نيويورك تايمز: مستقبل الأسد أصبح آمنا أكثر من أي وقت مضى رغم استحالة بقائه في السلطة

قال مراسل صحيفة نيويورك تايمز بن هُبارد في تقرير له نشرته الصحيفة مؤخرا إنه على الرغم من أن الحرب السورية الدموية التي استمرت ست سنوات لم تنته بعد، إلا...
مقاتل سوري في الرقة خلال مواجهات مع تنظيم داعش الذي أضعف المعارضة لصالح بشار الأسد
قال مراسل صحيفة نيويورك تايمز بن هُبارد في تقرير له نشرته الصحيفة مؤخرا إنه على الرغم من أن الحرب السورية الدموية التي استمرت ست سنوات لم تنته بعد، إلا أن نتيجة واحدة أصبحت واضحة وهي أن بشار الأسد يبدو آمنا أكثر من أي وقت مضى على كرسي الحكم في سوريا.
في ساحة المعركة، لا يبدو أن أحدا مما تبقى من فصائل المعارضة مستعد وقادر على إسقاطه. وتراجعت قوة الثوار السوريين كثيرا إثر ألغاء الرئيس دونالد ترامب لبرنامج الدعم الأمريكي التابع للمخابرات المركزية “سي آي إيه” الذي يزودهم بالأسلحة، وتنظيم داعش الذي طمح لحكم سوريا كدولة خلافة يتم الآن دك معاقله وتفكيكه وقريبا سيصير مجرد ذكرى.
ويقول هُبارد إن قوى إقليمية ومسؤولون أجانب وحتى السوريون أنفسهم، يتصرفون جميعا كما لو كان الأسد سيحكم سنوات عدة قادمة، حتى لو كان سيحكم بلدا أضعف بكثير مما كان. ويضيف أن حلفاء الأسد بدؤوا الإعلان عما يرونه نصرا وشيكا، وحكومته تتحدث عن إعادة إعمار البلد الممزق واستضافت مؤتمرا دوليا للتجارة الشهر الماضي، وقعت فيه عقدا مع إيران لبناء شبكة الطاقة مجددا.
واعتبر المراسل أنه حتى أنصار المعارضة أعيتهم الحرب وبدؤوا في تقبل الأمر المحتوم، بعد أن سيطرت قوات الأسد مدعومة بآلاف المرتزقة اللبنانيين والإيرانيين على مدينة مضايا الجبلية بعد حصار طويل، ومنذ ذلك الحين “تحسنت حياة من تبقى” من الأهالي الذين شرد معظمهم عبر سياسة التهجير القسري التي اتبعها بمساعدة إيرانية، فقد “رحل القناصون وعادت الكهرباء وظهر الغذاء في الأسواق وافتتحت المقاهي من جديد وبدأ الناس في الخروج”.
وقالت معلمة سورية لمراسل نيويورك تايمز: “لقد مللنا الحرب ونريد العيش بأمان وسلام، ولن نقدر أن نفعل هذا إلا إن كنا مع النظام”. واشترطت المعلمة أن لا يذكر اسمها حتى لا تستهدفها مليشيات الأسد بسبب نشاطها المعارض سابقا قبل أن تنسحب فصائل المعارضة من منطقتها إثر اتفاقات مصالحة مذلة تمت برعاية روسية إيرانية.
ويلمح مراسل نيويوك تايمز إلى أن هذه التطورات لا تعني أن طريق الأسد ممهد للبقاء في الحكم، فهو “منبوذ من أغلب دول وحكومات وشعوب العالم، ومازال يرأس بلدا محطما ومنقسما. إن انتصر فلن يبقى له غالبا سوى دولة ضعيفة تعتمد على القوى الأجنبية لحمايتها وتنقصها الموارد لإعادة إعمارها”.
لكن بقاءه يحمل العديد من العواقب الخطيرة للبلد وللشرق الأوسط، يغير من احتمال استقرار سوريا مستقبلا، وعودة اللاجئين لوطنهم، ونجاح حكومة الأسد في الحصول على تمويل دولي لإعادة إعمار المدن المدمرة.
ويصف المراسل بقاء الأسد بأنه “فصل أخير محبط لثورات الربيع العربي” التي انطلقت في 2011. فبينما أسقطت التمردات المسلحة والمظاهرات زعماء تونس ومصر وليبيا واليمن، بقي الأسد رغم استخدامه للعنف الشديد ضد شعبه. واعترف الأسد بخسائر الحرب من الضحايا، لكنه ادعى أن هذا طهر البلاد من التهديدات ووحد السوريين حول مشروع مشترك وجعل من سوريا مجتمع متجانسا في الرضوخ لسلطته.
واقتبس هُبارد من مؤتمر عقد في دمشق الشهر الماضي قال فيه بشار الأسد: “لقد خسرنا خيرة شبابنا ودمرت بنيتنا التحتية، وكلفنا هذا مالا كثيرا ومجهودا كبيرا لأجيال قادمة، لكننا في المقابل ربحنا مجتمعا متجانسا وصحيا بشكل حقيقي”.
وبدأ الصراع السوري في 2011 بانتفاضة شعبية ضد سياسة بشار الأسد ونظامه الاستبدادي قمعتها قوات الأمن بقوة مفرطة بدعم من مليشيات مولتها واستجلبتها إيران ثم روسيا، وحملت المعارضة السلاح بعد أكثر من ستة أشهر من الثورة السلمية دفاعا عن المدنيين في المناطق المعارضة والمدن الثائرة، ثم دعمت قضيتها الولايات المتحدة والسعودية ودول أخرى سياسيا وماديا. أما الآن فقد نجح الأسد في إنهاء خطر المعارضة، ويعود ذلك بشكل كبير إلى الدعم المادي والعسكري من حلفائه فيما صرف داعموا المعارضة النظر عن دعم الثورة السورية والمعارضة وبات أكبر طموحهم إبرام حل سياسي يحفظ ما تبقى من البلد.
وأشار المراسل إلى أن حكومة الأسد باتت تسيطر على المدن الكبيرة ومعظم من تبقى فيها من الناس ممن يعيشون في ظروف أفضل من تلك التي في أماكن أخرى من البلاد، وقد سانده حلفاؤه في روسيا وإيران وحزب الله ودعموا قواته المستنزفة وساعدوها على التقدم. فيما لم ينجح الثوار كونهم مجموعات يائسة ذات أيديولوجيات مختلفة في تكوين جبهة موحدة أو إقناع كل السوريين بأنهم سيصنعون مستقبلا أفضل. انضم لهم المتطرفون المرتبطون بالقاعدة وبدأت المساحات التي يسيطرون عليها في التناقص بعد انصراف حلفائهم للتركيز على محاربة داعش.
بسام الأحمد هو المدير التنفيذي لمجموعة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وهي مجموعة حقوقية تعمل من تركيا، قال إن النظام السوري الآن أبعد ما يكون عن إسقاطه. فقد قل عدد القوى المهتمة بأن يحدث ذلك مثلما كانت في أول الثورة السورية”.
لكن الأسد رئيس دولة محدود القوى بحسب وصف المراسل.. الذي قال إنه ما زالت الكثير من الأراضي خارج سيطرته، واقتطعت القوى الأجنبية أجزاء من النفوذ ما يسقط ادعاءه بحكم سوريا كلها.
وتحالفت القوات التركية مع الثوار المحليين لتسيطر على مناطق في الشمال، فيما تعمل الولايات المتحدة الأمريكية مع الكرد ومقاتلين عرب محليين لمحاربة داعش في الشرق. حتى المناطق التي يسيطر عليها الأسد “اسميا” تسيطر عليها روسيا وإيران وحزب الله والمليشيات المحلية أكثر من سيطرة الجيش العربي السوري عليها. وروسيا تقود الدبلوماسية السورية الدولية، تفاوض على مناطق آمنة مع قوى أجنبية مجاورة لمحاولة وقف العنف.
ويقول الكاتب أيضا إن خسائر الحرب أصبحت ضخمة وقد تصبح عبئا ثقيلا على الأسد وحلفائه في العقود القادمة. حيث قدر تقرير حديث للبنك الدولي ما خسره الاقتصاد السوري خلال السنوات الست الأولى من الحرب بـ226 مليار دولار، وهو أربعة أضعاف صافي الناتج القومي في 2010 قبل اندلاع الثورة. كما تحولت صور المدن السورية المدمرة إلى رموز شائعة تعبر عن خسائر الحرب، إلا أن هناك عوامل غير مرئية مثل انكسار الثقة المجتمعية وتفرق الشبكات الاجتماعية، وهي عوامل تفوق في ضررها الضرر المادي عدة مرات.
يضيف الكاتب أن أي شكل لبقاء الأسد في السلطة قد يعيق إعادة الإعمار. حيث يأمل المسؤولون في الولايات المتحدة وأوروبا أن يرحل الأسد باتفاق سياسي نهائي، وتعهدوا بأنهم لن يكافئوه على وحشيته وانتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان عن طريق مساعدته في إعادة إعمار البلاد بعد بقائه. ورغم أن هناك دولا أخرى تدعم الأسد قد تساعده في البقاء، لكنها محدودة الموارد. روسيا وإيران يخضعان لعقوبات دولية ويعاني اقتصاد كل منهما بسبب انخفاض أسعار النفط.
وأقامت حكومة عماد خميس التابعة لبشار الأسد الشهر الماضي معرضا دوليا للتجارة في دمشق للمرة الأولى منذ 2011، ورحبت بشركات من إيران والعراق وروسيا وفنزويلا وبلدان أخرى بعضها عربية. وكانت من بين العقود التي وقعت عقود لاستيراد 200 حافلة من بلاروسيا وعقود لتصدير 50 ألف طن من المحاصيل فقط لا غير.
كما قد يؤثر بقاء الأسد أيضا على عودة اللاجئين، وهي قضية محورية للدول المجاورة. نزح نصف السوريين بسبب الحرب، منهم أكثر من 5 ملايين لاجئ في الخارج. هرب العديد منهم بسبب هجمات قوات الأسد ولم يبق لهم منازل ليعودوا إليها. وآخرون يقولون إن الوضع ليس آمنا أو يخافون اعتقالهم أو تجنيدهم إجباريا ضمن قوات الأسد.
وتخلى بعض السوريين عن معارضتهم وعقدوا المصالحات مع قوات الأسد التي ظهرت وكأنها تنتصر. ففي 2012، أخبر لاعب كرة القدم فراس الخطيب الحشود أنه لن يلعب للمنتخب السوري طالما قصفت المدفعية أي مكان في سوريا، ثم عاد الخطيب الشهر الماضي ولقي استقبال الأبطال في مطار دمشق. وقال بعد عودته: “نحن اليوم على أرض الوطن وفي خدمة الوطن”. ما زال المنتخب يخوض تصفيات كأس العالم 2018، ويرتبط بشكل كبير ببشار الأسد ويهدي له انتصاراته.
بعض المواطنين الآخرين، مثل المعلمة التي تحدثت للمراسل في مضايا، سعداء بدعم أي شخص يوفر لهم الأمن والخدمات الأساسية، وختمت بقولها: “نحن أناس نمشي أينما ذهبت بنا الريح. كنا أثناء الحصار مع الثورة، والآن نعلق صور بشار ونغني له”.
أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة