قراءة في الواقع السياسي في سوريا منذ بداية الثورة

بدأت الثورة السورية في آذار من عام 2011, مستجيبة لكل المؤثرات التي أحاطت بالسوريين ابتداء من الثورة الرقمية والتكنولوجية وثورة الاتصالات على مستوى العالم، ودخولها ولو جزئيا إلى سوريا،...

بدأت الثورة السورية في آذار من عام 2011, مستجيبة لكل المؤثرات التي أحاطت بالسوريين ابتداء من الثورة الرقمية والتكنولوجية وثورة الاتصالات على مستوى العالم، ودخولها ولو جزئيا إلى سوريا، بالإضافة للشعور العام لدى السوريين بإمكانية التغيير، نتيجة لما شاهدوه من إطاحة بأنظمة حكم عربية أخرى كما حصل في تونس وليبيا ومصر والثورة في اليمن أيضاً. أيضاً ظهور جيل سوري جديد ناشئ أصبح قادراً على القيام بثورة، أو أصبح قادراً على التمرد، ولم يعي من دولة الرعب التي بناها حافظ الأسد إلا ما تناقلته ألسنة الجيل السابق، ولم تتأثر نفسيته بالكم الهائل من الخيبات والهزائم السياسية والمعنوية التي لطالما عانى منها المجتمع السوري منذ بداية الستينيات من القرن الماضي وحتى نهاية حكم الأسد الأب.

محمد قنطار

محمد قنطار

يمكننا أن نقول أيضا أن من الأسباب التي خلقت هامشا أكبر للقيام بالثورة هو أن الولاء المطلق الناتج عن الرعب والإرهاب كان للأسد الأب وليس لأي أحد سواه، وبوفاته لم يعد بالحقيقة لدى السوريين وخصوصاً ” الجيل الناشئ” أي صنم يخشونه، فقد سقطت أسطورة الرعب في سوريا.

في إطار الأسباب غير المباشرة أيضاً يمكن أن نضيف أن بعد وفاة الأسد الأب وخصوصاً بالفترة التي تراوحت ما بين 2001 حتى 2005 بدأ المجتمع السوري يشهد لأول مرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً ظهور حراك سياسي ينادي من قلب دمشق بضرورة إسقاط النظام أو بضرورة الانتقال التدريجي من النظام الاستبدادي إلى نظام ديمقراطي تعددي. وعرفت هذه الحركات باسم “لجان إحياء المجتمع المدني” ثم “إعلان دمشق” والذي ضم أغلب ما تبقى من القوى السياسية التي طالما قمعت وهمشت على مدى عقود بالإضافة لشخصيات سورية وطنية مستقلة كانت غير منضوية سابقا تحت أي حزب أو هوية سياسية.

أما في سياق الأسباب المباشرة فيمكننا أن نختصرها بحكم الدولة الاستخباراتية القمعية التي حكمت الشعب السوري بالحديد والنار وأذاقته كل أشكال الإذلال على مدار حوالي أربعة عقود من الزمن، والفساد الكبير الذي ضرب كل مفاصل الدولة ومناحي الحياة الاجتماعية خلال كل تلك المدة والذي أرهق المواطن السوري وجعله قابلاً لأن يثور على هذا الواقع.

وكما هو متوقع من أي نظام ديكتاتوري، وخصوصاً إذا كان بوحشية نظام الأسد، أن لا يستجيب لأي مطلب شعبي، وعدم قدرته على التعاطي مع مطالب الشعب والتغييرات الحاصلة في بنية المجتمع إلا بالقمع والعسف، الأمر الذي جعله يشعل بيديه شرارة هذه الثورة بتعذيب وقتل أطفال درعا الذين كتبوا بعض العبارات المناهضة له على مدارسهم، وتعامله باستخفاف وإهانة للسوريين عموماً ولأهالي الأطفال خصوصاً وإصراره على الامتناع عن تقديم أي تنازل، بالإضافة لحملة اعتقالات تعسفية واسعة قام بها النظام قبيل الثورة زج من خلالها بآلاف الشباب السوريين وخصوصا الجامعيين منهم في السجون كحركة استباقية لقمع أي احتمال للقيام بأي حراك مناهض له، ورغبة منه في ترهيب المجتمع _والشباب خصوصاً_ لأنه يضمن أن جيل الكهول قد تم سحقه سياسياً ومعنوياً، ولن يكون بمقدوره أن يحرك ساكناً حتى لو أراد ذلك.

كما أن السبب الأكثر مباشرة والرئيسي في زيادة انتشار رقعة الإحتجاجات الغاضبة كالنار في الهشيم هو الخطاب “الكارثي” التاريخي لبشار الأسد في مجلس الشعب في 30 آذار عام 2011 أي بعد حوالي 15 يوم من انطلاق الثورة، والذي وقف فيه ليضحك ويلقي النكات ويستمع لقصائد التمجيد من أعضاء مجلس الشعب، في حين كانت دماء عشرات الشهداء لم تجف بعد على أيدي قواته الأمنية وشبيحته.

هذه السياسة وغيرها من السياسات الأخرى الأكثر حمقاً دفعت بمشاعر الغضب للتأجج أكثر ودفعت بالمجتمع والشباب وخصوصا الجامعيين منهم للقيام بمظاهرات تنادي بالحرية ثم إسقاط النظام.

ما لبثت مظاهرات واحتجاجات الثائرين بالتوسع والانتشار أفقيا وعموديا شاملة كل شرائح المجتمع وطبقاته من مختلف المحافظات والمدن السورية -بنسب متفاوتة- رافعة شعارات إسقاط النظام والتحرر والديمقراطية والعدالة الإجتماعية والمواطنة. وترافق هذا الانتشار السريع والكبير للاحتجاجات بتزايد موجة القمع والقتل والاعتقال والتنكيل من قبل النظام رغم كل الدعوات للانتقال سلميا نحو نظام ديمقراطي تعددي.

في ظل إصرار الشعب على سلمية ثورته كخيار استراتيجي له وتجنباً للدمار ومزيداً من القتل والعنف، اعتمد النظام استراتيجية ثابتة يمكن قراءتها في ثلاث عناوين رئيسية فيما أطلقته وسائل إعلام النظام أو ما جاء على لسان كبار قادة مؤسساته الأمنية والعسكرية أو ما جاء على لسان رأس النظام بشار الأسد وهذه الاستراتيجيات الثلاث هي:

1- شعار ” الأسد أو نحرق البلد ” الذي أطلقته شبيحته ومؤسساته الأمنية ومؤسسته العسكرية، في رسالة واضحة من قبل النظام أنه سيعلن حربا مفتوحة على الشعب بكل مكوناته ولا مجال للحديث عن أي بديل أو أي تنازل أو تجاوب مع أي مطلب شعبي.

2- ما أعلنه رأس النظام في أولى تصريحاته حول بداية المظاهرات في سوريا بأنها مؤامرة كونية تستهدف محور المقاومة وبأن الدولة السورية تواجه مندسين ومرتزقة وعملاء وإرهابيين متطرفين، ما يدل على أن النظام لم يرى مطلقاً أي مطالب شعبية محقة إطلاقاً وكل ما رآه هو إرهابيين وعملاء يستهدفون هدم نظام المقاومة والممانعة بوجه إسرائيل.

3- ما جاء في خطاب بشار الأسد أيضاً أمام مجلس الشعب منتصف 2012 بأن ” كل مسلح تقف خلفه عائلة تحميه ومجتمع يحتضنه وبالتالي نحن أمام ملايين الإرهابيين المحليين أي أننا أمام حالة فشل اجتماعي كامل ” وهي أوضح رسالة يقدمها النظام على لسان الأسد مفادها أنه يواجه ” شعباً إرهابياً” وله كل الحق والمشروعية في استئصاله وسحقه بكل الوسائل والسبل الممكنة.

هذه العناوين تلخص اعتماد النظام استراتيجية التعاطي الأمني والعسكري مع مطالب الشعب السوري منذ اليوم الأول للثورة وحتى الآن.
بالمقابل سرعان ما تنازل الشارع عن استراتيجيته التي أعلنها منذ بداية ثورته لتبدأ الثورة بالإنتقال لطور الكفاح المسلح ضد النظام وتحديداً في 10 حزيران من عام 2011 بإعلان لواء الضباط الأحرار من قبل المقدم المنشق حسين الهرموش والذي سرعان ما أعلن وحركته تبنيهم لعملية قتل حوالي 120 عسكري من قوات النظام والأمن العسكري تحديداً في جسر الشغور حيث تعتبر هذه العملية أولى العمليات العسكرية الكبيرة والمنظمة والتي وجهت ضربة موجعة حينها للنظام وزادت في زخم حركة الانشقاقات من قبل قوات النظام والتحاق المدنيين بالجناح المسلح أيضاً, ثم إعلان تأسيس الجيش السوري الحر على يد العقيد رياض الأسعد بنهاية الشهر التاسع أيلول من نفس العام .

بالحقيقة لم تستطع الثورة أن تحافظ على استراتيجيتها في العمل السلمي لإسقاط النظام لعدة أسباب أبرزها:

1- تعاطي النظام بطريقة غير مسبوقة في التوحش والقتل والتنكيل بأي شكل من أشكال الإحتجاج السلمي من دون أن يستثني طفل أو امرأة أو شيخ كبير، وزج النظام بالجيش إلى جانب قوات الأمن والشبيحة إلى المدن والبلدات لحصارها والتنكيل بأهلها.

2- تعدد الدوافع التي دفعت بالسوريين وخصوصا الشباب منهم للخروج بالثورة أيضا تتعدد الدوافع التي تدفع الجماهير للتمرد والثورة في معظم الثورات الأخرى – كما ويمكننا أن نلخص هذه الدوافع بأربع جوانب رئيسية:

قسم قليل من السوريين هم من انطلقوا بثورتهم من وعي سياسي ولدوافع سياسية بحتة تتعلق بإسقاط النظام الديكتاتوري والانتقال لنظام ديمقراطي تعددي يضمن لهم الديمقراطية والعدالة الإجتماعية المبنية على أسس المواطنة.

القسم الأكبر من السوريين لم تكن دوافعهم سياسية مطلقاً وإنما خرجوا بدافع التمرد على المنظومة الإجتماعية كاملة بكل أبعادها السياسية والفكرية والدينية والاقتصادية, والتي كانت تعاني حالة استنقاع كامل لأكثر من أربعة عقود دون أي تبدل أو تغيير في مفرداتها, حيث لم يكن معظم هؤلاء واعيين لطبيعة النظام السياسية أو لطبيعة وشكل النظام المنشود والذي سيوفر لهم كامل حرياتهم الشخصية والعامة, أي أنهم يشتروكن مع القسم الأول في مسعاهم لنيل الحرية والكرامة, لكن كل ما كانوا يعرفونه هو أن الفساد قد نخر عظام المجتمع بكل مفاصله ويجب أن يتم التخلص منه.

فعلى سبيل المثال: كنا نشاهد الكثيرين ممن يستميتون في الاحتجاج على النظام ولكنهم كانوا لايزالون يمجدون الأسد الأب، وغيرهم الكثيرين جدا ممن لم يكن لديهم أدنى فكرة مثلاً عن قانون الطوارئ الذي يحكمهم منذ أربعين عاماً أو المادة الثامنة بالدستور والتي تشرع احتكار السلطة وقيادة الدولة والمجتمع من قبل البعثيين فقط.

قسم آخر من السوريين لم تكن دوافعهم سياسية ولم يكونوا يرون في أن هناك حاجة ملحة في إسقاط النظام طالما أنهم يعيشون بأمان تفرضه عصا الطاعة للنظام ولكنهم أصبحوا يحملون ثأراً شخصياً مع النظام ويسعون لإسقاطه بغض النظر عن البديل عنه, ربما بسبب ظلم حل بهم أو قتل النظام لأحد أفراد عوائلهم أو حمية لعشائرهم أو مجتمعاتهم الضيقة التي يعيشون فيها والتي عانت من القهر , وهذه الفئة هي التي أثرت فيما بعد بشكل سلبي كبير أكثر من غيرها من الفئات المنخرطة بالثورة على مسارها وكانت مسؤولة مسؤولية مباشرة عن كثير من الأخطاء الكارثية التي وقعت بها الثورة .

القسم الرابع كانوا يطمحون بأن يكونوا هم أنفسهم البديل لأنهم لطالما رؤوا في أنفسهم الأحقية في الحكم.

3- عجز “النخبة السورية” عن قيادة الحراك الثوري ليصل إلى أهدافه التي رفعها من خلال شعاراته, وقولبة الدوافع التي دفعت بالجماهير للثورة بقالب وطني يقودهم نحو هدف واحد, وذلك لكونها نخبة مثقلة بآثار القمع والتنكيل التي لحق بها على مدار الأربع عقود الماضية, ولأنها فقدت كل قواعدها الشعبية والإجتماعية, وبالتالي فقدت تأثيرها المباشر على المجتمع وقدرتها على توجيهه, بالإضافة لكونها انكفأت على نفسها خلال الثورة السورية, ولم تحاول بشكل جدي لعب أي دور قيادي مباشر لهذا الحراك, خوفاً من بطش النظام, وخصوصا بعد اغتيال المعارض السوري البارز مشعل تمو والذي لعب دوراً رائدا في قيادة الحراك في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا, حيث بدأ يحظى بشعبية واسعة بين المتظاهرين حتى في بقية المحافظات السورية, وأيضاً بسبب رؤية قاصرة كانت تقول أن النظام سيسقط كما سقطت بقية الأنظمة العربية في تونس ومصر خلال فترة قصيرة, وبالتالي ما من داع للمجازفة وكل ما يجب فعله هو انتظار سقوط النظام.

إذا من خلال الاستراتيجية النظام الصارمة والتي انتهجها بالحديد والنار, وبغياب أي رؤية لمسارات الحراك السلمي غير التظاهر, بدون أن يستطيع أن يفرز هذا الحراك أي قيادات مباشرة ونخبوية تخط مساراته لمواجهة استراتيجية النظام في التعاطي معه, استطاع النظام أن يفرض شكل ومسار الحراك الثوري ومستقبله وجره نحو التطرف فعلا, وإزكاء المشاعر الطائفية والقومية, وبالتالي استطاع أن ينجح في تحييد أو كسب كل الأقليات الدينية والعرقية في سوريا, وإخراجها من دائرة الصدام المباشر معه, والحد من انخراطها بالثورة وهذا ما حصل بالفعل.

يمكننا في هذا الإطار أن نقر بأن خطة النظام قد نجحت نسبياً من خلال مؤشرين رئيسيين:

1- إعلان جبهة النصرة فرع القاعدة في سوريا عن نفسها رسمياً من خلال أول عملية لها في مبنى قيادة هيئة الأركان في دمشق في 15\8\2012.

2- إعلان المجلس الوطني السوري عن نفسه كأول قيادة سياسية للثورة السورية في 2\ تشرين الأول من عام 2011 \، ولكن من خارج الحدود، دون وجود أي رابط جذري بينه ككيان أو بين أعضائه كأشخاص، وبين ما يفترض أن يكون الأذرع التنفيذية له في الداخل السوري. \ لن نخوض في بنية هذا المجلس وظروف تشكيله ومشاكله \ أي بدء مرحلة نمو التطرف الديني داخل الحدود في سوريا، واضمحلال وهجرة مشروع الثورة إلى خارج الحدود، وذلك مقابل تنامي همجية النظام وتمدد الأصولية الدينية.

فإذاً في ظل انفتاح الحراك الثوري على كل الاحتمالات, دون وجود أي حامل فكري أو سياسي عضوي حقيقي قادر على توجيه هذا الحراك ورسم مساراته, كان من الطبيعي تطور العنف وخصوصاً من قبل النظام بعد أن أصبح لا يتردد في توجيه كل آلته الحربية إلى المناطق المدنية, وتمدد الأصولية الدينية, التي بلغت أوجها بانفصال ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام عن جبه النصرة فرع تنظيم القاعدة, وذلك في شهر نيسان من عام 2013, وسيطرة الأخيرة على مساحة تبلغ ثلث مساحة سوريا وخصوصا في الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف حلب, ثم إعلانها قيام دولة الخلافة الإسلامية.

أيضاً كان من الطبيعي أن تتقوقع الأقليات الدينية والعرقية أكثر على نفسها، ويختار أغلبها الانحياز إلى النظام بشكل شبه كامل خوفاً من العدو الإيديولوجي التاريخي لها، وخوفاً على مصير وجودها بالأصل نتيجة تنامي عجلة العنف وتعدد الأطراف والمشاريع المتصارعة على الأرض.
كان من نواتج هذا الإنفتاح على كل الاحتمالات دون أي وجهة أو هدف واضح أن نشاهد بدء ظهور مشاريع اقلوية –الفيدرالية المعلنة من قبل حزب الpyd شمال سوريا – وانخراط أطراف دولية سياسيا وعسكريا بالصراع وبشكل مباشر.

