بسقوط حلف الأسد .. شرق أوسط جديد يرسم بلا إيران

نعم جاء ترامب إلى المنطقة العربية وعقد صفقة بمئات المليارات وعاد أدراجه، ولكن هل هذا كل شيء؟؟. أدرك تماماً أن الكثير منا انجذب انتباهه إلى الصفقة التي وقعها ترامب...
علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الخمينية في إيران

نعم جاء ترامب إلى المنطقة العربية وعقد صفقة بمئات المليارات وعاد أدراجه، ولكن هل هذا كل شيء؟؟.

أدرك تماماً أن الكثير منا انجذب انتباهه إلى الصفقة التي وقعها ترامب مع المملكة العربية السعودية وانخرط في تحليل الزيارة على أساس هذه الصفقة، بعيداً عن أبعادها ودلالاتها رغم ما توحي به هذه الزيارة وجدول أعمالها بأن الشرق الأوسط بات على أعتاب تغيرات مفصلية للعديد من القضايا المركزية على رأسها القضية السورية والخارطة الجيوسياسية ومناطق النفوذ الدولية والإقليمية.

بمعنى أوضح، يمكن القول بأن الكثير من المؤشرات اليوم وعلى رأسها جولة ترامب الأوسطية تؤكد أن المنطقة خلال العقد القادم لن تكون كما كانت عليه في العقدين السابقين، وأن الكثير من المعطيات على الأرض العربية ستتغير لتختفي قوى وتظهر قوى وتحالفات جديدة.

البداية من إيران والتي يبدو أنها ستكون أولى المتأثرين بهذه المتغيرات، لا سيما وأن الكثير من المحللين يتفقون على أن فكرة الناتو الإسلامي التي طرحها ترامب في السعودية تستهدف أذرع ايران في المنطقة العربية، ما يعني أن مرحلة الزهوة للنفوذ الايراني في المنطقة قد انتهت وبدأت مرحلة الانكماش “وهي النقطة التي سأتناولها هنا”.

أولاً، لابد من الإشارة هنا إلى شكل استهداف النفوذ الايراني في المنطقة فيما لو تم، سيكون هدفه إعادة وضع ايران في المنطقة إلى ما كان عليه قبل العام 2000 أي حصر نفوذها ضمن حدودها السياسية، بحيث يكون الشرق الأوسط خالياً من إيران ونفوذها حتى وإن بقي لها جيوب ساكنة على الأرض العربية، وأن هذا الاستهداف لن يتم عبر تدمير بنية النظام الإيراني أو اسقاطه في طهران وإنما سيتم غالباً بعدة أشكال ومراحل.

لعل أهم تلك المراحل ما يتعلق بحزب الله اللبناني الذي على الأرجح سيكون على موعد مع هجومٍ إسرائيليٍ يهدم قلاعه في الجنوب اللبناني وربما يعيد السيطرة الإسرائيلية عليه “أي الجنوب” من جديد، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً للحدوث خاصة مع استنزاف قوة الحزب خلال حربه إلى جانب النظام في سوريا، وفقدانه الكثير من عوامل قوته العسكرية وانخفاض حاضنته الشعبية على المستوى العربي.

أما المرحلة الثانية فإنها قد تشهد تقليصاً كبيراً للنفوذ المليشيوي لإيران في العراق وخاصة ما يسمى بالحشد الشعبي، بالإضافة إلى محاولة خلق توازنات سياسية تقلص من تبعية الحكومات العراقية لطهران وتمنح السنة دوراً أكثر مركزية ومحورية في سياسة البلاد، في حين المرحلة الثالثة ستكون في اليمن من خلال تجميد النفوذ الحوثي الموالي لإيران وإعادة ميليشياته إلى مناطق نفوذها السابقة قبل استيلائها على صنعاء وطرد حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، وهو ما سيتم غالبا من خلال دعم أمريكي لعمليات التحالف الاسلامي هناك.

سوريا بدورها لن تكون خارج إطار الحرب على النفوذ الايراني، ومصير الأسد شخصياً لن يكون بمنأى عن هذه الحرب، ففيما لم صدقت التوقعات السابقة فإن سوريا غالبا ما ستكون نقطة الانطلاق الأولى للحرب على الأذرع الإيرانية، تلك الحرب التي لا يمكن أن تندلع وتستثني نظام الأسد كونه الحليف العربي الأول لإيران، والضامن الرئيسي لخط التواصل بين طهران وحزب الله، بالإضافة إلى كون نظام الأسد واحداً من النقاط الهامة في الهلال الإيراني إلى جانب أنه النظام العربي الرسمي الوحيد الذي يحالف إيران في سيطرتها على المنطقة العربية.

لا أريد التوسع أكثر في التوقعات حول مستقبل المنطقة، ولكن هنا أيضاً يمكن القول إن التحرك “العربي الاسرائيلي الأمريكي” الموحد ضد إيران فيما لو تم سيخلق واقع علاقات جديدة في المنطقة عنوانه الرئيسي “التحالف مع اسرائيل”، وهو ما سيكون المتغير الأبرز في الساحة الأوسطية من خلال تحول العلاقة الإسرائيلية العربية من العداء والحروب إلى التحالف وهو ما يمثل هدفاً إسرائيلياً، لاسيما وأنه تحالف قد يمهد الطريق أمام إقامة علاقات تطبيع مباشر بين اسرائيل وبعض الدول العربية “ممن لا تمتلك سفارات في تل أبيب”، مع إمكانية استغلال إسرائيل للفرصة وإعلان القدس عاصمة لها وسط مباركة أمريكية وصمت عربي، بالإضافة إلى إمكانية إعلان دولة فلسطينية منقوصة السيادة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

هل تكفي زيارة ترامب لتبني هذا التحليل؟؟

قد لا أملك الكثير من المؤشرات المباشرة التي تدعم الفرضية السابقة، ولكن قد لا أبالغ إن قلت إن كل ما شهدته المنطقة منذ العام 2003 وحتى اليوم كان هدفه الوصول إلى المرحلة التي تمكن اسرائيل من التحول إلى عنصر توازن في المنطقة من خلال خلق عدو جديد للعرب وصراع جديد في المنطقة بعيداً عن القضية الفلسطينية التي كانت تعتبر قضية العرب الأولى قبل دخول إيران إلى المنطقة.

اسقط نظام صدام حسين في العراق عام 2003، وأجبر الجيش السوري على الانسحاب من لبنان 2005 وغض الطرف عن التوسع الحوثي في اليمن 2014، وفتح المجال لايران من خلال هذه المتغيرات لتستولي في ذلك الوقت على العواصم الثلاثة “بيروت وبغداد وصنعاء”، لكن اليوم الوضع والظروف قد تغيرت ويمكن القول إن دور إيران بخلق احتقان طائفي في المنطقة العربية قد انتهى تماماً، وأن مع انطلاق الثورة السورية ومجيء ترامب إلى الرئاسة في الولايات المتحدة قد بدأت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز التحالف الإسرائيلي العربي في مواجهة إيران.

نعم، لنعترف بأن اسرائيل  تمكنت من ادارة خيوط اللعبة في الشرق الأوسط وتسييرها بما يخدم مصالحها، خاصة وأنها اليوم تمثل عملياً بالنسبة للكثير من العرب حجر الزاوية في التخلص من خطر الوحش الفارسي وجرائمه، وبالتالي فإن الحرب على أذرع إيران خلال المرحلة القادمة عملياً ستكون المرحلة المكملة لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي أطلقته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، بعد أن كان التمدد الايراني في الشرق العربي المرحلة السابقة لذات المشروع.

الايرانيون يبدو أنهم أدركوا متأخرين أن دخولهم للمنطقة العربية عملياً لم يكن سوى مرحلة من مراحل تثبيت اسرائيل نفسها في المنطقة وكعامل توازن للقوى بعد أن كانت عدو لكامل دول المنطقة، وهو ما دعم وصول روحاني إلى ولاية ثانية، على اعتبار أن الدولة الإيرانية العميقة يبدو أنها لم ترغب بوصول مرشحين متشددين إلى الحكم ومواجهة الولايات المتحدة  بحكومة أشبه ما تكون حكومة حرب بقيادة ابراهيم رئيسي “المرشح لخلافة الخامنئي”.

باختصار، لو أردنا حصر الأفكار في الملف السوري فإن المسألة السورية وحلها لم يعد مجرد موقف من رئيس أو نظام أو حتى مسألة من يحارب الارهاب، وإنما مرتبطة بالتحولات الإقليمية ضمن اطار الشرق الأوسط الجديد الذي لا يبدو أن للأسد وحلفه مكان فيه.

قد ينظر البعض إلى هذا الكلام كشيء من العواطف أو الأمنيات أو أضغاث الأحلام خاصة ما يتعلق بمصير بشار الأسد، ولكن لو دققنا جدياً في هذا التصور وتفاصيله، فأنا لم أقل أن الثورة قد انتصرت وأن مرحلة بناء جديدة قد بدأت في سوريا، وإن ما أقوله أن الشرق الأوسط مقبل على تطورات أبرز ما فيها انها ستكون خالية من حزب الله ونظام الأسد وأذرع إيران، مقابل نمو تحالف اسرائيلي عربي يكون نقطة انطلاق لتطبيع شبه كامل بين الحانبين، لتكون تلك الحرب على الاذرع الإيرانية خطوة لتهيئة الشارع العربي نحو هذا التطبيع.

حسام يوسف – تيار الغد السوري

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة