المعارضة السورية.. يطعمك الحج والناس راجعة

ها هو أوباما يودع البيت الأبيض ويطوي معه صفحة قد يستغرق الباحثون الكثير من الوقت كي يكتشفوا أسرارها وخبايا اتفاقياتها التي حصلت خلال ثمان سنوات جعلت العالم يدخل في...
باراك أوباما فلاديمير بوتين

ها هو أوباما يودع البيت الأبيض ويطوي معه صفحة قد يستغرق الباحثون الكثير من الوقت كي يكتشفوا أسرارها وخبايا اتفاقياتها التي حصلت خلال ثمان سنوات جعلت العالم يدخل في متاهات وتحالفات عنكبوتية استعصى على الكثير من الناس فهمها أو استيعابها.

وكي لانذهب بعيدا ونبقى في السياق المحلي والإقليمي الذي يهمنا في الأزمة السورية، فإن أول من لم يفهم ما حصل في فترة أوباما، وعاش في حالة تخبط ولهاث صبياني خلف تصريحات خلبية وكلمات لاتسمن ولاتغني من جوع، هو المعارضة السورية التي تاهت وجعلت من الثورة تتوه معها بسبب قصر نظرها وبطئ استيعابها لمجريات الأمور والتغيرات على الساحة الدولية.

صدام حسين الجاسر

صدام حسين الجاسر

ماذا حدث؟

منذ بداية الأزمة السورية كانت تصريحات الإدارة الأمريكية كلها تتحدث عن الحل السياسي في سوريا وعن ضرورة تحقيق انتقال سياسي.. ولكن المعارضة السورية ممثلة بالائتلاف الذي أصابته النشوة من الانتصارات المتلاحقة والمتسارعة للمقاتلين على الأرض، قبل عامين، ورغبته في إظهار نفسه على أنه يحمل أفكار الثورة النخبوية، وعلى مبدأ “الازدياد في التطرف يضعك في المقدمة” تعامل بشكل أرعن ورفض أن يدخل في أي مفاوضات مع النظام، وكان يصر على إسقاط النظام عسكريا كي يدخل أعضاؤه متوجين بالغار وكأنهم يفتحون دمشق ويتجهزون لغزو روما وتغير خريطة العالم.

لم يدرك السياسيون، الذين تعاملوا بعقلية المراهقين مع سياسة أعظم دولة موجودة حاليا، أنهم هم الحلقة الأضعف، وأن عليهم أن يعرفوا حجم أفواههم قبل أن يضعوا فيها اللقمة التي تسببت بمقتلهم وذوبانهم كما يذوب الملح في الماء. انجرف الجميع خلف صوت السلاح وجعلوا منه بوصلة يتبعونها، ويزدادون في التعنت بعد كل انتصار يحققه الثوار وفصائل المعارضة على الأرض، وتناسوا أنهم يعيشون ضمن منظومة عالمية تحكمها قوانين تحقق توازنات لايسمح أحد بالإخلال بها أو العبث بنظامها القائم على تحقيق التوازن في المنطقة التي تعيش على فوهة بركان قد ينفجر في وجه الجميع في أي لحظة.

وتبارى أعضاء الائتلاف في إطلاق التصريحات والوعود والخطب الرنانة وكل واحد منهم يمني النفس بحصة دسمة سيحصل عليها بعد سقوط النظام الذي باتوا يرونه سيحدث بين لحظة وأخرى. فتارة نرى أحدهم يصرح أن بشار الأسد سوف تتم محاكمته وأن سقوطه بات مسألة أيام قليلة، وآخر يعلن أنه سيصلي في المسجد الأموي قريبا، وآخرون يتوعدون بالويل والثبور للنظام ورموزه ومن سانده من الدول..

