لماذا أُسقطت داريا ومن أسقطها؟

جميعنا يتفق على أن سقوط درايا بيد نظام الأسد يمثل نكبة حقيقية للثورة، لاسيما أنها من أكثر الجبهات انضباطا وتمسكا بالقيم والأهداف الثورية، كما نتفق بأن ما قبل داريا قد لا يكون كما بعدها، حتى وإن اختلفنا في الحديث عن أسباب سقوطها أو نتائجه وحتى أهداف من أسقطها، ما يدفعنا لضرورة الوقوف على تلك الأسباب والأهداف من وراء اسقاط البلدة.

قد يتسائل البعض لماذا نستخدم مصطلح “أسقطت” بدلا من “سقطت”، وذلك نتيجة منطقية لدور المجتمع الدولي في إدخال قوات الأسد إلى البلدة التي لم تدخلها بقوة السلاح وإنما من خلال التواطؤ الدولي الذي ظهر جليا من خلال منع القوى الدولية الفاعلة في الملف السوري “الفصائل في الجنوب” من التحرك لفك الحصار عنها، على شاكلة ما حصل في حلب قبل أسابيع قليلة، وهنا أتحدث بشكل خاص عن الولايات المتحدة التي تسيطر على “غرفة الموك” المسؤولة عن إدارة العمليات العسكرية في المنطقة الجنوبية، الأمر الذي يزيد من أهمية الاجابة عن سؤال لماذا أسقطت داريا؟.

 

الكثير من التحليلات التي تبعت دخول قوات النظام إلى البلدة ذهبت نحو تقسيم سوريا على مبدأ “سوريا المفيدة”، ذلك التقسيم الذي يسيطر فيه النظام على المناطق الغربية والجنوبية الغربية والساحلية، ويشكل ما يعرف بسوريا المفيدة وعاصمتها دمشق، فيما تسيطر المعارضة “السنية” على المناطق الشرقية، وتقيم دولة ربما تكون عاصمتها حلب، مع التركيز على عدم وجود دويلة كردية في سنياريو التقسيم السابق، وهو السيناريو الذي ربط متبنوه بينه وبين سياسة التهجير التي قامت بها قوات النظام للأهالي، ودخول القوات التركية إلى شمال سوريا لمنع الأكراد من استغلال عملية التقسيم المفترضة لإنشاء دولة كردية في الشمال.

عمليا ورغم كل المعطيات السابقة، يبقى الربط بين ما حدث في داريا والاتجاه نحو التقسيم أمرا ضعيفا، وذلك بناءا على عدة اعتبارات، أولها أن طبيعة عمليات التهجير لأهالي البلدة الذين بقي الكثير منهم في مناطق دمشق، ليقتصر شرط الخروج إلى إدلب على الثوار فقط والراغبين من الإهالي، ما يعني أن عملية الخروج من داريا لم تؤثر على التركيب الديمغرافي للعاصمة دمشق ككل، والتي يبلغ عدد سكانها وسكان ريفها نحو أربعة ملايين ونصف المليون نسمة غالبيتهم العظمى من السنة، ناهيك أن عمليات التهجير تستهدف فقط مناطق محددة كان يسيطر عليها الثوار في الجنوب الدمشقي والجنوب الغربي والأرياف الغربية وصولا إلى الحدود اللبنانية، ليكون بذلك ربط التهجير الطائفي في هذه المناطق بمحاولات إيران تشكيل ضاحية دمشق الجنوبية، وجعلها امتدادا لمناطق نفوذها في لبنان أكثر دقة وواقعية من اعتباره تمهيدا للتقسيم، على الأقل خلال الفترة الحالية.

إلى جانب ما ذكر، هناك عدة نقاط هامة لابد من الإشارة لها تزيد من صعوبة تنفيذ مشروع سوريا المفيدة، أولها تقدم الجيش الحر قبل أيام في ريف حماة الشمالي الغربي من خلال تحرير حلفايا وطيبة الامام وصوران، بالإضافة إلى سيطرته منذ سنوات على الكثير من المناطق التي تقع ضمن ما يسمى بسوريا المفيدة خاصة أرياف حماة الغربي والشمالي والجنوبي، أما النقطة الثانية فتتجلى بالانخفاض الكبير في نسبة الطائفة العلوية الناجم عن ارتفاع عدد القتلى نتيجة الحرب والعمليات العسكرية، لاسيما مع ما أشارت إليه إحصائيات غربية عن مقتل ثلث ذكور الطائفة القادرين على حمل السلاح ناهيك عن الإناث اللواتي قتلن خلال المعارك، ما دفع إلى تصاعد موجات الهجرة باتجاه أوروبا في أوساط العلويين الذين لم يكونوا يشكلون قبل الحرب أكثر من 7 في المئة بحسب إحصائيات الأمم المتحدة لعام 2009، الأمر الذي يلغي قدرتهم على إقامة نظام علوي في المناطق التي تشكلها سوريا المفيدة، وربما يلغي على الأقل في الوقت الحالي فكرة سوريا المفيدة من أصلها، خاصة وأنها قائمة على الأساس الطائفي، وبالتالي يدفع إلى استبعاد ربط ما حدث في داريا بمحاولات تقسيم سوريا.

أما عن أهداف الولايات المتحدة من إسقاط البلدة ومنع الفصائل في الجنوب من كسر الحصار عنها، فلا أعتقد أنه يتعدى سياسة المماطلة التي تمارسها الإدارة الأمريكية من خلال تغيير خارطة السيطرة العسكرية في سوريا، لضمان عدم إيجاد حل أو حسم خلال الفترة الحالية التي تنشغل فيها واشنطن بالانتخابات الرئاسية مطلع العام المقبل، وبالتالي رغبة الادارة الأمريكية بتأجيل الحل في سوريا إلى ما بعد تشكيل الإدارة الجديدة من خلال هذه التغييرات التي تحافظ على التوازن العسكري بين المعارضة والنظام خاصة مع دخول القوات التركية إلى سوريا والسيطرة على جرابلس.

ربما لم يعد مهما الخوض بتفاصيل الماضي، إلا أن المهم اليوم هو أن يدرك السوريون أن ما حصل في دريا بالأمس قد يتكرر في مناطق أخرى طالما أن الثورة لا تزال إلى اليوم رهينة القرار الأمريكي، وأن يعلموا بعد ست سنوات من التضحية أن الوقت قد آن ليحرروا ثورتهم من سيطرة القوى الخارجية التي كانت العامل الأكبر في تأخر حسمها والمماطلة بما حملته من نتائج كارثية على الشعب السوري طيلة تلك الأعوام، كما آن لهم أن يدركوا أن المعيار الحقيقي لنجاح الثورة اليوم هو تحريرها من السلطة الأمريكية على وجه الخصوص ولم يعد محصورا بإسقاط النظام فقط، وأن كل يوم يمر على الثورة في حالها الراهن يعني أن هناك ما بعد داريا وما بعد بعد داريا، خاصة في الفترة القريبة القادمة التي قد يكون الدور فيها قد حان على معضمية الشام أو حي جوبر، وربما حي الوعر الحمصي الذي ينال اليوم حصة داريا من الإجرام الأسدي.

ومن الأمور التي يجب أن لا يغفلها السوريون أيضا بأنهم إن لم يحرروا ثورتهم من تلك السطوة فإننا سنكون أمام تاريخ يعيد ذاته من خلال تكرار سيناريو الثورة العربية الكبرى التي تحولت إلى كابوس بعد أن استعمر الفرنسيين والانكليز المشرق العربي، حيث اكتشف العرب بعد فوات الأوان أنهم لم يكونوا يقاتلوا لحلمهم بالحرية وإنما قاتلوا بالنيابة عن من استعمر بلادهم.

حسام يوسف – تيار الغد السوري

تعليقات الفيسبوك