السورية العراقية الحالية. وافق الفرنسيون على هذا الترتيب ليس من باب الشهامة؛ بل من أجل إزالة الملك فيصل “المزعج” دون الحاجة إلى القلق بشأن التدخل البريطاني. وفي عام 1920، واصل فيصل العيش في منفى مريح في لندن قبل تنصيبه كملك للعراق، حيث حكم حتى وفاته المفاجئة (ربما ضحية السم) عن عمر يناهز الـ 48 عام 1933.

أدى التحريض القومي المتجدد ضد الفرنسيين إلى تمرد اندلع في جبل العرب “جبال الدروز” في عام 1925، وسرعان ما انتشر في جميع أنحاء سوريا. وأخيرا تم قمع هذه “الهياج” عن طريق القصف الجوي الشرس للمناطق المدنية، بما في ذلك دمشق. وفي عام 1930 وافق الفرنسيون على استقلال سوريا، على الرغم من احتفاظهم بحق التدخل في “الأمور ذات الأهمية التجارية الأساسية”.

زحفت وتوسعت مسألة النفط مجددا مثل “خط الصدع الأرضي” من خلال جميع الترتيبات المتعاقبة في المنطقة حتى عام 1940، وعند هذه النقطة توقفت الدولة الفرنسية مؤقتا عن التواجد والتدخل، وأصبحت سوريا دولة ذات سيادة في 17 نيسان/أبريل 1946، ولكن بدون وجود رئيس دولة معترف به أو حتى شكل متماسك من الحكومة قوي بما يكفي لتوحيد البلاد. وكلما ساءت الانقسامات قلّ الرجال في مركز النظام لإصلاحها. وبين 1946 و1956 كان هناك 20 موازنة مختلفة (اثنتان في السنة) وأربع دساتير منفصلة.

قدمت أزمة السويس في تشرين الأول/أكتوبر 1956 مؤامرة أخرى في رواية القرن العشرين المتكشفة لأمة سورية ممزقة. فعلى الرغم من أن الاتحاد السوفييتي لم يكن قادرا على الاستفادة الكاملة من العداء الأنجلوأمريكي المرير الذي أعقب المحاولة الفاشلة لاستعادة قناة السويس المؤممة حديثا إلى سيطرة غربية (كانت دباباتها مشغولة جدا في ذلك الوقت مع قمع انتفاضة شعبية في المجر)، ما دفع الأزمة السورية إلى أحضان المعسكر السوفياتي. وفي تنبه للأحداث بعد ست سنوات في كوبا، هدد نيكيتا خروتشوف إنه سيطلق صواريخ على تركيا (الموالية للناتو) إذا ما هاجمت سوريا، بينما أعلنت الولايات المتحدة بدورها أنها سترد. لتتراجع الأزمة في نهاية المطاف بالسرعة التي اشتعلت فيها، وفي عام 1958 كانت سيادة سوريا نفسها “مغمورة في محيط” الرئيس المصري جمال عبد الناصر.

فسيفساء ملونة

قبل أربعين عاما، كتب لورانس عن “تحريره لدمشق” في كتابه “أعمدة الحكمة السبعة: “كان الشعب ساخطا دائما على الحكومة التي كانت لديه بدافع من كبريائه الفكري، لكن القليل منهم فقط من فكر بصدق في عمل بديل، ووافق عدد أقل منهم على الاضطلاع بذلك”.

كانت هذه كلمات بارعة في المراوغة من لورانس لكنه أضاف: “إن حكومة مركزية عربية سنية في سوريا، سواء كانت محمية أجنبية أو خلافة تاريخية، ستكون مفروضة على الشعب مثل الحكومة التركية المتأخرة”. وظلت سوريا عرقية ملونة بشكل واضح، ولم يكن لورانس “متفائلا بشأن احتمال تعزيز الجماعات الطائفية المتنافسة في المنطقة إلى دولة قومية متماسكة”، ويبدو أن الزمن قد أعلن استحالة الاتحاد المستقل لمثل هذه الأرض دائبة الانفعال ومتواصلة الثوران.

 

توزع الأديان والطوائف في سوريا - 2018

توزع الأديان والطوائف في سوريا – 2018

 

استمرت هذه الحالة مع القطيعة المريرة بين قادة الجمهورية العربية المتحدة وفرض حكومة تحت إمرة ضابط الجيش السوري السابق عبد الكريم النحلاوي، الذي وقع نفسه ضحية لانقلاب. ومع مرور الوقت عاد النحلاوي من المنفى وحاول الاستيلاء على السلطة في محاولة عسكرية فاشلة. وبعد فترة طويلة قضاها في الخارج، ظهر مرة أخرى في الستينات لإطلاق محاولة انقلاب ثالثة قبل الانتقال إلى الخارج مرة أخرى.

وجاءت الخطوة التالية على طول سلسلة الانحدارات من دخول لورانس إلى دمشق في عام 1918 إلى نكسة حرب الأيام الستة عام 1967، عندما دمرت إسرائيل جزءا كبيرا من القوات الجوية السورية واستيلائها على هضبة الجولان، كما قوبلت محاولة لعكس هذه النكسة في عام 1973 بهجوم إسرائيلي مضاد لم يسمح بتحرير كامل الأرض السورية. لينتهي الخلاف السياسي السوري الذي تلا ذلك باستيلاء عسكري عبر ما يسمى بـ”الحركة التصحيحية” لوزير الدفاع السابق حافظ الأسد في تشرين الثاني/نوفمبر 1970، ليليه ابنه الذي يقود الآن الحرب الأهلية الدامية الجارية في سوريا.

ربما شكل انقلاب الأسد انقلابا على اللحظة التي انتهى فيها الانهيار الإداري السوري الذي خشي منه لورنس إلى حالة من الاستياء القبلي والديني المتفاقم فقط مع النظام المركزي، إلى جانب المغامرات الخارجية المنتظمة. ففي عام 1976 ، شرعت حكومة دمشق في ما ثبت أنه احتلال دام لـ 29 عاما للبنان. بشكل عام ، لم يكن هذا عصرا مميزا بما أطلق عليه الأسد “عصبة الأخوّة العربية” بقدر ما تم وسمه بسلسلة من عمليات القتل السياسي، وعمليات تطهير وهجمات مسلحة عشوائية على مواطنين غير مؤيدين في سوريا ولبنان، جلبت في النهاية الانسحاب النهائي للقوات السورية من لبنان في نيسان/أبريل 2005، ثم موجة جديدة من الاضطرابات الاقتصادية والأخلاقية والإيديولوجية.

إذا كان اختبار الدستور السوري الأخير لعام 2012 هو موقفه من الأقليات، فقد فشل في ذلك فشلا ذريعا، ففي أيار/مايو من ذلك العام، أعدمت قوات بشار الأسد 108 مدنيين من المسلمين السنة، بينهم 49 طفلا في بلدة تلدو بسهل الحولة على أيدي مليشيا علوية. وجاء في تقرير الأمم المتحدة حول القضية بتاريخ 8/15/2012 بكلمات تم انتقاؤها بعناية وبضغط من روسيا والصين: “بناء على الأدلة المتوفرة، لدى اللجنة أساس معقول للاعتقاد بأن مرتكبي القتل المتعمد للمدنيين قد ارتكبوا جريمتهم بالتنسيق مع الحكومة، وهذا الاستنتاج يشوبه نقص في المعلومات الموثوقة ما يدعم الاحتمالات الأخرى”.

 

أهالي الحولة يدفنون ضحايا مجزرة تلدو التي وقعت يوم 25 أيار 2012

أهالي الحولة يدفنون ضحايا مجزرة تلدو التي وقعت يوم 25 أيار 2012

 

ولا نحتاج لتعداد جرائم نظام الأسد، إلى الرجوع إلى قائمة انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، والتي تستمر حتى يومنا هذا، باستثناء الإشارة إلى استنتاجات التحقيق المستقل في تشرين الأول/أكتوبر 2014 والتي وجدت أدلة دامغة على “القتل الممنهج” لحوالي 11000 معتقل سياسي، العديد من جثثهم كانت “هزيلة، ملطخة بالدماء، وتحمل علامات تعذيب واضحة، وبعضها لم يكن لديها عيون، وأخرى أظهرت علامات الخنق أو الصعق بالكهرباء” عبر الصور التي سربها الضابط في الأمن العسكري “قيصر”.

 

إحدى الصور ال55000 التي سربها قيصر عن هولوكوست الأسد في سوريا

إحدى الصور ال55000 التي سربها قيصر عن هولوكوست الأسد في سوريا

 

وأدى استهداف الثوار السوريين لمواقع قوات النظام التي تقصف مدنهم وتقتل أطفالهم، من باب رد الصاع بالصاع مع الفارق، إلى انعدام الأمن في المناطق التي يسيطر عليها النظام ويدّعي فيها حماية الأقليات، حيث فرّ حوالي 40 ألف مواطن من الروم الكاثوليك من محافظة حمص وحدها، بعد تلقيهم إنذارا نهائيا بأنهم إما أن يختاروا الانضمام إلى جانب النظام في الحرب أو يغادروا، كما فرّ آلاف آخرون من مناطق المعارضة خشية التعرض للإرهاب الذي يشمل سرقة الأراضي والخطف والاغتصاب والتعذيب، ولا يزال التطهير العرقي للمسيحيين السوريين يتجاهل تساؤلات وتنديدات الطبقات السياسية والإعلامية في الغرب.

الحليف الملقى للذئاب

نادرا ما يكون تحرير المدن التي يسيطر عليها العدو في زمن الحرب مشهدا جميلا، لكن أحداث القرن الماضي في دمشق كانت لها صفات خاصة من حيث الفوضى الإدارية والوحشية المجردة التي يمكن القول إنها تذهب إلى حد كبير لتفسير الاضطراب الدموي الذي تشهده المنطقة اليوم. فقد استمر السلام الهش الذي أعقب احتلال الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1918، لمدة 48 ساعة فقط، خلال عقد البريطانيين مؤتمرا شاملا لحركة فصائل المقاومة في فندق فيكتوريا في المدينة من أجل “تسوية مسألة السيطرة المؤسسية القائمة على الاعتراف بوضعية المتحاربين خلال الحرب”، وضمان إنهاء أي ولاء أو تحالف لقوات عربية مع ألمانيا، وهو ما ألحق لاحقا في بيان تقرير المصير الحكومي.

وأصر الملك فيصل لاحقا على أن لورانس أكد له خلال هذا الاجتماع أن العرب سيديرون سوريا بأكملها، بما في ذلك الطرق التجارية الهامة إلى البحر الأبيض المتوسط ​​عبر لبنان، وادعى أنه لا يعرف شيئا عن أي خطط لإنشاء قوة احتلال بريطانية دولية بعد الحرب، وأنه حتى “القوة الاستعمارية الأكثر تواضعا” ستعرف أن استمرار وجودها لن يؤدي إلا إلى إشعال التوترات الدينية والعرقية.

وعندما احتج فيصل في وقت لاحق على البريطانيين بشأن هذه الترتيبات، حثه البريطانيون على التحدث إلى الفرنسيين، وترك فيصل مؤتمر باريس للسلام في عام 1919 كشخصية محبطة “ليس بالإمكان أفضل مما كان”، ولاحظ في وقت لاحق أنه “تم التخلي عنه من قبل البريطانيين وقدموه مقيد اليدين والقدمين إلى الفرنسيين”.

 

الملك فيصل خلال مؤتمر فرساي 1919 وخلفه من اليمين تحسين قدري وأحد مرافقي الملك ولورانس والنقيب بيساني ونوري السعيد ورستم حيدر

الملك فيصل خلال مؤتمر فرساي 1919 وخلفه من اليمين تحسين قدري وأحد مرافقي الملك ولورانس والنقيب بيساني ونوري السعيد ورستم حيدر

 

من موطنه في إنكلترا، كان لورانس يراقب بإمعان فيما كانت حكومته ترمي حليفها “غير القابل للتقدير” للذئاب. وتتذكر أمه أنه كان يقرأ بقلق شديد ويعيد قراءة قصيدة عن الطرد من جنة عدن، وتقول: كان يقضي كل يوم “فترة الصباح بين الإفطار والغداء في نفس الموضع، بدون حراك، بوجه واجم”.

ربما كان لورانس قد استشف المستقبل في اللحظة التي دخل فيها إلى دمشق عام 1918، لأنه تذكر في وقت لاحق المشاهد المبهجة في الشوارع تلك الليلة عندما كان المؤذن قد دعا المؤمنين للصلاة، حامدا الله على سلامة الناس من الأسر في ذلك اليوم. وكتب لورانس: “فقط بالنسبة لي، من بين جميع المستمعين لتكبيرات الأذان، كان الحدث مؤسفا والعبارة لا معنى لها”.

كريستوفر ساندفورد – مجلة أمريكا

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة