لماذا هذه الحملة الكبيرة على تيار الغد السوري؟

قبل أن يعلن ”تيار الغد السوري” عن انطلاقته بدأت حملات التخوين والتشكيك بأهدافه وبعدد من الشخصيات التي دعت إلى تكوينه، وازدادت حمى التخوين والتشكيك بعد حفل انطلاق مؤتمره التأسيسي...

قبل أن يعلن ”تيار الغد السوري” عن انطلاقته بدأت حملات التخوين والتشكيك بأهدافه وبعدد من الشخصيات التي دعت إلى تكوينه، وازدادت حمى التخوين والتشكيك بعد حفل انطلاق مؤتمره التأسيسي في القاهرة، لتكتمل هذه الحملة بانضمام عدد من الابواق الاعلامية الهاوية، التي لا وقت لديها للتدقيق فيما تسمعه أو تقرؤه في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يكثر الكلام اللامسؤول المتخفي – في غالب الاحيان – خلف أسماء وهمية، لا تمتلك الجرأة على اظهار نفسها وتبني ما تنشره بأسمائها الصريحة، وتنطق بدلاً عن أشخاص أو تنظيمات تختفي في الظل تاركة هذه الأبواق في الواجهة..!!.

المفارقة اللافتة في كل ما كتب عن هذا الجسم السياسي الوليد، أن هذه الكتابات لم تناقش الرؤية السياسية وبقية الوثائق التي أعلنها التيار وناقشها في مؤتمره التأسيسي، وجرى نشرها سواء في موقعهم الإلكتروني أو عبر تصريحاتهم الإعلامية المكثفة، حيث تم ايضاح أفاق مشروعهم، والأهداف التي يسعون إلى تحقيقها، وتوضيح حقيقة ما نسب زوراً الى التيار.

بل ولم يكلف هؤلاء الكتاب أنفسهم عناء تصحيح ما نشروه، وهذه أبسط متطلبات توخي الدقة والموضوعية، بعد أن تبين خطأ وزور المعلومات التي جرى تسويقها، والتي اعتمدت على إطلاق الاشاعة وراء الإشاعة والكذب في نسب مواقف للتيار لم تظهر في وثيقة من وثائقه المعلنة، وتأليف تصريحات ينسبونها لقادة التيار..

يفعلون هذا كله ثم يختفون بسلاسة وهدوء، تاركين جمهورهم يتداول هذه الاكاذيب، ويحلل ويتخذ مواقف من التيار بناءا عليها.

لم تقترب هذه الكتابات من أي وثيقة سياسية تبناها التيار، وكان انشغالها الأساسي، والوحيد، محصوراً بالتخوين لبعض أشخاصه المؤسسين، خاصة رئيس التيار أحمد الجربا، الذي تبنى اطلاق هذا التيار وتحمل أعباء تأسيسه، وحرص على عدم الدخول في مهاترات اعلامية مفتعلة، وعلى الابتعاد عن التورط في سوق اتهامات معاكسة، نعرف أنه يمتلك الكثير من الوثائق التي تدين مطلقيها، وهذه نقطة هامة تحسب للتيار، الذي أكد بعض أعضائه ل”الرقة اليوم” أنهم لا يريدون الغرق في أمور هامشية، والرد على أقاويل وإشاعات يعرف من أطلقها قبل غيره، أنها كاذبة، خاصة ما يتعلق بالكلام عن اتصالات أجراها التيار مع اسرائيل.

كما ركزت حملة التشكيك هذه على حفل افتتاح التيار، وقامت بنشر ما اعتبرته سبقا صحفيا، متهمة التيار باتهامات رخيصة، وتلبيسه مواقف من بعض القضايا لم نجد لها ما يؤكدها في مختلف الوثائق التي اصدرها وتبناها في مؤتمره التأسيسي. علماً أن من قيل أن حضوره حفل انطلاق التيار ليس من صالح التيار، هم شخصيات أعلنت انحيازا مبكرا للثورة، وقدمت لها الدعم السياسي والمادي في أكثر من مناسبة.

ففيما أعلن محمود عباس موقفا عدائيا تجاه الثورة السورية، نجد محمد دحلان قد أعلن انحيازا للثورة السورية، والأمر نفسه ينطبق على عقاب صقر الذي حضر ممثلاً عن سعد الحريري وتيار المستقبل، ولاحاجة لنا للتذكير بمواقفهم المؤيدة للثورة السورية..!!.

ما سبق ذكره يجعلنا نذهب إلى القول بأن حملة التخوين الكثيفة هذه قد تكون مدفوعة من جهات ترى وتتوجس من ضرر قد يصيبها من وجود هكذا جسم سياسي،ربما يتمكن من سحب البساط من أوضاعها الحالية، ومن تعربشها على الثورة، وقد يكشف صراحة عن عجزها، وعدم قدرتها طيلة السنوات الخمس الماضية من عمر الثورة على انتاج جسم يليق بهذه الثورة العظيمة، ويمتلك القدرة على أن يكون ممثلا لها، وعلى صياغة مشروع سياسي متكامل يعبر عنها، وعن المستقبل المنشود لسوريا بعد الخلاص من نظام الاجرام الأسدي.

كذلك لا يمكن اهمال ماكينة دولة قطر الإعلامية في تسويق هذه الاكاذيب والاتهامات، ويعود هذا – باعتقادنا – الى فشل قطر في الهيمنة على التيار وعلى رئيسه، وفرض الأجندة القطرية تجاه الثورة السورية، وهي مسألة قديمة تعود الى سنوات ماضية، حين رفض الجربا المحاولات القطرية في الهيمنة على الثورة السورية، ورفض الممارسات التي كان خالد العطية وزير الخارجية الاسبق يحاول عبرها فرض أجندة قطر، وتجاهل الدور الوطني للسوريين في قيادة ثورتهم، وهي ممارسات أضرت لاحقاً بمسيرة الثورة السورية، سواء عبر الممارسات العسكرية أو غيرها، وعبراتباعه الاعلاميين الذي يتصدرهم عزمي بشارة، وأزلامه السوريين، وما أكثرهم، والبحث في هذا يطول، وليس هنا مقامه.

ولا يمكن – أيضاً – إغفال دور جماعة الاخوان المسلمين السوريين، ومساهمتهم عبر أذرعهم الإعلامية في بث إشاعات، وتسويق أخبار كاذبة للإساءة الى التيار والى مؤسسيه، خاصة وأنهم يعيشون حالة ثأرية تعود في أساسها الى تحجيم دورهم وتأثيرهم في الفترة التي رأس فيها أحمد الجربا الائتلاف، واستطاع خلالها تحقيق العديد من الانجازات السياسية والعسكرية، عجز عنها الاخوان المسلمون ومن يعاضدهم، ومثال ذلك أنهم في فترات لاحقة همشوا الجيش السوري الحر الى درجة ذوبانه وانتهائه عمليا، ليتحول من جيش الى مجموعة كتائب متناثرة، ومتعددة الولاءات، والى أن يتحول الائتلاف الى جسم سياسي يشكل عبئا على الثورة بدل أن يكون معبرا عنها.

نعرف أن “تيار الغد السوري” لم يكن الجسم السياسي الاول الذي ولد بعد قيام الثورة السورية، بل سبقته اجسام بعضها انتهى في مهده، رغم الضجيج الاعلامي الذي رافق الاعلان عنه، ورغم تبني جهات كثيرة له، وتقديمها الدعم المالي الكبير له، ذلك إما لأنه وضع أهدافا مرحلية تتناغم وما يريده الداعمون، أوحصر جهده بما يكفل ايصال بعض عناصره وشخصياته الى بعض المواقع في الائتلاف الوطني لقوى المعارضة، ثم تنتهي الفكرة، كما حدث مع التيار الديمقراطي، اوان يكون هذا الجسم السياسي غير قادر على اقناع جمهور الثورة بجديته وغاياته الوطنية لأسباب تتعلق بارتهانه لهذه الدولة او تلك، ولن نخوض في التفاصيل التي قد تأتي اذا ما تمكنا من اطلاق حوار شامل حول غياب ظهور الاجسام السياسية المعبرة عن الثورة، والعوائق التي تحول دون ولاتها.