من جهة أخرى استطاع نظام الأسد الأب تطويع أحد أكبر الأحزاب الكوردية المسلحة وهو حزب العمال الكوردستاني لصالحه وتسخيره لقمع أي حركات احتجاج يقوم بها المكون الكوردي للمطالبة بحقوقه المشروعة والتي طالما حرم منها على مدى عقود, وانتهج الحزب نهج الحياد السلبي طيلة فترة الثورة السورية حيث طالما كانت مواقفه وسلوكياته أقرب لنظام الأسد منها لمطالب الشعب بكل مكوناته عرباً وأكراداً لا بل يتهم الحزب أيضا بتصفية أبرز رموز الحراك الثوري للمكون الكوردي (مشعل تمو مثلاً) أو اختطافهم وتسليمهم لجهات أمنية تابعة للنظام, لقاء امتيازات وتعهدات كان يحصل عليها من نظام الأسد في مزيد من الصلاحيات بالمناطق ذات الغالبية الكوردية على مستوى الإدارة والنفوذ, في حين كان النظام بالتعاون مع حزب العمال الكوردستاني يقمع ويهمش كل الحركات السياسية الكوردية الأخرى رغم طابعها المدني البحت ليظهر حزب العمال شيئاً فشيئاً كقوة كوردية وحيدة ممثلة للمكون الكوردي ومتحكمة في شؤونه ومصيره.

وفي هذا الإطار أيضاً لم تستطع قوى المعارضة آنذاك (المجلس الوطني السوري) – نتيجة ركاكة بنيته وظروف تشكيله -أن يضموا حزب العمال الكوردستاني تحت عباءتهم، ولا حتى بقية الأحزاب والحركات السياسية الكوردية التي بقيت معزولة تماماً تواجه اضطهاداً مضاعفا من قبل النظام وحزب العمال وتهميش بقية القوى السياسية السورية وعلى رأسها المجلس الوطني، هذا كله أدى وبطريقة تراكمية لزيادة نفوذ حزب العمال الكوردستاني مستفيداً من التنازلات التي يقدمها له النظام باستمرار في مناطق سيطرته بالمحافظات الشمالية الشرقية ومستفيدا من جهة أخرى من اضمحلال كل أشكال الحراك السياسي والمدني الأخرى للمكون الكوردي, لدرجة أن وصلت الأمور لمرحلة أعلن فيها فيدرالية أحادية الجانب \في منتصف الشهر الثالث من عام 2013\ في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية من سوريا وخصوصا بعد سيطرتها على مدن وبلدات أخرى انتزعتها إما من فصائل المعارضة أو من داعش مستندة على تحالف ما يسمى بقوات سوريا الديمقراطية والتي يشكل حزب العمال عمودها الفقري.

• بالرغم من دموية النظام منقطعة النظير في مواجهة شعبه, واستخدامه كل أنواع الأسلحة والطيران لقصف وتدمير وحصار المدن الثائرة, ورغم نجاحه جزئياً في انتشار المد الأصولي الديني, وتفشي الخطاب الطائفي والمذهبي والعرقي بين مكونات وأبناء الشعب السوري, وتحييده للمكون الكوردي بشكل شبه كلي من خلال إضعافه لكل الحركات السياسية والمدنية الكوردية والقضاء عليها والإبقاء على حزب العمال الكوردستاني في مناطق تواجد الأغلبية الكوردية مع بقاء مؤسسات النظام فعالة حتى اليوم وخصوصا الأمنية منها, ورغم استعانته مبكراً بذراعه الطائفية في لبنان – حزب الله- والتي عمل على تربيتها منذ عقود, وموقف دولي سلبي حيال ما يتعرض له الشعب السوري لا بل ومتواطئ إلى حد بعيد, إلا أن كل هذا لم يمنع من تداعي النظام واقترابه من حافة الانهيار.

– انتقال الثورة السورية مرحلة الصراع الدولي:
كانت أبرز تجليات الأزمة الدولية حيال الثورة السورية ظاهرة من خلال الفيتو المزدوج الذي أصدرته كل من الصين وروسيا في مجلس الأمن 4\10\2013 والذي حال دون اتخاذ مجلس الأمن لأي إجراء بحق نظام الأسد، والذي تكرر في 4 فبراير\شباط من عام 2012، ليتكرر للمرة الثالثة أيضا من قبل الروس والصينيين في 18\07\2013.

وقد بدأ تحول الخلاف الدولي حيال القضية السورية إلى تدخل مباشر في الثورة السورية تظهر, مع أول قرار صادر من مجلس الأمن بتاريخ 26\10\2013, والذي يقضي بنزع الأسلحة الكيماوية من يد النظام السوري, بعد الحادثة الشهيرة لقصفه بالقنابل الكيماوية السامة لمدينة دوما في الغوطة الشرقية لدمشق, وذلك بتاريخ 21\8\2013, حيث كان هذا القرار بمثابة أول إجماع دولي حيال مسألة تخص النظام السوري وجرائمه, كما أنه كان بمثابة أول تدخل دولي مباشر في سوريا, أعقبها حالة من الصمت المطبق على كل ما يحصل من قتل لعشرات الآلاف, وتهجير للملايين من السوريين وتدمير لمدنهم وبيوتهم.

عقب ذلك القرار بفترة لا تتجاوز الأشهر، جاء إعلان التدخل الإيراني المباشر لصالح النظام مدعومة بميليشيات طائفية جهزتها من لبنان متمثلة بحزب الله، ومن العراق وأفغانستان ودول شرق آسيا أيضاً.

ثم جاء إعلان روسيا أولى ضرباتها الجوية في سوريا في 30\9\2015، ليتحول لاحقاً الدعم الإيراني والروسي للنظام إلى قيادة مباشرة للعمليات على الأرض وفي الجو أيضاً، مترافقاً بغطاء ودعم لوجستي وسياسي منقطع النظير جاء كل ذلك مقابل التنازلات الكبيرة التي قدمها نظام الأسد للأخيرين على حساب سيادة الدولة السورية والشعب السوري.

اكتفت الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها حلفاؤها المتمثلين بدول الخليج وتركيا والإتحاد الأوروبي ببناء قاعدة عسكرية أمريكية في سوريا, ودعم لوجستي وتدريبي لقوات سوريا الديمقراطية التي يشكل حزب العمال الكوردستاني عمودها الفقري في الشمال والشمال الشرقي من سوريا, ثم مؤخرا دخول قوات فرنسية وألمانية إلى جانب القوات الأمريكية – على محدوديتها – إلى سوريا لمساندة ميليشيا سوريا الديمقراطية, جاءت كل التحركات الأمريكية في إطار التحالف الدولي التي شكلته الولايات المتحدة الأمريكية لمحاربة داعش والإرهاب في سوريا.

– الواقع السوري اليوم:
إن سردنا لأبرز التحولات والتطورات التي حصلت في مسار الثورة السورية على مدار أكثر من خمس سنوات ماضية كان ضرورياً لفهم مآلات الأمور اليوم على الساحة السياسية السورية، ومن خلال كل ما تم ذكره سابقاً نستطيع أن نقول أن:

فكرة الصراع المحلي بين شعب يناضل من أجل نيل حريته من ديكتاتور أو من نظام ديكتاتوري أصبحت أكثر تعقيداً نتيجة لكل ما ذكرنا سابقاً للتحول بشق كبير منها إلى أزمة دولية تتصارع فيها قوى دولية كبرى بشكل مباشر وغير مباشر على الأراضي السورية.

عجز مستمر للقوى السياسية السورية في لعب دورها الوطني المطلوب منها في التعاطي مع كل ما مرت به الثورة السورية وحتى الآن، نتيجة قراءات مغلوطة عن الواقع السوري وتشابك المصالح الدولية في سوريا، ونتيجة لما تعانيه من مشاكل بنيوية، وعدم قدرتها على الاتفاق على مشروع وطني يلتف حوله السوريين ويحقق طموحاتهم.

إن سوريا اليوم بلد يخضع لللإنتداب المباشر بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى سياسي وقانوني وبشكل مباشر من الروس والإيرانيين الذين يتحكمون بأدق تفاصيل الجمهورية من خلال أداة عميلة متمثلة بنظام الأسد.

إن نظام الأسد اليوم لا يعدو عن كونه إحدى الميليشيات المحلية التي تقاتل إلى جانب بقية الميليشيات الأجنبية والطائفية لتحقيق مصالح الروس والإيرانيين في سبيل ما يقدمه الأخيرين لها من امتيازات ومن بقاء في السلطة.

إن القوى المحلية المتصارعة على الأراضي السورية \ نظام – فصائل إسلامية – جيش حر – القاعدة – داعش – قوى سياسية معارضة متمثلة بالائتلاف الوطني لقوى المعارضة وغيرها \ لا تعدو اليوم عن قصد أو غير قصد وبشكل مباشر أو غير مباشر عن أن تكون أدوات بأيدي الأطراف الراعية للصراع في سوريا.
إن الثورة السوري فشلت لحد الآن في تصدير مشروعها وشعارات التحرر التي طرحتها منذ انطلاقتها للعالم نتيجة عجز النخبة السورية التي تصدرت قيادة المشهد السياسي وركاكة أدائها، وإنما صدر السوريين للعالم أزممتهم بشكلين رئيسيين \ داعش والمهاجرين\، في حين استطاعت كل الدول المنخرطة في الصراع أن تصدر كل مشاريعها إلى الأراضي السورية.

– إن الدولة السورية اليوم قد انتهت تماماً بمقوماتها الثلاث أيضاً وهي الأرض والشعب والسيادة, فالأرض منكوبة وتسيطر عليها قوى مختلفة بدءاً من القوى الروسية والإيرانية والميليشيات المحلية والإقليمية التابعة لها, وانتهاءً بقوى متطرفة وإرهابية كداعش والقاعدة, والشعب أصبح بغالبيته مهجراً إما خارج الحدود أو إلى مخيمات اللجوء وإما داخل سوريا ولكن ضمن المناطق الأكثر أمناً, ولا سيادة للدولة السورية اليوم على أرضها حيث أصبحت أرضاً مفتوحة الحدود لأي قوات أو عناصر أجنبية وسماؤها منتهكة تماماً كما حدودها البحرية, أيضاً النظام عملياً ساقط بسلطاته الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية حيث لم يتبق منها سوى هياكل إدارات أولية لا تراتبية بينها ولا قانون يضبط حركتها وعلاقتها بالمجتمع وعلاقة المجتمع بالدولة والأفراد ببعضهم البعض, وهذا بديهي في ظل وجود عشرات الميليشيات الأجنبية المسلحة والتي تغزو المناطق التي يسيطر عليها النظام وتتمتع بالحماية والنفوذ الإيراني والأجنبي في سوريا, عداك عن الفساد المتفشي أصلاً في بنية الدولة, وخسارة النظام لأكثر من سبعين بالمئة من مساحة الأرض على مستوى الجمهورية.

وبالتالي فإننا من خلال هذه الرؤية لسياقات الأحداث خلال اكثر من خمس سنوات من الثورة السورية, وما أفرزته من انحلال العقد الإجتماعي بين السوريين عموماً, بدليل تفشي النعرات الطائفية والدينية والقومية بينهم, وظهور مشاريع اقلوية تحت وطنية أو فوق وطنية على أراضي الجمهورية, واحتلال أرضه مباشرة من قبل قوات أجنبية من خلال أداة عميلة وهي ميليشيا الأسد, التي لا تسيطر إلا على مساحة ضئيلة جدا من البلاد, وعدم امتلاك كل قوى المعارضة لأدوات حقيقية تمكنها فعلاً تمكنها من حسم الصراع بشكل نهائي لصالحها, وذلك لحجم التعقيدات والأطراف المتصارعة في سوريا.

يدفعنا كل ذلك لأن نبدأ بمرحلة جديدة من العمل السياسي مستندة إلى أمرين رئيسيين:

الأول: إن العمل على بناء جسم سياسي “معارض” ليكون بديلاً للائتلاف الوطني السوري أو ليكون ممثلاً فعلياً لقوى الثورة والمعارضة السورية هو أمر لا يلبي متطلبات هذه المرحلة إطلاقاً, ذلك لأن قوى المعارضة عموماً أضاعت كل الفرص التي تقدمت لها خلال خمس سنوات من الثورة السورية وكانت آخر تلك الفرص هو تحرير مدينة الرقة السورية بتاريخ 4\3\2012على أيدي الجيش السوري الحر آنذاك, حيث لم يستجب المجلس الوطني السوري الممثل الرسمي للثورة السورية آنذاك لكل الدعوات ليكون مقره الرئيسي هو مدينة الرقة المحررة – لن نناقش أسباب عدم استجابة المجلس الوطني للدخول إلى سوريا ومدينة الرقة – , ولأنها ولو اجتمعت في كيان سياسي واحد فهي لم تعد تمتلك الأدوات التي تمكنها من حسم الصراع, والأهم من ذلك أن الأمر لم يعد كما ذكرنا في آنفاً مجرد صراع بين شعب وسلطة, وإنما أصبح بجزء كبير منه أيضا صراعاً دولياً وإقليمياً, وأصبح أيضاً بجزء منه صراع متعدد المستويات بين فئات دينية أو مذهبية أو عرقية.

الثاني: هو أن الواقع السوري اليوم والصراع الدائر على الأراضي السورية متعدد الدوافع والمستويات والأطراف, وما لحق بسوريا والسوريين من شتات ودمار طال جميع أطياف وشرائح المجتمع السوري وهدد نسيجهم الإجتماعي بشكل مباشر وعملي, ويهدد وحدة بلادهم وسيادتها أيضاً, يفرض علينا ضرورة قصوى لإعادة بناء الدولة من جديد معتبرين أن النظام الحالي أو ما تبقى منه هو أداة من جملة أدوات الصراع الإقليمي والدولي على الأرض في سوريا, متجاوزين جدلية ” معارض – مؤيد ” من خلال مؤتمر وطني سوري عام منفتح على كل النخبة الإجتماعية والسياسية والثقافية السورية وعلى كل القوى والفعاليات السياسية والمدنية السورية من جميع الأطراف ومن مختلف أطياف وشرائح المجتمع السوري لوضع أسس دستورية جديدة وصياغة عقد اجتماعي جديد يضمن للسوريين جميعا حقوقهم ويحقق العدالة الإجتماعية المستندة على مبدأ المواطنة والفصل بين السلطات واحترام حقوق الإنسان, وحرية الفكر والرأي والتعبير والنشر, مع التأكيد على محاسبة كل من أجرم بحق الشعب السوري وإقصائه من أي عملية سياسية من أي طرف كان, والانتقال بالبلاد من الدمار الاجتماعي والمادي والاستنزاف البشري والاستقطاب الإيديولوجي الحاد الذي تعاني منه نحو الدولة المدنية الديمقراطية المنشودة التي تصون حريات السوريين وكرامتهم جميعاً ضمن الحدود السياسية للجمهورية والمتعارف عليها دولياً.

ونظراً لما ذكرناه من الدور الإقليمي والدولي في طبيعة الصراع الحاصل في سوريا فلا بد أن يسعى السوريين من خلال مؤتمرهم للنضال مع عواصم القرار في العالم وخصوصاً البلدان المنخرطة في الصراع بشكل مباشر أو غير مباشر للحصول على توافق دولي متمثلاً برعاية دولية لذلك المؤتمر كحاجة لا بد منها في سبيل الخلاص ووقف الحرب وانتقال السوريين إلى مرحلة انتقالية تمكنهم من إعادة بناء دولتهم.

أي أن معركة السوريين اليوم هي معركة مركبة على أكثر من صعيد، أولا وبالدرجة الأولى هي معركة استقلال كامل من قوى الهيمنة الأجنبي الروسي والإيراني على وجه الخصوص ومن جميع الوصايات الإقليمية والدولية الأخرى.

وهي بالأساس معركة ضد نظام استبدادي ديكتاتوري مجرم, ومعركة انعتاق من المد الأصولي والراديكالي الذي يغزو المجتمع السوري ويقف عائقاً أساسيا أمام وصول السوريين لطموحهم في بناء دولة مدنية ديمقراطية.

محمد قنطار

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة

  • مخاض عسير

    ما تشهده الثورة السورية من مخاض عسير وخاصة الاختلاف الداخلي الذي يصل أحيانا إلى مرحلة الاقتتال، يؤكد أننا لم نستطع الانتقال بالثورة إلى مرحلة الأمان بعد مرور قرابة عشر...
  • لماذا سيستمر تيار الغد السوري؟

    يراهن البعض على انتهاء دور المعارضة السورية وعن فرط عقدها، ويرددون أنها ستزول في ظل هذه الفوضى. ومن هنا سيكون نقاشنا ولن نتحدث طويلا عما قدمه تيار الغد السوري...
  • مستقبلنا في سوريا حرة وموحدة

    لا يعني نقص أعداد المهاجرين إلى أوروبا أن الأمور بخير في المنطقة. تكون الأمور بخير بالنسبة للاتحاد الأوروبي والعالم باستقرار الشرق الاوسط واستقرار سوريا وإعادة إنتاج الحل السياسي. إن...
  • مسؤوليتنا بعد أوهام النظام اقتصاديا

    تفاجئنا الأحداث دائماً بالمزيد من الألم والحسرة، وفي ذات الوقت الذي تنهمر فيه الصواريخ على إدلب ضمن هجمة لئيمة من قبل النظام، وما تخلفه هذه الحملة من قتل وتهجير...