هذا المنطق الأرعن والكلام غير المتزن جعل من الإدارة الأمريكية، التي حاولت أن تفتح الطريق إلى الحل السياسي، تدير ظهرها بشكل كامل لهولاء الصبيان لأنها اكتشفت أنهم لا يحملون مشروعا حقيقيا يتم تقديمه أو طرحا منطقيا يمكن مناقشته والاستفادة منه، ولكن نجد أن كل ماتم تقديمه هو طلبات لايمكن أن تتقبلها دولة عظمى تضبط اللإيقاع العالمي وفقا لمصالحها المختلفة وتدعم وتساند من يحقق استمرارية هذه الحالة.

يدرك الجميع أن الحل يكمن في واشنطن وأنها الوحيدة القادرة على إنهاء الأزمة في سوريا وإرغام النظام على ترك السلطة والخروج بالطريقة التي تريدها هي، وليس بالطريقة التي يريدها الآخرون. وقد أدرك النظام هذه الحقيقة مبكرا وتعامل على أساسها مع الإدارة الأمريكية، وراقب جميع تصريحاتها وتحركاتها، واستطاع أن يفهم مضمونها ويعمل على أساسها. فعندما أعطت الإدارة الأمريكية الضوء الأخضر للتدخل الروسي، اندفع النظام بكل ثقله ورمى بكل الأوراق في أحضان الروس، وفتح لهم أبواب سوريا على مصراعيها، وجعلهم بمثابة الأوصياء عليها، لأنه أدرك أن هذه المرحلة من الأزمة هي مرحلة التدخل الروسي بغطاء أمريكي وموافقة مبطنة للعمل بكامل الحرية وتغير الأمور في الاتجاه الذي يجعل المعارضة تصحو من سكرتها متأخرة، وهي التي كانت تهاجم روسيا وترفض أن تفتح معها قنوات التواصل أو النقاش، بل كانت ترفض أي مبادرة للحل تطرحها روسيا ظننا منها أن الفراغ الامريكي ستقوم أوروبا بسدّه وتحقيق التوازن فيه، فكانت الطامة الكبرى أن أوروبا منشغلة بمشاكلها الداخلية ومسألة الهجرة المتدفقة إليها من مناطق الصراع المشتعلة وأنها لا يمكن أن تلعب غير دور الرديف والمساند للفاعل الأمريكي.

في نهاية الأمر استوعب المعارضون الأشاوس الموقف الذي أصبحوا فيه، وعرفوا مدى ضعف موقفهم وتقزم حجمهم، بعد أن استعاد النظام زمام المبادرة وأصبح يحقق التقدمات على الأرض ويقوم بعمليات التطهير والتهجير بمساعدة الروس. ووقف فرسان منابر الأمس مذهولين أمام الواقع الجديد، وقد ربطت ألسنتهم من هول المفاجأة، وكان مسلسل تهجير حمص وداريا وحلب الشرقية هو نتيجة الأفعال الصبيانية والمواقف العبثية والانجرار خلف نشوة الانتصار السريع هو ماتم حصده. ومما زاد الطين بلة أن البعض منهم منح الروس غطاء لعملياتهم في حلب حين انسحب من نيويورك بحجة متابعة الموقف في حلب؟!!. من أنت حتى تتابع مايجري في حلب، وماذا يمكنك أن تقدم أو تفعل؟!، ألم يكن من الأفضل لك البقاء ومتابعة الأمور في نيويورك بدل الانسحاب وإعطاء مبرر للنظام أنك انسحبت، وأن المفاوضات قد انهارت، وأنك ظهرت بمظهر الرافض للحل السياسي الذي فتح الباب أمام مايجري في حلب بغطاء منك؟!. ألم تدركوا أنكم شاركتم في إسقاط حلب وتهجير أهلها، ثم وقفتم تتباكون على الأطلال ودماء الشهداء التي سفكت بغير وجه حق؟!.

استفاقت المعارضة ومعها الهيئة العليا للمفاوضات على مايحدث، وبدأت تلهث وراء دعوة أو نداء لها كي تحضر مؤتمر أستانة لعلها تستعيد بعض شرعيتها التي تدعيها، ولكن المصيبة في الأمر أن هذا المؤتمر لايزال غير واضح المعالم ولا الأهداف والغايات.. أدركت المعارضة أن روسيا أمسكت الملف السوري بكامله وأنها حرة التصرف فيه، وحاليا تندفع نحوها لعلها تنال منها الرضى، ولكنها لم تدرك أن استلام روسيا للملف السوري هو استلام مؤقت فقط، وأن الملف الآن يعود إلى الإدارة الجديدة التي ستدخل البيت الأبيض بعد أيام قليلة، وأن الحل الحقيقي سيكون في واشنطن وليس في أستانة.

النظام أدرك الامر هو وإيران، ولذلك نراه يتصرف بحرية في خرق اتفاق وقف إطلاق النار، ومايحدث في وادي بردى دليل واضح على أن الروس لايستطيعون ضبط الأمور بالكامل، وأن النظام يستطيع هو وإيران إحراج الروس لأنهم يدركون أن اللاعب الحقيقي هو الأمريكي وليس الروسي.

النظام يتقدم على المعارضة بخطوات عديدة ويسبقها بمراحل في اكتشاف اتجاه الأمور ومن يستلم الملف. الأمريكيون عائدون إلى الملف السوري، وهم لن يسمحوا للروس بعد الآن بالتمادي في سوريا أكثر وقد استنفذ الروس وقتهم وحصلوا على مكتسبات وانتصار حققوه في حلب يحفظ لهم ماء الوجه كي يخرجوا من المستنقع السوري.

في النهاية ندرك أن المعارضة السورية ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات والإئتلاف يهرولون متأخرين عن الجميع نحو الطرف الخاطئ ليتفاجئوا أنهم وصلوا بعد انتهاء دوره، وليدركوا أن الملف تم نقله إلى طرف آخر يقوم بترتيبه بشكل جديد يتناسب والمرحلة القادمة التي أصبح من الضروري فيها حل الأزمة السورية والانتهاء منها، وما أعلنته وكالة “رويترز” عن أن محققي الأسلحة الكيميائية أعلنوا اتهامهم لبشار الأسد شخصيا بالمسؤولية عن الهجمات الكيميائية ليس إلا بداية جديدة لترتيب جديد يبدو أن المهرولين نحو أستانة لم يستوعبوه أيضا.

لذا نستطيع أن نقول لهم بعد ذهابهم إلى هناك واكتشافهم بعد فترة أنه كان مجرد تجميل سياسي للتدخل الروسي في سوريا، وأن الحل الحقيقي ستقدمه الولايات المتحدة الأمريكية بطريقتها وأسلوبها الخاص الضامن لمصالحها قبل كل شيء.. يطعمكم الحج والناس راجعة، وصح النوم يامعارضة.

صدام حسين الجاسر

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • بيان تعزية بالمفكر الإسلامي السوري جودت سعيد

    تيار الغد السوري المكتب الإعلامي 31/01/ 2022 بيان تعزية بالمفكر الإسلامي الراحل جودت سعيد ينعى تيار الغد السوري المفكر الإسلامي السوري جودت سعيد الذي توفي يوم الأحد الموافق 30/01/2011...
  • مخاض عسير

    ما تشهده الثورة السورية من مخاض عسير وخاصة الاختلاف الداخلي الذي يصل أحيانا إلى مرحلة الاقتتال، يؤكد أننا لم نستطع الانتقال بالثورة إلى مرحلة الأمان بعد مرور قرابة عشر...
  • لماذا سيستمر تيار الغد السوري؟

    يراهن البعض على انتهاء دور المعارضة السورية وعن فرط عقدها، ويرددون أنها ستزول في ظل هذه الفوضى. ومن هنا سيكون نقاشنا ولن نتحدث طويلا عما قدمه تيار الغد السوري...
  • مستقبلنا في سوريا حرة وموحدة

    لا يعني نقص أعداد المهاجرين إلى أوروبا أن الأمور بخير في المنطقة. تكون الأمور بخير بالنسبة للاتحاد الأوروبي والعالم باستقرار الشرق الاوسط واستقرار سوريا وإعادة إنتاج الحل السياسي. إن...