النقطة التي تحسب لهذا التيار، أنه ظهر بتمويل وطني لا غبار عليه، ولم يرهن مشروعه لرغبات الآخرين وهنا نتحدث معلومات لا تخمينات.

ولا يفوتنا التنويه هنا الى أن كلامنا هذا لا يعني عدم ظهور بعض التجمعات الوطنية، لكنها – كما نعتقد – لم تستطع ايجاد حضور مؤثر في الساحة السياسية السورية، وبقي أغلبها – لأسباب لسنا بصدها – محصورا بالنضال الفيسبوكي وعبر وسائل التواصل..!!.

أخذ الناقدون (..!!) للتيار عليه عدم قدرته على استقطاب شخصيات وازنة، وهذه نقطة تحتاج الى اعادة نظر بمفهوم ” الشخصية الوازنة ” امام فشل كثير من الشخصيات التي التف جمهور الثورة حولها، ووافق على تسلمها قيادة مؤسساته، وقدم لها دعما معنويا غير مسبوق، لكنها أثبتت بممارستها أنها غير جديرة بقيادة الثورة سياسيا وعسكريا، وأدخلت الثورة في متاهات مازلنا نعاني من أثارها، وغرق بعضها في فساد قلّ نظيره، ولا نحتاج الى سرد تفصيلي، لكن يكفينا هنا أن نتذكر تجربة برهان غليون ورخاوة أدائه، وتجربة ميشيل كيلو مشوش البصر والبصيرة، وطرحه الطائفي في الخفاء، ونتذكر هنا ما كتبه غسان عبود حول طلب ميشيل منه تمويل تشكيل ميليشيات مسيحية مسلحة، اضافة لعدم شفافيته المالية في ما يتعلق بالتيار الديمقراطي، وفي الرواتب التي قبضها من الائتلاف، رغم أنه لا يفلت مناسبة دون التشهير بالذمة المالية للآخرين.

وهذه سمة عامة نجدها لدى الكثيرين ممن ادعوا أنهم معارضة، وقادة، ولا نريد الاستطراد في ذكر أسمائهم والوقوف عند فسادهم، لأن ذلك يحتاج إلى مجلدات، ووقفات أخرى مطولة..!!. يرى البعض في انضمام بعض الشخصيات، التي يعتبرونها اشكالية، الى التيار، واحدة من الأمور السلبية التي تؤخذ عليه، خاصة وأن بعضها قد وصل الى مواقع قيادية في هيئات التيار القيادية.

وبغض النظر عن صحة هذا الاتهام من عدمه، فإن حالة عدم الفرز الصحيح في عموم الثورة السورية قد سمح بدخول وبروز شخصيات الى مختلف الاجسام السياسية، بل إن بعضها قد اعلن لاحقا ارتباطه بالنظام بصيغ عديدة، ومع ذلك لم يتم طرده من هذه الاجسام.

واذا ما تكرر هذا في تيار الغد السوري، فإن الأيام القادمة يجب أن تشهد عملية غربلة شجاعة، تقرب التيار أكثر من جمهوره، وتخلصه من العلق الذي قد يكون أصابه، وهو أمر متوقع في ولادات التنظيمات السياسية، وفي الوقت نفسه، يعتبرتحدٍ كبير لابد من مواجهته، مثله مثل مواجهة الذين يكثرون من طرح الأفكار والمشاريع الرنانة الطنانة في غير أوانها، كأن يجري الحديث عن جبهة للقوى الوطنية الديمقراطية في الوقت الذي لم يبلور التيار بعد وضعه التنظيمي، ويكون لنفسه المساحة التي يطمح اليها من الحضور الشعبي في الساحة السورية، ويبلور جسما سياسيا متماسكا ومنتشرا..!!. السؤال الذي لابد من مواجهته..

