حلب مقابل الأسد والبقية تأتي لاحقا

لاتزال الأحداث على الساحة السورية تتوالى وتتكشف رويدا رويدا. التحالفات الحقيقية التي بات لها الدور الفاعل على الساحة السورية، وذلك بعد التصفيات التي حصلت للتحالفات السابقة والمحاور التي أدت...
رسم صورة بشار الأسد جدار حلب رصاص دمار

لاتزال الأحداث على الساحة السورية تتوالى وتتكشف رويدا رويدا. التحالفات الحقيقية التي بات لها الدور الفاعل على الساحة السورية، وذلك بعد التصفيات التي حصلت للتحالفات السابقة والمحاور التي أدت أدوارها الوظيفية، توشك على التبلور، وحان الآن موعد ظهور الأمور على حقيقتها ورمي الأقنعة التي لبسها الجميع.

سقطت حلب ولكن لم ينتصر النظام، ولم يستطع حتى رئيس النظام بنفسه أن ينسب النصر إلى نظامه أو إلى نفسه، وإنما أعلنها صراحة أن إيران وروسيا هما اللتان انتصرتا في حلب، وكأنه أصبح الناطق الرسمي باسمهما في الأراضي السورية. وأعتقد أنه بإعلانه هذا كان يود القول لهما إنه مستعد أن يقبل بأي شيء يعطوه إياه مقابل بقائه واجهة صورية لنظام الحكم القادم في سوريا حتى ولو كان مجرد ناطق إعلامي.

صدام حسين الجاسر

صدام حسين الجاسر

روسيا من طرفها أعلنت أن نصر حلب لم يكن ليتحقق لولا التحالف والتعاون التركي الإيراني الروسي، وهو قد يبدو تحالفا جديدا بدأت تتكشف ملامحه بشكل أوضح رغم أن الحلقة الأضعف فيه هي إيران، التي تدرك أن المصالح الروسية مع تركيا ستجعل منها في قادم الأيام طرفا غير مرغوب فيه، وقد تصبح خارج المشهد بشكل كامل، لذا بدأت تعلن أنها تريد للحل السياسي في سوريا أن ينجح، وأن لاسبيل للحل في سوريا بطريقة أخرى لعلها تصبح مقبولة بشكل أو بآخر في المرحلة القادمة.

المهم في الأمر أن روسيا خرجت بانتصار تستطيع أن تحفظ من خلاله ماء وجهها أمام العالم، والحقيقة أن هذا الانتصار ما كان ليتم لولا الضغط الأمريكي على الروس لإنهاء وضع حلب بالسرعة القصوى، ولولا التحالف الذي تم تشكيله مع تركيا بمباركة أمريكية.

أما إيران، التي تحاول أن تحكم سيطرتها على سوريا من خلال مليشياتها التي تقاتل مع النظام ومن خلال الدعم العسكري اللامحدود الذي قدمته للنظام، بدأت تعي حقيقة أنها لم تعد ذات أهمية للأطراف الدولية، وأن عليها الانسحاب عاجلا أم أجلا من سوريا. روسيا وتركيا أعلنتا أنه تم الاتفاق على إخراج جميع المليشيات الأجنبية من سوريا، وهذا يشمل بطبيعة الحال الإيرانية، ما يعني أن الضرب تحت الحزام بعد معركة حلب قد بدأ الآن ولكن بطريقة ناعمة قد تتحول إلى ضربات موجعة لهذا المليشيات في سوريا والحجة جاهزة (قصف عن طريق الخطأ).

أين العرب مما يجري الآن في سوريا؟

في أواخر شهر أيلول الفائت، قام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز بزيارة إلى تركيا، ومن المعروف أنه يمسك بأغلب الملفات الأمنية الحساسة في المملكة، وخلال الزيارة إلى تركيا بدا وكأنه سلم الملف السوري بشكل كامل إلى تركيا كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية بتسليمها الملف السوري إلى روسيا، طبعا مع الحفاظ على المصالح الأمريكية الأساسية وكذلك الإسرائيلية التي لايمكن التفاوض عليها.

إنها حرب الوكالات وإعادة التوازنات التي لم تستطع الهيئة العليا للمفاوضات أن تستوعبها أو تجاريها، مما تسبب بكارثة حقيقية في حلب، وذلك عندما قطعت اجتماعاتها ولقاءاتها على هامش الدورة الـ71 للأمم المتحدة في نيويورك متذرعة بمتابعة وضع حلب، مما أعطى النظام غطاء سياسيا لينفذ أبشع المجازر والتدمير والتهجير، ثم لتعود الهيئة نفسها لتعلن أنها مستعدة للتفاوض بدون أي شروط!!.

الضحالة الفكرية والنظرة القاصرة التي تعيب الهيئة جعلتها غير مؤهلة للعب دور حقيقي في المرحلة القادمة، وباتت تشكل عبئا حقيقيا على الساحة السورية تماما مثل الائتلاف الذي أصبح مجرد جسد ميت يحاول الجميع التهرب منه وتقديم استقالاتهم علهم يحصلون على ورقة حسن سلوك قبل السقوط المدوي لهذا الجسم التالف.

في الحقيقة، إن أردنا النظر بحيادية إلى ماجرى من أحداث سنجد عدة نقاط لازال الكثير ممن يعتبرون أنفسهم جهابذة المعارضة يتغاضون عنها بقصد أو بغير قصد وكان لها تأثيرات مدمرة على البنية الشعبية في سوريا وعلى ثقة المجتمع الدولي بالمعارضة نفسها وأهمها: أولا لم نشهد تجانسا حقيقيا بين القوى المعارضة السورية، بل كانت تتصارع فيما بينها وتحاول كل فئة إظهار نفسها أنها الممثل الحقيقي للمعارضة ولأكبر شريحة من الشعب السوري.

ثانيا: رغم تعدد الحركات والأحزاب السياسية التي ظهرت على الساحة السورية لم نجد أن تحالفا حقيقيا قد حصل بين أي من هذه الأطراف أو حتى تنسيق العمل على الساحة السورية أو الإقليمية، بل على العكس، جعلوا من أنفسهم رهينة لمشاريعهم ومآربهم الخفية التي قدموها على مصلحة الشعب والثورة. وهنا لابد من التذكير والتنويه أن تيار الغد السوري هو الكيان السياسي الوحيد الذي فتح قنوات تواصل وحوار مع العديد من الأطراف السياسية الأخرى في المعارضة السورية معلنا عن تحالفات حقيقية لصالح الثورة والشعب السوري.

ثالثا: لم يكن هناك أي مبادرة من أي جهة إلى فتح قنوات الاتصال مع روسيا أو مع الدول الداعمة للنظام إلا في وقت متأخر جدا. فيما قام تيار الغد السوري بخطوة سباقة في هذا المجال بحثا عن آلية ووسيلة لحقن دماء السوريين وإنهاء المقتلة في سوريا مع الالتزام الكامل بثوابت الثورة السورية وأهدافها، وتعرض لأجل ذلك إلى كثير من حملات النقد والتخوين، ولكننا فوجئنا بعدها أن الكثيرين يحاولون القيام بنفس الخطوة!!.

إلى الآن تعيش المعارضة في حالة اللاوعي والتشرذم وعدم معرفة الذات، وكأنها أدركت حقيقة واحدة فقط وهي أنها لاتعلم شيئا عن الأزمة السورية.

ما هو القادم؟.. في قادم الأيام ستظهر الصفقات الحقيقية، وسيتضح المشهد بشكل كامل، ولن يكون هناك أي مجال للاعتراض أو الرفض، ومن أثبت حنكته ووعيه وجدارته السياسية والوطنية في المرحلة السابقة وعمل على أساس ثابت ولم يحاول إلغاء طرف ما على حساب طرف آخر سوف يكون هو الفائز الحقيقي بثقة المجتمع الدولي لأنه تصرف بعقلية الدولة المستقبلية وليس بعقلية الفئوية الضيقة.

الإسلام السياسي ممثلا بالإخوان المسلمين والقيادات الثورية ذات الشعارات العاطفية أثبتت فشلها في قيادة حراك حقيقي وفي صياغة رؤية حقيقية مقبولة، بل جعلت من صياغة أي رؤية أخرى أمرا صعبا بسبب محاولاتها المتكررة لإفشال أي توجه صادق للخروج من الأزمة السورية، وذلك من خلال مزاوداتها وتقنعها بقناع الدين ومتاجرتها بدماء الأبرياء التي سفكت دون وجه حق على الأرض السورية.

في النهاية يبدو أننا سنشهد تبدلات ومفاجآت كبيرة على الساحة السورية، ومعركة حلب هي آخر المعارك الحقيقية، لتتبقى معركة سقوط النظام الذي انتهى دوره وبات من الضروري الآن إعادة صياغة المشهد بدون وجود رأسه في هرم السلطة، ويبدو أن المعادلة كانت “حلب مقابل الأسد” وماتبقى يتم التفاهم عليه لاحقا.

صدام حسين الجاسر – تيار الغد السوري

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • بيان تعزية بالمفكر الإسلامي السوري جودت سعيد

    تيار الغد السوري المكتب الإعلامي 31/01/ 2022 بيان تعزية بالمفكر الإسلامي الراحل جودت سعيد ينعى تيار الغد السوري المفكر الإسلامي السوري جودت سعيد الذي توفي يوم الأحد الموافق 30/01/2011...
  • مخاض عسير

    ما تشهده الثورة السورية من مخاض عسير وخاصة الاختلاف الداخلي الذي يصل أحيانا إلى مرحلة الاقتتال، يؤكد أننا لم نستطع الانتقال بالثورة إلى مرحلة الأمان بعد مرور قرابة عشر...
  • لماذا سيستمر تيار الغد السوري؟

    يراهن البعض على انتهاء دور المعارضة السورية وعن فرط عقدها، ويرددون أنها ستزول في ظل هذه الفوضى. ومن هنا سيكون نقاشنا ولن نتحدث طويلا عما قدمه تيار الغد السوري...
  • مستقبلنا في سوريا حرة وموحدة

    لا يعني نقص أعداد المهاجرين إلى أوروبا أن الأمور بخير في المنطقة. تكون الأمور بخير بالنسبة للاتحاد الأوروبي والعالم باستقرار الشرق الاوسط واستقرار سوريا وإعادة إنتاج الحل السياسي. إن...