قد يبدو للوهلة الأولى أن ما تشهده مدينتي حلب وإدلب من تصاعد لوتيرة الغارات الروسية عليهما، خطوة ضمن إطار الدعم الروسي للأسد ولإحداث تغيير في الخارطة العسكرية في المدينتين لاسيما مع حديث النظام عن استعدادات لافتحام مدينة حلب، بيد أن التأمل بشكل أكبر في تفاصيل هذا التصعيد من الناحية الجعرافية والعسكرية وحتى السياسية يدفع باتجاه قراءة مختلفة للمشهد وحيثياته ورسائله.
عمليا، اعتبار أن الهدف الروسي من التصعيد هو دعم بشار الأسد وتصفية الثورة بشكل كامل، يفرض ان تكون الأولوية في هذا التصعيد وتلك الغارات على المناطق التي تمثل خطرا مباشرا على حياة النظام، كالغوطة الشرقية أو داريا أو حتى على محافظة درعا الملاصقة للعاصمة على اعتبار أن هذه المناطق تعتبر أكثر خطرا على استمرارية النظام من حلب نظرا لقربها الشديد من العاصمة لا سيما بعد التفدم الأخير للثوار في بلدة الديرخابية في ريف دمشق الجنوبي، خلافا لحلب التي تبعد أكثر من 450 كم عن دمشق، والتي عمليا لا تمثل اهمية استراتيجية للنظام الذي يتبنى نظرية الاكتفاء بما يسميه سوريا المفيدة التي تضم دمشق وأطراف من حمص وحماة بالاضافة إلى الساحل، ناهيك عن عدم تدخل الطيران الروسي إلى جانب النظام في معارك ريف حلب الجنوبي التي أطلقها الثوار مؤخرا.
النقطة الثانية التي تدفع لاستبعاد ربط التصعيد في حلب بالدعم الروسي لبشار الأسد، هي اقتصار ذلك التصعيد على العمليات الجوية فقط دون ان يترافق مع أي تحرك بري لقوات النظام للسيطرة على المناطق المستهدفة بالغارات، أما بالنسبة لما فعلته قوات النظام في خان طومان بالريف الجنوبي لحلب، فلا يتعدى كونه مسرحية للتغطية على حقيقة الانفصال الاستراتيجي للمصالح بينه وبين موسكو وترسيخ صورة أن روسيا لا تزال تقاتل لبقائه خاصة مع الظهور الجلي لتحول روسيا إلى قوة انتداب وليس دعم، بالاضافة إلى رغبة نظام الأسد بكسر الهدنة بدعم من ايران على اعتبار انهما الطرفين “أي النظام وايران” الأكثر تضررا من استمرار وقف اطلاق النار.
النقطة الثالثة والأهم، فتتعلق بطبيعة الأماكن التي استهدفتها الغارات والتي جلها مناطق مدنية سكنية لا تحتوي على أي مواقع ذات أهمية استراتيجية أو عسكرية للثوار، الأمر الذي يشير إلى أن هدف الغارات لم يكن اضعاف قوة الثوار أو التمهيد لدخول قوات النظام أو حتى دعمه، بقدر ما هو محاولة للضغط على المعارضة لقبول المطالب الروسية التي تتعلق بتعديل وفد هيئة التفاوض عبر اخراج التمثيل العسكري وخاصة جيش الاسلام، وضم معارضة الداخل المدعومة من موسكو، بالاضافة إلى موافقة على حكومة تشاركية مع النظام والاكتفاء بمطلب اسقاط الأسد، وهي النقطة التي توليها روسيا أهمية كبرى وذلك لضمان استمرار نهج سوريا الموائم للمصالح الروسية وسياستها الخارجية بحسب ما قاله الملحق العسكري الروسي الأسبق في دمشق فلاديمير فيدوروف في تصريحات سابقة.
هنا يمكن القول، إن حلب ومن بعدها ادلب تحولتا فعليا إلى طاولة مفاوضات من نوع خاص، تستبدل لغة الحوار بدوي القنابل والفذائف، تحاول من خلالها روسيا فرض وجهات نظر وتسويات على المعارضة تتوافق مع مصالحها مراهنة على استخدام المدنيين كورقة الضغط في ذلك الاتجاه، ولكن لا بد من الاشارة إلى أن اعتبار اطراف المفاوضات هذه تنحصر بروسيا والمعارضة يجعل الصورة ناقصة، فالصمت الأمريكي هو الآخر يمثل طرفا آخرا له مصالحه ومطالبه التي يسعى لتحقيقها.
