ترمب يفتتح عهدا جديدا للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

على عكس كل التوقعات واستطلاعات الرأي وحتى التكهنات فاز المرشح الجمهوري دونالد ترمب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة الأمريكية مفتتحا عهدا جديدا من عهود الإدارة الأمريكية عقب عهد “ديمقراطي” استمر لثمان سنوات يبدو أن المواطن الأمريكي قد قرر القطيعة معه لفترة أربع سنوات قادمة على الأقل.

درغام هنيدي – تيار الغد السوري

وقد اتسمت الحملة الانتخابية بحدة وفضائح أخلاقية غير مسبوقة من قبل المتنافسين فيها مما سبب حالة من الانقسام والخوف لدى قسم كبير من الشعب الأمريكي. وفي أول خطاب له بعد الإعلان عن فوزه وعد ترمب بأن يكون رئيسا لكل الأمريكيين وأن يتفرغ لتنفيذ شعار حملته بجعل أمريكا بلدا عظيما مرة أخرى.

لقد استطاع المرشح الغريب عن الوسط السياسي التقليدي أن يكتسح مرشحي الحزب الجمهوري من السياسيين التقليديين قبل أن ينتزع الرئاسة من يد الحزب الديمقراطي المدعوم من كل النخب السياسية والاجتاعية وحتى من بعض أعضاء الحزب الجمهوري نفسه وان يحظى بثقة أو رغبة الناخب الأمريكي الراغب بالتغيير.

وإذا ما أردنا أن نرسم خطوطا عريضة لملامح عهد الإدارة الأمريكية القادمة لابد لنا أن نضع نصب أعيننا أن ترمب هو رجل أعمال ملياردير بنى ثروته في مجال العقارات، ولم يسبق له أن عمل في السياسة، وقد استثمر بذكاء غضب وتذمر الشارع الأمريكي من الطبقة السياسية الحاكمة واستطاع أن يقدم ما يشبه الطريق الثالث للأمريكان، بمعنى أنه لن يكون سياسيا تقليديا ولن يلتزم بثوابت السياسة وخطوطها العريضة.

وعلينا أن لا نفصل بين السياسة وشخصية ترمب، فهو يقول ما يجول في رأسه دون أن يخضعه للتدقيق المعتاد ليكون صحيحا وفق المعايير السياسية المتداولة والرائجة، وهو ذو آراء إشكالية تكون في كثير من الأحيان متناقضة إلى حد كبير، وإذا ما انطلقنا من هذه النقطة بالذات سنصل إلى نتيجة منطقية وهي أنه لن يلتزم بخط ومسار سياسي واضح ولن تكون سياستة مستقرة ومحددة ودائمة تجاه منطقة معينة. وأنا شخصيا لا أرى أن ما قاله في حملته الانتخابية ستكون محددات ومنطلقات لسياسته المتوقعة والمقبلة، ولا أستبعد إطلاقا أن يفعل عكس ماقاله تماما في لحظة غضب أو انفعال أو لاعتبارات انتخابية وتجييش للرأي العام لصالحه أثناء الانتخابات، دون الالتفات إلى كل ما يقوله مستشاروه السياسيين وما دأبت المؤسسات الرسمية الأمريكية على العمل به منذ عقود من سياسات واستارتيجيات لم تتغير مهما تغير الرؤساء وتعاقبت الإدارات.

وعلينا أن لا ننسى أبدا أن ترمب الآن أصبح على قناعة راسخة بأنه يمثل الشريحة الثائرة على توجهات السياسة الأمريكية التقليدية، وأن نجاحه كرس هذه القناعة. بمعنى أن الشعب الأمريكي الذي انتخبه قد فوّضه بشكل كامل لأن يكون مجسدا لهذا النهج الذي طرحه في حملته الانتخابية، وأن يبتعد تماما عن كل السياسات السابقة لسلفه سواء في الداخل الأمريكي أو خارجه.

من المتوقع أن يقوم ترمب معززا بأغلبية جمهورية في مجلسي الشيوخ والنواب بمحاولة نقض بعض ما عمل عليه أوباما خلال السنوات الثمان وخصوصا في الشأن الخارجي، ولكن الأهم من هذا أن ترمب خلق مناخا حادا من الانقسام في المجتمع الأمريكي بسبب خطاب الكراهية الذي اعتمده، كما أنه كسر تابوهات السياسة الأمريكية وأضحت التعبيرات العنصرية ضد الآخرين أمرا مقبولا ويصفق له على الملأ، وهكذا فقد نشهد جوا عاما من مشاعر الخوف والعداء والعنصرية.

أما ما الذي يمكننا توقعه لمنطقتنا العربية فليس سرا أن  ترمب أبدى رغبتة في التفاهم مع روسيا حول حل للأزمة السورية مما يجعلنا نرى موقفا أمريكيا قد يقبل بوجود مؤقت للأسد ريثما يتم إنهاء وجود داعش والنصرة، وفي هذه النقطة قد يبتعد ترمب عن حلفاء أمريكا العرب من دول الخليج، بل وربما يحثهم على تمويل الحرب ضد التنظيمات المتطرفة كما أنه ربما يلتقي معهم في إعادة النظر في الاتفاق النووي مع إيران أو على الأقل التشدد في تطبيقه، كما سنرى تشددا مماثلا في قبول اللاجئين من دول الأزمات كالعراق وسوريا وقد يكون الأمر شاملا كل المسلمين من أي دولة كانوا.

ولكنني أرى وعلى خلاف الكثيرين بأن سياسة “الهيبة الأمريكية” التي وعد ترمب بانتهاجها لا يمكن أن تستقيم مع علاقات جيدة مستديمة مع روسيا في ظل تمدد روسيا العابر للقارات مستغلة قوة بوتن جرأته وضعف أوباما وتردده، وهذا سينال بشكل مباشر وقوي من هيبة ونفوذ أمريكا الذي يطمح إليه ترمب ولا يمكن أن يقبل بغيره، ولن يكون مكرسا لسياسة أوباما الذي اتهمه عدة مرات بأنه جعل أمريكا من دول العالم الثالث، وهذا ينطبق على الموقف من إيران كونها الدولة المارقة في الشرق الأوسط والتي أعطاها أوباما نفوذا كبيرا وجعل منها قوة إقليمية مهيمنة مقابل تنازلات نووية.

كما أن ترمب اتهم أوباما أيضا بأنه سلم سوريا والعراق لإيران وقدم لها المليارات بدلا من معاقبتها وقطع أذرعها وتحجيم دورها مما يعني أنه من المرجح بشكل كبير أن تصطدم إيران بطريق مسدود سيضعه ترمب دون أن يترك منافذ وهوامش لسياسة إيران التوسعية والقائمة على التشبيح والتدخل بشؤون الغير والعبث بأمن دول الجوار دون رادع أو محاسب.

وبالمحصلة فإن سياسة ترمب بالشرق الأوسط سيقلق منها زعماء إيران والخليج على حد سواء وستربك زعماء الناتو والشركاء الأوروبيين الذي تعهد ترمب بإعادة النظر في أسلوب عمل الإدارة الأمريكية معهم، مهما كان ذلك سيؤثر سلبا على أسواق المال والاقتصاد العالمي، وبالنسبة لنا كعرب لقد فقدنا القدرة على المبادرة منذ زمن بعيد ولن يكون أمامنا إلا أن ننتظر ونرى ماسيحدث في قادم الأيام والذي سيكون بكل تأكيد حافل بتغييرات جمة قد لا تكون ذات نهايات سعيدة بالنسبة لنا.

درغام هنيدي – تيار الغد السوري

تعليقات الفيسبوك