وسط كل هذا الضجيج، هل سيتمكن التيار من الوصول الى تجسيد طموحاته، ورؤاه وخططه خلافا لكثير من التنظيمات التي ظهرت في السنوات الأخيرة، و ادعت فتحا لم تصل عتبته، و لم تؤسس لحياة حزبية واضحة الملامح، وبقيت اسيرة البحث عن موقع في الائتلاف بكل ما فيه من مغريات إفساد وفساد، ويقوم بتجديد نفسه والتخلص من بعض الأخطاء التي ظهرت في مرحلة التأسيس ؟؟!!.

من وجهة نظرنا، هذا يعتمد – أساسا – على قدرة القائمين على التيار على التخلص من سلبيات الإنطلاق، وهو امر ممكن، اذا ما تم اعطاء الشباب فرصة وحضورا أكبر، وتوفير الظروف اللازمة لهم، والعمل على اعادة النظر في بعض الأمور التنظيمية، خاصة وأننا نثق بجدية القائمين على التيار، وحرصهم على تقديم جسم سياسي وطني هام.

ويستتبع ذلك العمل على خلق منصة اعلامية احترافية قادرة على ايصال رسالته بعيدا عن لغة الاستعراض والانشائيات الفارغة والكم الفارغ، وتكون قادرة على ايصال مشاريعه وأنشطته إلى أوسع قاعدة شعبية، وإثارة حوارات أكثر جدية حول القضايا التي تواجهها الثورة، واستقطاب أقلام يمكنها أن تضيف وتوسع من حدود الرؤى، اضافة الى ضرورة التأني في العمل بحيث لا تتداخل الأمور فالعمل على تمتين الجسم السياسي، والوصول الى تحقيق قاعدة تنظيمية واسعة، وايصال رؤيته ورأيه السياسي، ثم من بعدها يجري العمل على عقد التحالفات السياسية وغيرها من مشاريع عمل مستقبلي..

والأهم من ذلك كله، ابعاد المنافقين المداّحين عن التيار، وصديقك من صدقك لا من صدقك ..!!.

و نرى أنه على التيار، وبعد أن حقق انطلاقة هامة، ولافتة رغم كل الضجيج الذي أثير حوله، فإنه مطالب اليوم، للاستمرار، بمواجهة المسألة التنظيمية بجدية، وتخليص التيار من الشخصيات المؤثرة سلبا، والتي لا تحظى بقبول من جمهور الثورة، بغض النظر عن الأسباب الخاصة الوجدانية، التي قد تقف وراء ادخالها في الهيكل التنظيمي للتيار، وذلك باتخاذ قرار حاسم جازم، وهذا – باعتقادنا – يساعد كثيرا على استقطاب الشخصيات الوطنية الأكثر تأثيرا، والمعبرة عن النسيج السوري المتنوع، والمنتمية الى أوسع مساحة جغرافية.

أخيرا.. بعيدا عن لغة التخوين، التي تسود في أوساطنا السياسية المعارضة، ندعو في ” الرقة اليوم” الى مناقشات وحوارات جادة، تتعلق بالأجسام السياسية التي ظهرت في السنوات الخمس الماضية وادعت وصلا بالثورة، والوقوف عند ما حققته، والاثار السلبية التي تركتها، مفسحين صفحاتنا لهذه النقاشات والحوارات دون شرط إلا شرط التحلي بلياقة الكتابة وموضوعيتها، ذلك لاعتقادنا أن غياب الأجسام الحزبية الوطنية الفاعلة المعبرة، وعدم قدرة الموجود منها على صياغة مشروع وطني متكامل، وخلق جبهة سياسية تسوقه، يعتبر واحدا من المشاكل التي تعاني منها ثورتنا، وأدت الى تخبط واسع في بعض مفاصلها، والى تأخرنا في القدرة على استقطاب الفاعلين في المجتمع السوري، الذين باستطاعتهم خلق حالة سياسية مفتقدة.

الرقة اليوم

أقسام
الأخبار المميزةمقالات

أخبار متعلقة