حقيقة، من الخطأ اعتبار الصمت الأمريكي بمثابة تنازل عن القضية السورية لصالح روسيا بالمطلق، خاصة في ظل استمرار دعم واشنطن لبعض الفصائل في سوريا ووصول عدد من الجنود الأمريكيين إلى شمال سوريا تحضيرا لمعارك ضد داعش، إلى جانب ارتباط الملف السوري بعدة ملفات اقليمية ودولية لسنا في وارد ذكرها الآن، إلى جانب يقين المخطط الأمريكي لصعوبة أتخاذ المعارضة السورية قرار بالارتماء في الحضن الروسي، نظرا للرفض الشعبي الذي يعتبر الأخيرة شريكا للنظام في جرائمه ضد السوريين.
ومن ناحية ثانية، فالمهتمين والمتابعين لتعامل الولايات المتحدة مع حلفائها عبر الضغط عليهم بواسطة الأعداء “كما هو الحال بين الخليج وايران”، يدركون تماما أن ذلك الصمت ليس سوى ورقة ضغط من قبل إدارة باراك أوباما أيضا على المعارضة السورية لقبول تصوراتها حول الحل في سوريا والتي يبدو انها تتفق في الجوانب الأساسية مع ما تراه موسكو، من ناحية عدم اسقاط النظام كاملا والاحتفاظ بمؤسسات الجيش والأمن وحتى التخلي عن فكرة اجتثاث حزب البعث والاعتماد على مبدأ التشاركية في مرحلة انتقالية، والاكتفاء باسقاط بشار الأسد، الأمر الذي ترفضه المعارضة السورية.
الرؤية الامريكية السابقة ليست مجرد توقع، ويمكن استخلاصها من تصريحات بعض المسؤولين الأمريكيين، وآخرهم واهمهم سفير الولايات المتحدة السابق في بغداد وكابول ومهندس عميلتي الانتقال في العراق وافغانستان زلماي خليل زادة الذي تحدث عن ضرورة عدم تكرار اخطا العراق في سوريا وعلى راسها حل الجيش واجتثاث البعث، لتتنامى اهمية حديث زلماي زاد مع تصاعد الحديث عن امكانية شغله لمنصب هام في المؤسسة الدبلوماسية في الادارة الأمريكية القادمة.
أما بالنسبة للسؤال الأساسي وهو لماذا حلب وإدلب، فالاجابة عنه تكشف وجود طرف رابع في المفاوضات، وهو الجانب التركي، فلكل من روسيا والولايات المتحدة موقف سلبي من التعامل التركي مع الشأن السوري، ويصنفان سياسة الرئيس التركي ضمن قائمة الفرعنة التي تجاوزت حد عدم التوافق مع مصالحمها إلى الصدام المباشر كما حصل في حادثة اسقاط الطائرة الروسية وما تبع ذلك من أزمة سياسية كبيرة بين البلدين، بالاضافة إلى التهديد التركي بالتدخل المباشر في سوريا وظهور طموحات تركية، ازعجت الجانب الأمريكي وحتى الأوروبي.
كل ذلك يشير إلى أن اختيار حلب ساحة للتصعيد الروسي، لم يكن من الباب الصدفة ولا القرعة ولا الأهمية بالنسبة لنظام الأسد، بل جاء للضغط على تركيا نظرا للقرب الجغرافي الكبير، خاصة وأنه ترافق مع دعم امريكي روسي للمسلحين الأكراد في شمال سوريا والذين تعتبرهم تركيا الخطر الأكبر على أمنها القومي، بالاضافة إلى تزامنه مع تراخي ملموس في الموقف التركي الذي بدأ يميل إلى المصالحة مع روسيا بعد موجة كبيرة من التوتر وفقا لتصريحات عدد من المسؤولين الأتراك، بالاضافة إلى ابدائها الاستعداد للانضمام إلى تحالف يختص بقتال داعش في سوريا دون قوات الأسد، وهو المطلب الأمريكي الذي كانت ترفضه أنقرة سابقا.
في الواقع خلاصة ما أريد قوله والحقيقة الأكثر مرارة، تكمن في أن أي مفاوضات قد تجري في ظل الوضع الراهن لن تكون أكثر من مجرد مضيعة للوقت على اعتبار ان استمرار التصعيد الروسي في حلب وادلب وعدم الوصول إلى وقف فعلي ومستمر للعمليات العسكرية، يشير إلى عدم الانتهاء مما يمكن أن نسميه “مفاوضات الرصاص” التي يمكن اعتبار انتهاءها لمثابةمقدمة لمفاوضات قد تفضي إلى حل شامل، فالهدن المؤقتة لا تتجاوز كونها مجرد استعراض للنفوذ الروسي في سوريا، وإظهار قدرتها على إجبار نظام بشار الأسد على الالتزام بأي تسوية تقبل بها موسكو، بما فيه الانتقال السياسي للسلطة.
تيار الغد السوري – حسام يوسف






