العالم لم يعد كما كان.. والسبب “سوريا”

لم يعد للسوريين، الذين قاموا بأكبر ثورة ضد الطغيان في تاريخهم، أي خيار في وقف الحرب المستعرة في بلادهم وإنهاء حالة الفوضى المستشرية منذ أكثر من ست سنوات، كما...
الدفاع المدني السوري ينتشل طفلا من تحت الأنقاض في حي القاطرجي بمدينة حلب 14 شباط 2016

لم يعد للسوريين، الذين قاموا بأكبر ثورة ضد الطغيان في تاريخهم، أي خيار في وقف الحرب المستعرة في بلادهم وإنهاء حالة الفوضى المستشرية منذ أكثر من ست سنوات، كما لم يعد للنظام المثار عليه أي حول أو قوة بعد أن سلم مقاليد حكمه لروسيا وإيران اللتان تتحكمان بالبلد وأهله كورقة مساومة في حربهما الباردة مع الغرب.

في مقال لها نشرته نيويورك تايمز، أشارت آن برنارد إلى أن العالم يبدو الآن غارقا في الفوضى وعدم اليقين أكثر من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك بسبب الحرب في سوريا.

ونوهت برنارد بأن أعداد الزعماء الاستبداديين في ازدياد، فيما باتت الديمقراطية الليبرالية نفسها تحت الحصار، ونظام ما بعد الحرب العالمية الثانية انهمك في الحروب التي اشتعلت على الحدود بين الدول وفي المؤسسات الدولية، تلك المؤسسات النظرية والمفترض أن توقف استمرار المذابح الوحشية، التي فشلت جميعها في إيجاد الحلول. فالحركات الشعبوية على ضفتي الأطلسي لم تعتل موجة الغضب المناهض للمؤسسات فحسب، بل أججت الخوف من “الآخر”، والآخر هذه المرة هو المسلمون.

وقد تبلورت تلك التحديات وزادت حدتها، بحسب برنارد، نتيجة للحرائق التي استخف بها الغرب في الماضي، باعتبارها هامشية، لأنها “ارتكبت بواسطة مسلمين وبحق مسلمين”، والإشارة هنا إلى الحرب في سوريا.

والآن بعد أن دخلت الحرب السورية عامها السابع بعد أن تركها العالم لتطول وتزهق أرواح نحو 400 ألف سوري، وفرض حياة بائسة على الملايين، فقد أرسلت بموجات صادمة إلى العالم أجمع. فالملايين فروا إلى الدول المجاورة، والبعض منهم اتجه إلى أوروبا، وبات واضحا أن نغمة السائدة بأن العالم في مرحلة ما بعد الحرب لن يسمح لزعمائه بقتل مواطنيه بصورة عشوائية قد تراجعت بالكامل. فرد فعل الحكومة السورية للثورة التي استمرت عاما بعد عام تهدد بتطبيع وحشية الدولة، لتصل إلى مستوى لم نعهده منذ عقود. وبشار الأسد لا يزال يردد المبرر الذي انتشر ورددته كثير من حكومات العالم عقب اعتداءات 11 سبتمبر، وهو أنه “يحارب الإرهاب”.

ونقلت برنارد عن الكاتب السوري ياسين الحاج صالح، المعتقل السابق على مدى عقدين من الزمان في سجون الأسد الأب والابن، قوله “سوريا ليست السبب في كل ما يحدث، لكن نعم فقد غيرت سوريا العالم”.

فمجلس الأمن الدولي بات مشلولا، ووكالات الإغاثة تخضع لضغوط، وحتى الضربة الصاروخية التي استهدفت مطار الشعيرات، وفق أوامر من الرئيس دونالد ترامب نتيجة للهجوم الكيميائي على مدينة خان شيخون التي تسيطر عيها المعارضة السورية تبدو مجرد ومضة وسط الثورة، وكانت تلك الضربة آخر تدخل أحادي في الحرب السورية. وبعد ذلك بأسبوعين واصلت الحكومة السورية المدعومة من روسيا تنفيذ سياسة الأرض المحروقة.

كما أشارت الكاتبة إلى أنه ليس هناك إجماع على ما يجب فعله في سوريا في السابق ولا في المستقبل، وما إذا كان التدخل الدولي القوي فسوف يثمر نتائج أفضل.

ونوهت بتعامل البيت الأبيض في عهد أوباما مع سوريا عن قرب، وكان مصمماً وبشكل تفهمنا أسبابه على تجنب تكرار أخطاء غزو واحتلال العراق. واعتقد القادة الغربيون أن الحرب في سوريا لن تكون مثل الحرب الأهلية التي اندلعت في البوسنة في التسعينات، وأن الحرب في سوريا قد تشعل الحريق، لكن داخل سوريا، وأن لهيبها لن يطال دولهم.

وبصرف النظر عن مدى أخلاقية مثل هذا الطرح، فقد ثبت خطأ تلك الحسابات بعد أن تخطت الأزمة عتبات أوروبا، وقلبت سياساتها رأسا على عقب.

بدأ الصراع عام 2011 إثر الاحتجاجات الشعبية، واتخذت السلطات السورية إجراءات صارمة ضد الثوار، وحمل بعض خصوم الأسد السلاح بدعم من الغرب، وكان الدعم كلاميا أكثر منه ماديا. جاء رد فعل الحكومة عن طريق حملة اعتقالات جماعية وتعذيب وفرض حصار للتجويع وقصف للمناطق التي يسطر عليها الثوار. ظهر المتطرفون وفي النهاية أعلن تنظيم داعش دولته المزعومة ليجتاح العنف بعدها أوروبا. هرب أكثر من خمسة ملايين سوري من وطنهم، وانضم مئات الآلاف إلى جموع اللاجئين عبر البحر المتوسط وأوروبا.

واستخدم الساسة صور طوفان المهاجرين اليائسين والعنف المفرط الذي واجهوه في بلادهم لإثارة الخوف من الإسلام والمسلمين، مما جعل أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا تستغل الاستياء من المهاجرين، بدءا من فنلندا إلى المجر. تمثل أزمة المهاجرين أحد أكبر التحديات في الذاكرة فيما يخص وحدة الاتحاد الأوروبي وقيمه الأساسية التي تصون حرية السفر، والحدود المشتركة، والتعددية. فقد أثارت تلك الأزمة القلق بشأن الهوية والثقافة، والاستفادة من انعدام الأمان الاقتصادي وانعدام الثقة في الصفوة الحاكمة، وهو ما زادت حدته في ظل العولمة والأزمة المالية.

فجأة شرعت الدول الأوروبية في بناء أسوار وإقامة معسكرات اعتقال لإيقاف الهجرة. ورغم ترحيب ألمانيا باللاجئين، رفضت دول أخرى اقتسام العبء، وتحدث اليمين المتطرف عن حماية البيض والمسيحيين في أوروبا، وحتى حملة «بريكست»، أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، لعبت دورا في زيادة الخوف من اللاجئين.

وفي الولايات المتحدة، كما هي الحال في أوروبا، يعتبر المتطرفون اليمينيون أنصارا للفكر الاستبدادي برد الفعل العشوائي لتهديدات “الإسلامويين”. فالقوميون البيض مثل ريتشارد سبنسر وديفيد ديوك، زعيم منظمة “كو كلوكس كلان” التي تؤمن بتفوق الجنس الأبيض، نشروا صورا على موقع فيسبوك دعما لبشار الأسد الذي يصور نفسه بوصفه الحصن المناهض للتطرف.

وخلال العقد الذي غطيت خلاله أحداث العنف في الشرق الأوسط، تبين لي أن عمليات القتل الجماعي التي ترتكبها الدول أقل وقعا على المشاهد الغربي من عمليات القتل الصغيرة التي ترتكبها جماعات مثل تنظيم داعش ومن قبلها تنظيم القاعدة. فقد لعبت “حرب الولايات المتحدة على الإرهاب” دورا في خرق الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية، وذلك بالاعتقالات التي جرت في سجن غوانتنامو والتعذيب في سجن أبو غريب والضربات الجوية المستمرة باستخدام طائرات الدرون والهجمات الجوية التي يذهب ضحيتها مدنيون في سوريا والعراق واليمن وغيرها من المناطق. وبعد ذلك اندلعت الحرب في سوريا عندما كان المسرح الدولي مهيئا للانقسام والعجز، فروسيا كانت تتوق للعب دور أكبر، فيما كان دور الولايات المتحدة في تراجع، وكانت أوروبا غارقة في مشكلاتها الداخلية.

في الحقيقة، أدى سعي روسيا والولايات المتحدة لتحقيق مصالح متضاربة في سوريا إلى تعطيل دور مجلس الأمن الدولي.
آن برنارد – نيويورك تايمز
ترجمة الشرق الأوسط

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة