مشروع مارشال من أوروبا إلى سوريا

انتهى اجتماع لوزان الذي عقد في سويسرا ولم يتمخض عن شيء يذكر، أو بالأحرى لم يسمح لأحد بالحديث عن شيء سوى أمر واحد ركز عليه الجميع ألا وهو وحدة...
الدمار في مدينة حمص

انتهى اجتماع لوزان الذي عقد في سويسرا ولم يتمخض عن شيء يذكر، أو بالأحرى لم يسمح لأحد بالحديث عن شيء سوى أمر واحد ركز عليه الجميع ألا وهو وحدة الأراضي السورية، أي القضاء على كل الأحلام بالتقسيم التي راودت الكثيرين، وكانوا يعتقدون أنه قادم لامحالة. بعد ذلك تم عقد اجتماع في لندن جمع الدول الأوربية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضا لم يخرج بشيء يذكر عن الأزمة السورية ولم يقدم حلولا، فهل من المعقول أن هذه الاجتماعات كانت فقط من أجل التقاط الصور والابتسامات المتبادلة والتعارف؟.

أعتقد أن “مشروع مارشال” في المنطقة قد تم الاتفاق عليه، وتم توزيع الحصص وإعطاء الهدايا للأطراف، ولكن لن يتم ذلك قبل إكمال عملية الهدم والإفراغ، والتي يجب أن تتم بشكل محترف.

صدام الجاسر

صدام الجاسر

مشروع مارشال هو المشروع الاقتصادي لإعادة تعمير أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية الذي وضعه الجنرال جورج مارشال رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي أثناء الحرب العالمية الثانية ووزير الخارجية الأمريكي، منذ كانون الثاني/يناير 1947 والذي أعلنه بنفسه في 5 حزيران/يونيو 1947 خلال خطاب في جامعة هارفارد، وكانت الهيئة التي أقامتها حكومات غرب أوروبا للإشراف على إنفاق 12.9925 مليار دولار أمريكي قد سميت “منظمة التعاون والاقتصادي الأوروبي”، وقد ساهمت هذه الأموال في إعادة إعمار وتشغيل الاقتصاد والمصانع الأوربية التي تعطلت بسبب الحرب، وهدفت من خلاله الحكومة الأمريكية إلى قطع الطريق على الشيوعية في استغلال حالة الفوضى والفقر والبطالة المنتشرة في المجتمع الأوروبي من أجل تحويل هذه الدول إلى الشيوعية، ونجحت في ربط الاقتصاد الأوروبي بالكامل بعملتها “الدولار”، وجعلتها العملة العالمية الأولى، ومن خلال هذا المشروع استطاعت التحكم بالاقتصاد الأوروبي، وجنت من خلال المشروع أرباحا طائلة وأثقلت كاهل أوروبا بالديون لعقود طويلة.

فلقد ترتب على الحرب العالمية الثانية تدمير الاقتصاد الأوروبي وانهياره وكساده إلى حد كبير وعميق أدى إلى انتشار الفقر والبطالة بشكل واسع، ما خلق تربة خصبة لانتشار الشيوعية، كما كان هذا واضحاً من الخطط السوفييتية آنذاك، فكان لزاما على الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أقوى اقتصاد آنذاك، والتي لم تتضرر كثيراً جراء الحرب، أن تتصرف بسرعة وأن تهتم بمحور الاقتصاد كأهم عامل مؤثر، فكان مشروع مارشال بادرة أولية لإنعاش اقتصادات غرب أوروبا.

ماهو العامل المشترك بيننا وبين أوروبا وماهو وجه التشابه، وهل الشيوعية هي الخطر الذي تخشاه أمريكا حاليا؟.

في نظرة سريعة إلى المنطقة العربية نجد أن هناك عدة بلدان قد تم تدمير أجزاء كبيرة منها وهي سوريا والعراق وليبيا واليمن، وهذا الدمار قد سبب للكثيرين الفقر والبطالة والبحث عن الهجرة، أي أنه وضع مشابه لأوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، ويحتاج هذا الدمار إلى إعادة إعمار شامل وفق أسس جديدة يتم من خلالها خلق فرص عمل للعاطلين عن العمل وكبح جماح التوجه الإسلامي لديهم، والذي يجدون فيه المتنفس الوحيد حاليا لإفراغ غضبهم. لقد تم استبدال الخطر الشيوعي بالخطر الإسلامي، وأصبح من الضروري مواجهة هذا الخطر الذي يهدد المصالح الغربية بشكل عام دون استثناء، ولايمكن القضاء على هذا الخطر إلا من خلال القضاء على الحاضنة الشعبية والبيئة الخصبة له.

ففي هذه الحالة يجب التوجه نحو استقطاب الشباب وتأمين فرص العمل لهم وإيجاد مشاريع تنموية اقتصادية تكون بديلا عن التوجه نحو الإسلام الراديكالي الذي يستطيع استغلال مشاعر الغضب الناتجة عن الفقر لدى فئات الشعب وتحويلها لصالحه (نستطيع ملاحظة ذلك من خلال تجربة الإخوان التي توجهت نحو الشباب واستطاعت استقطابهم من خلال تقديم خدمات لهم وتأمين فرص عمل، وقد كان نشاطها في المناطق المهمشة والعشوائية، والتي يمكن مقارنتها حاليا بمناطق الدمار في الدول العربية). ومن ناحية أخرى فإن موجات الهجرة التي اتجهت نحو أوربا باتت تشكل تهديدا حقيقيا لهوية هذه الدول، فأغلب المهاجرين هم من الشباب المسلم الذي لايزال يتمسك بتقاليده الإسلامية وهذا أمر تخشى منه دول أوروبية عديدة.

أيضا تسعى الولايات المتحدة الأمريكية أن تجعل من هذه المنطقة ملتصقة بها بشكل كامل من خلال العقود والاتفاقيات الاقتصادية التي ستجعلها مرهونة للديون الخارجية لسنوات طويلة، وبذلك تستطيع التحكم بها وبقراراتها دون الحاجة إلى استعمال القوة العسكرية التي قد تواجه معارضة في المحافل الدولية، بمعنى آخر: ستكون القوة الناعمة هي الأداة الأقل كلفة من جميع النواحي.

في سوريا تم تدمير مناطق كثيرة، وستحتاج إلى إعادة إعمار، ونستطيع القول إننا إذا نظرنا إلى المناطق التي تم تدميرها في سوريا سنتفاجئ بأنها مناطق كانت بالأساس تحتاج إلى إعادة إعمار من جديد (هل نستطيع أن نذكر منطقة لم يتم تدميرها دون أن تكون حديثة البناء؟) ففي دمشق وفي عام 2008 صدر تقرير حكومي يقول إن ثلثي مناطق دمشق هي مناطق غير نظامية وتعتبر مخالفة، ولكن لم يكن بالإمكان إخراج سكانها من أجل هدمها وإعادة إعمارها، مع العلم أن هناك شركات عالمية تقدمت حينها من أجل الحصول على تراخيص هدم مناطق في دمشق وإعادة إعمارها، وأذكر منها منطقة “مخيم اليرموك”، ولكن لم يتم الأمر لأسباب مجهولة.

الإفراغ الذي يحصل الآن للسكان أراه كمقدمة من أجل هدم المناطق التي تم إفراغها (حمص القديمة، داريا، القابون، حرستا)، وسيتم تنفيذ مشاريع الإعمار بها، وفي المناطق الأخرى من المحافظات السورية مثل حلب التي يتعرض القسم الشرقي منها إلى عمليات قصف مدمرة حاليا، وهذا القسم من المدينة في أغلبه هو مناطق قديمة ومخالفة (صلاح الدين، بستان الباشا، الصاخور..)، لن يكون بالإمكان إعمارها بوجود الساكنين فيها، ولكن سيكون من الأسهل تنفيذ المشروع بدون وجود السكان.

طبعا هذه المشاريع ستكون ذات تكلفة عالية على الدولة السورية التي أصبحت البنية التحتية فيها تقارب الصفر، هنا يأتي دور الشركات التي ستكون هي الواجهة الحقيقية للمشاريع، والتي يسيل لعابها للفوز بهذه المشاريع، وستكون المشاريع ذات مردود مستدام، وذلك لأن الدولة السورية لن تكون قادرة على الدفع بشكل مباشر، بل من خلال قروض ذات فوائد طويلة الأجل تجعل من الاقتصاد السوري رهينة لها وسيرزح تحت وطأتها لسنين طويلة.

أليس من المستغرب أن “اجتماع لوزان” تم عقده من أجل سوريا، ولم تحضره المعارضة ولا النظام؟.. ليس من المهم حضور أي طرف سوري في اجتماع لوزان لأن هذه الأطراف أصبحت مجرد أوراق، المهم هو حضور الأطراف الفاعلة والمطالبة بحصصها فقط، وأيضا حضور الأطراف التي سيكون عليها إتمام المشروع، فالبعض سيكون ممولا فقط، مقابل الحفاظ على وجود ممثليه في الحكم، والبعض ستكون له مهمة عدم زعزعة الوضع من خلال أذرعه المتواجدة في سوريا، أما الأطراف السورية الموجودة على الأرض فهي مجرد أوراق باتت مرهونة للخارج بشكل كامل، وسيتم التخلص منها لاحقا في الوقت المناسب، ولكن الآن لدى الأطراف السورية الحالية مهمة واحدة وهي إعطاء الذريعة للمزيد من التدخل الذي يسبب الدمار وزيادة قيمة الفاتورة التي سيتم دفعها من أجل إعادة إعمار سوريا، هذا إن علمنا أن التكلفة التقديرية لإعادة إعمار سوريا تقارب الـ700 مليار دولار.

سيتم تشكيل فريق الحكم السوري وتقديمه بالشكل المناسب من أجل تمرير الاتفاقيات القادمة، وتعمل الدول حاليا على إتمام تشكيل هذا الفريق وتهيئته كي ينفذ ماتم الاتفاق عليه، وتقوم كل دولة حاليا بتشكيل فريقها الذي سيمثل مصالحها في الحكومة السورية الجديدة، ونستطيع ملاحظة ذلك من خلال احتضان كل دولة لطرف معين من المعارضة، وقد تشترك أكثر من دولة في فريق واحد.

الأزمة السورية التي فرّقت بين الدول عسكريا تعود وتجمعهم اقتصاديا، والحديث عن الحرب العالمية هو فقط من أجل تهيئة الظروف والأجواء المناسبة من أجل إتمام المشاريع، فلا أحد من دول العالم مستعد أن يدخل في حرب من أجل الآخرين، والجميع يعلم أن الحرب لن تفيدهم بشيء، بل ستسبب لهم خسائر هم في غنى عنها، والأهم من ذلك كله أنهم يعلمون أن القوة الأمريكية لايمكن مجابهتها ولا مجاراتها في هذا المجال، وأن الجميع يعمل ضمن إطار واحد وفق إيقاع معين يتم فيه تبادل الأدوار وفق الحالة والظرف الموجود، ولكن دون الإخلال بالمشهد العام.

في النهاية أود القول إن الولايات المتحدة الأمريكية لن تقبل بجعل سوريا قاعدة روسية، ولن تقبل بتفرد روسيا في سوريا لوحدها، ولكنها تريد أن يتم إنجاز القسم اللاإنساني من هذه الحرب بأيد غير الأيدي الأمريكية (أوباما وصف سوريا في إحدى المرات بأنها أكبر حاملة طائرات في الشرق الأوسط) لذلك فإنها تغض الطرف حاليا عما يجري، بل وتباركه في الخفاء. علينا أن نتذكر أن الدول ليس لديها مشاعر وأننا يجب أن لا ننظر إلى الوضع في سوريا بعيوننا السورية، بل يجب أن ننظر إليه بعيون الدول الكبرى كي نراه من وجهة نظرهم ومصلحتهم لنستطيع بناء تصور لما يحدث ولما يمكن أن يحدث في المستقبل. وللحديث بقية..

صدام الجاسر – تيار الغد السوري

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة