وحَدَثَ ذاتَ نيسان

في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات، قام “الجيش العربي السوري” باقتحام مدينة درعا ليبدأ بعد ذلك سلسلة من “الفتوحات” في طول البلاد وعرضها لم تتوقف حتى اللحظة، مستعرضاً عضلاته الفولاذية على مدنيين أبرياء كلُّ ذنبهم أنهم هتفوا للحرية والكرامة!.

في تلك الهجمة الشرسة، دخل “البواسل” المدينة وانتشروا في كل شارع، وتموضعوا فوق الأبنية، موزعين القتل والدمار بين جنبات الأحياء الحانية المفعمة بالطيبة والأصالة، قتلوا المئات من أبنائها الذين لم يستطع ذووهم دفنهم، فاحتفظوا بجثامينهم في برادات الخضار، هذا إن تمكنوا من الوصول إليها أصلاً في ظل تواجدٍ كثيف للقناصة الذين كانوا يستهدفون كل ما ومن يتحرك. احتل “حماة الديار” مدينة درعا، ورفعوا “رايات النصر” على أجساد “الغزاة” من أبناء البلد.

ومع أن إسرائيل على مرمى حجر من درعا ، إلا أن حجافل الجيش العرمرم أبت إلا أن توجه نيرانها صوب صدور الشعب الأعزل، دفاعاً عن سلطة قمعية استبدادية.

عندما بلغ الدم الحناجر، لم يقف أبناء المدن والقرى في حوران موقف المتفرج، وبفعل الحالة التضامنية التي تجمعهم مع اشقائهم في المدينة المُحتلة، ولأن حق الجيرة والفزعة متاصلة فيهم، تجمّع الكبار والصغار بما يشبه حزمة العصي التي لا تُكسر، جاؤوا من كل فج عميق، حاملين الخبز والحليب، وقبل ذلك أرواحهم على أكفهم، تلبية لنداء أخوة التراب.

وما أن حملتهم نخوتهم على نجدة أهليهم حتى ثارت ثائرة حاملي الأوسمة والنياشين من “صناديد” القوات المسلحة، فجعلوا يطلقون عليهم رصاصهم الحي لمنعهم من مؤازرة أبناء درعا، ويعتقلون من طالته أيديهم، ومنهم الطفلين حمزة الخطيب وتامر الشرعي، ليعذبوهم كي يكونوا عبرة لغيرهم، بشكل منهجي وحشي. إنه جيش لا ينتصر إلا على المدنيين والأبرياء.

لم يكن السوريون وحدهم من شملتهم “عناية” هؤلاء. اللبنانيون والفلسطنيون، على سبيل المثال لا الحصر، لديهم الكثير من التجارب المأساوية مع جيشٍ قتل من العرب أضعاف نظيره الاسرائيلي بالوقائع والأرقام!.

مع انطلاقة الربيع العربي كانت كل الجغرافيا السورية على مرجل ساخن، وما حصل في درعا وعاجلاً في معظم أرياف سورية وعشوائياتها وبعض المدن والقرى كان نتاجاً طبيعياً لموات الفعل السياسي، وانسداد أفق التغيير المجتمعي. كانت الاحتجاجات شبه الفردية التي حدثت في دمشق وغيرها من المدن السورية تشي بسخونة المشهد، وبالحيف الواقع على الشعب السوري منذ عقود.

الصيحات الأولى والدماء التي سالت لم تكن من فراغ وبلا مبرر. صحيح أن درعا لم تكن الأكثر تضرراً من ممارسات النظام الاقتصادية والسياسية والأمنية، وما كانت حوران أم اليتامى الأكثر فقرا، إلا أن أهلها، كما هو الحال في بقية أرجاء المعمورة، في توق دائم للحرية ورفع الظلم عن كاهلهم.

في ذلك اليوم، كتب أبناء حوران تاريخاً جديداً يعيد الوعي الجمعي عقوداً إلى الوراء، إلى أيام سورية المجيدة، قبل وصول البعث وشرذمته المأفونة من أنصاف المتعلمين، والمثقفين المتخشبين، ورهط من عسكر مأزومين مسكونين بهاجس الرغبة في اعتلاء السلطة مهما كان الثمن، كانوا ومايزالوا يصدعون رؤوسنا ليل نهار بالحديث عن الشرف العسكري ووحدانية وقدسية تراب الوطن، في الوقت الذي كانوا يبنون فيه “جدر برلين” سورية بين محافظة وأخرى، وبين مدينة وأخرى، وقرية وأخرى، لا بل بين السوري والسوري، كي يسهل عليهم ممارسة شبقهم بالسلطة على حساب أيّ شيء وكل شيء!.

دماء أهل درعا المعمّدة بأقسى قمح في العالم، وترابها الأحمر القاني وحنّاء صباياها، وملح زنود شبابها، وزغاريد نسائها وجدت صداها في وجدان السوريين، فهتفوا لها ومعها.

لأجل غدٍ سوري حرٍ كريم، ذلك اليوم من ذاك الـ “نيسان”، محال أن يطويه النسيان!.

أيمن الأسود عضو الأمانة العامة في تيار الغد السوري

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق