الإخوان المسلمين.. أو استمرار الثورة

قد تكون مهمةً صعبةً فيما لو طُلِبَ منا تحديد المشكلات التي تعاني منها الثورة السورية منذ ست سنوات وحتى وقتنا الراهن، لكن وللأمانة فإن الباحث في تلك المشكلات رغم...
من مظاهرات الثورة السورية

قد تكون مهمةً صعبةً فيما لو طُلِبَ منا تحديد المشكلات التي تعاني منها الثورة السورية منذ ست سنوات وحتى وقتنا الراهن، لكن وللأمانة فإن الباحث في تلك المشكلات رغم كثرتها وتشابكاتها لا يحتاج للكثير من الوقت حتى يدرك أن أعقدها يكمن في كيفية إقناع الإخوان المسلمين بأن الثورة السورية ليست امتداداً لأحداث حماة 1982، وأنه بات عليهم إنهاء استئثارهم بقيادة الثورة وممارساتهم الإقصائية لضمان استمراريتها.

حقيقة، منذ انطلاق الثورة رفضت الجماعة تفهم وتقبل فكرة أن السوريين قاموا بثورتهم مطالبين بالحرية والعدل، وليس على أساس ديني أو لاستبدال حكم الأسد الابن بحكمها أو انتقاماً لها من ما عانته على يد الأسد الأب.

وهي القناعة التي غالبا ما كانت مبنية على تنامي الاعتقاد لدى تنظيم الإخوان عموماً في تلك الفترة بأن الزمان بات زمانهم وأنهم سيكونوا ورثة الدكتاتوريات في العالم العربي، لاسيما مع وصول قيادات الجماعة إلى الحكم في عدد من الدول العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي.

الإخوان في سوريا لم يغردوا خارج سرب الفروع الأخرى للجماعة التي أخذت تسعى للسيطرة الكاملة على الدول العربية التي حكموها، بل تجاوزوا في سوريا ذلك إلى منح معركة السيطرة على الثورة أولوية أكبر من معركتهم مع النظام بالرغم من أن بشار الأسد لا يزال جالسا في قصر المهاجرين، كما اتبعوا سياسة إقصائية في تشكيل المجلس الوطني والائتلاف الوطني أولى مؤسسات الثورة السياسية بغض النظر عن الضرر الذي سيلحق بالثورة نتيجة سياستهم هذه، معتمدين في ذلك على دعم تركيا التي كانت لها كلمتها القوية في تشكيل تلك المؤسسات آنذاك على اعتبار أنها تشكلت على أراضيها.

طبعا الآثار السلبية لسياسة الإخوان المسلمين لم تقتصر فقط على الإقصاء السياسي وانما امتدت إلى صبغ الثورة بالصبغة الدينية وهو ما كان النظام يسعى جاهدا لترويجه، الأمر الذي أدى إلى إضعاف قدرتها على استقطاب بقية فئات الشعب السوري، إلى جانب إشعال الصراع بين التيارات السياسية للسيطرة على مؤسسات المعارضة، ما زاد من شرذمتها وغيب الكثير من الشخصيات المعارضة والمنشقة عن النظام ذات الخبرة في العمل السياسي، إلى جانب خلق شرخ بين الجسد السياسي للثورة وبين الدول العربية التي تنظر بحساسية إلى جماعة الإخوان المسلمين.

الطامة الكبرى في تجربتنا مع الإخوان أنهم لم يكتفو بالسياسة، وإنما عملوا جاهدين للسيطرة على القوى العسكرية الثورية من خلال استغلال ورقة الدعم لتجميد القيادات العسكرية المؤسِسة للجيش الحر والمتواجدة على الأرض واستبدالها بشخصيات أخرى متواجدة في دول الجوار، الأمر الذي خلق نوعا من الفصل بين الفصائل العسكرية وقياداتها من جهة، وبين الفصائل والمعارضة السياسية من جهة أخرى على اعتبار أنه فسح المجال أمام قيام فصائل مسلحة مستقلة خارج إطار الجيش الحر والائتلاف الوطني.

لست في غرض التهجم على الإخوان أو عمل جرد حساب لهم، ولكن ما أدرت قوله بأن الأخوان قد اخذوا فرصتهم كاملة طيلة ست سنوات جروا خلالها على الثورة ما جروه من ويلات، وقد آن الأوان لأن يعلموا بأن حلمهم بوراثة الديكتاتوريات قد أصبح من الماضي، وأنهم باتوا مطالبين بالابتعاد عن قيادة المشهد الثوري تماما، كونهم باتوا خطرا فعليا يهدد استمرارية الثورة ونجاحها خاصة مع التطورات التي يشهدها العالم بصعود اليمين في كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والذي ينظر للجماعة على أنها منظمة إرهابية، الأمر الذي سيؤثر على دعم هذه الدول للثورة السورية فيما لو استمر الإخوان في قناعتهم تلك واستئثارهم بالقيادة السياسية للثورة.

كما آن لهم أن يستوعبوا أن بقائهم في قيادة الثورة بات خدمة العمر التي يمكن أن يقدموها للنظام والذي لن يوفر الفرصة لاستغلالها والترويج اكثر لفكرة “أسلمة الثورة”، وطرح نفسه كحليف في النظام العالمي الجديد الذي سيولي الأولوية بحسب تصريحات الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لمحاربة التنظيمات الإسلامية والإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص.

أعرف تماما أن العالم سواء بالإخوان أو بغيرهم سيتخاذل في دعم الثورة ولن يدعم حق السوريين في تقرير مصيرهم، وأن سوريا اليوم باتت ساحة لحرب مصالح دولية، ولكن على الإخوان اليوم إدراك أن استمرارهم في تصدر المشهد قد يضع الثورة في صدام مع القيادات العالمية الجديدة، ويمنح النظام فرصة لم يكن يحلم بها لتصفية الثورة السورية وإعادة انتاج نفسه حتى وإن كان دون الأسد بشخصه.

آن لنا أن نفكر بواقعية أكبر بعيداً عن أي لغة خشبية أو تحريضية، اليوم ليس من صالح الثورة السورية أن تعاكس التوجه العالمي الجديد أو السباحة عكس التيار الدولي، كما أنه لا يمكن للثورة أن تنتصر دون الحصول على الدعم الدولي الكامل، ما يجعلنا بأمس الحاجة لإعادة تشكيل التنظيمات السياسية المعارضة ومنح المنشقين والليبراليين والعلمانيين مساحة أوسع بما يضمن تمثيل أفضل لكافة الأطياف السورية، لاسيما وأن السنوات الماضية أثبتت بالتجربة قصور فكر الإخوان المسلمين وعقليتهم الإقصائية التي لا تتناسب مع مطالب الشعب السوري بالحرية والديمقراطية.

حسام يوسف – تيار الغد السوري

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • بيان تعزية بالمفكر الإسلامي السوري جودت سعيد

    تيار الغد السوري المكتب الإعلامي 31/01/ 2022 بيان تعزية بالمفكر الإسلامي الراحل جودت سعيد ينعى تيار الغد السوري المفكر الإسلامي السوري جودت سعيد الذي توفي يوم الأحد الموافق 30/01/2011...
  • مخاض عسير

    ما تشهده الثورة السورية من مخاض عسير وخاصة الاختلاف الداخلي الذي يصل أحيانا إلى مرحلة الاقتتال، يؤكد أننا لم نستطع الانتقال بالثورة إلى مرحلة الأمان بعد مرور قرابة عشر...
  • لماذا سيستمر تيار الغد السوري؟

    يراهن البعض على انتهاء دور المعارضة السورية وعن فرط عقدها، ويرددون أنها ستزول في ظل هذه الفوضى. ومن هنا سيكون نقاشنا ولن نتحدث طويلا عما قدمه تيار الغد السوري...
  • مستقبلنا في سوريا حرة وموحدة

    لا يعني نقص أعداد المهاجرين إلى أوروبا أن الأمور بخير في المنطقة. تكون الأمور بخير بالنسبة للاتحاد الأوروبي والعالم باستقرار الشرق الاوسط واستقرار سوريا وإعادة إنتاج الحل السياسي. إن...