وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، على التبريرات التي طرحها وزير الأمن الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، لرفع الموازنة العسكرية بقيمة 4.8 بليون شيقل، بسبب الأخطار الأمنية المحدقة من جهة سوريا ولبنان، والأبعاد المترتبة على الحضور الإيراني في سوريا والدعم اللامحدود الذي يتلقاه حزب الله لإبقاء المنطقة على الحدود السورية الإسرائيلية متوترة.
وقد شهدت المنطقة خلال السنة الأخيرة ثلاثة متغيرات رئيسية شكلت بالنسبة لليبرلمان وقيادة الجيش خطرا أمنيا أكبر على إسرائيل وهي الوجود الروسي الضخم في سوريا، ووصول أسلحة دقيقة إلى حزب الله ونظام الأسد وتطوير برنامج الصواريخ الإيراني.
وتصدرت هذه المتغيرات الثلاثة أجندة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين منذ نحو ثلاث سنوات، إلا أن ليبرمان، كبقية العسكريين والسياسيين الذين يستخدمون سياسة التخويف لابتزاز الموازنات العسكرية، خرج هذه السنة بمطلب زيادتها.
وبحسب ليبرمان، فإن الجيش الإسرائيلي ملزم بتسريع خطط شراء الأسلحة في شكل كبير. ويفترض بهذه الأموال الإضافية التي يطلبها أن تمول شراء الذخائر الدقيقة للقوات الجوية والقوات البرية، وتصنيع المزيد من الصواريخ لأنظمة الاعتراض، السهم، العصا السحرية والقبة الحديد، وتحسين سبل الحماية في الجبهة الداخلية. والى جانب ذلك، يعتقد ليبرمان بأن هناك حاجة الى تعزيز قدرات سلاح البر.
وقال ليبرمان صراحة: “عندما اتفقنا في الحكومة على عدم زيادة الموازنة العسكرية إلا في حال حدوث تغيير جوهري، لم تكن على حدودنا دولة معادية في شكل واضح لأنه كان يبدو أن سورية تتفكك، ولكن لا يمكننا تجاهل حقيقة أن إيران تريد أن ينظر إليها على أنها دولة مؤثرة ويوجد لها موطئ قدم عميق في سوريا. نحن نقوم بتقدير الواقع على الحدود الشمالية في شكل مستمر ومتكرر، وهذا ينطوي على احتمال التصعيد، لكننا نفعل كل شيء حتى لا نصل إلى حالة حرب”.
ويستند ليبرمان، في طرحه للأخطار، إلى تقرير إسرائيلي يقول إن نحو 90 في المئة من الأراضي المأهولة في سوريا تخضع للأسد، والنظام يسيطر على معظم المواطنين السوريين. وبهذا المعنى، حقق الروس أهدافهم في سوريا.
كما تطرق التقرير إلى تنظيم داعش وتقييم وضعيته، حيث رأى “أن التنظيم لم يهزم ولم تتم تصفيته. إنما غيّر شكله وانطلق مع الفكرة إلى أماكن مختلفة خارج سوريا”. بالإضافة إلى ذلك، ووفق التقرير الإسرائيلي، فإن الجيوش العربية تمرّ، حاليا، في سباق تسلح يقلق الجيش الإسرائيلي.
وأضاف ليبرمان “لن تقبل إسرائيل وضعا يسيطر فيه الإيرانيون على ميناء أو مطار في سوريا. وهذه أمور تم توضيحها للأمريكيين والروس. نحن نتعامل بشفافية أمامهم في هذه القضية”. وأشار إلى أن إسرائيل وصلت إلى وضع تواجه فيه صعوبة في تلبية الاحتياجات الأمنية.
ووفق التقارير الإسرائيلية، فإن أكثر ما يقلق إسرائيل هو امتلاك إيران صاروخا دقيق الإصابة لدى حزب الله، وهو يهدد في شكل مباشر في إصابة مرافق معينة في إسرائيل، من ضمنها قواعد عسكرية، ومحطات الكهرباء، والموانئ والمطارات.
وتبحث الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في اليوم الذي يلي انتهاء الحرب في سوريا. والاستنتاجات الأولية تقول إن الأجهزة الأمنية تفترض أن الحرب في سوريا قد انتهت. وعلى رغم أن السنوات المقبلة ستشهد استمرار المعارك بين نظام بشار الأسد وجيوب المقاومة المحلية والتنظيمات الإرهابية، إلا أن يد نظام الأسد اليوم هي العليا، هكذا تقيّم الأجهزة الأمنية الوضع وتضيف: “من ضمن ما هو غير واضح هناك سؤال متعلق بتعامل الأمم المتحدة مع الأسد. وإلى أي حد سينجح الأكراد في تشديد قبضتهم على الأرض، من أجل تحسين مكانتهم في المفاوضات حول مستقبل سوريا، في وقت تقوم فيه الولايات المتحدة، وروسيا، وإيران، بمحاولة الظهور بمظهر المنتصر؟”.
ولم تخف الأجهزة الأمنية قلقها من نقطتين حاسمتين هما: ترسيخ إيران في سوريا، ويقول أمنيون إن طهران تسعى بكل طاقتها من أجل تشديد قبضتها على الأرض السورية، في ظل تفاهم مفاده أنها كلما حققت إنجازات في الميدان، أصبح من الصعب اقتلاعها من الأرض ما بعد الحرب.
أما المسألة الثانية فتكمن في خلق تواصل جغرافي، ما بين إيران مرورا بالعراق وسوريا. ووفق الأمنيين، فقد ظهر في البداية أن الإيرانيين ملزمون، من أجل تحقيق هذه الغاية، بتوثيق العلاقات مع الأكراد لكي يتمكنوا من خلق محاور آمنة. وقد نجحوا في السيطرة على هذه المحاور بواسطة الميليشيات الشيعية في العراق، ونجحوا بطريقة أذكى في دفع الحكومة إلى الاعتراف بهذه الميليشيات باعتبارها “قوة وطنية عراقية” مرتبطة في شكل دستوري بالحكومة، وفق ما جاء في التقرير الإسرائيلي، الذي يحذر من أنه بات يمكن إيران إرسال شاحنات على امتداد الطريق من إيران نحو سورية، من دون أن يتم إزعاجها في شكل استثنائي، وهذا، وفق إسرائيل، يمثل تهديدا استراتيجيا جديدا، وهو تحد كبير لإسرائيل ودول المنطقة.
وفي ذروة مناقشة هذه التقارير، أعلن مكتب نتانياهو تفاصيل محادثة هاتفية أجراها مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ناقش خلالها الاثنان الوضع في سوريا ومحاولات الإيرانيين ترسيخ وجودهم فيها. وأعلن مكتب نتانياهو أن رئيس الحكومة تمسك خلال المحادثة بمبادئ الأمن الإسرائيلية ومعارضته توطيد الوجود الإيراني في سوريا.
وتضمن إعلان نتانياهو بيان الكرملين حول الملف السوري، وجاء فيه: “إن بوتين والأسد اتفقا على أن تركيز الجهود في سوريا يتغير من حملة عسكرية لاجتثاث الإرهاب، الى البحث عن حل سياسي”، مشيرا الى لقاء بوتين مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني.
ومع الإعلان عن الاجتماع الثلاثي لبحث الملف السوري، اجتمع نتانياهو وليبرمان مع وزير المال موشيه كحلون، الثلاثاء، للضغط عليه لقبول مطلب زيادة الموازنة لكن الاجتماع، الذي استمر ساعات طويلة، انتهى من دون التوصل الى اتفاق حول مطلب ليبرمان، الذي يخرق الاتفاق الذي تم التوصل اليه قبل عامين بين وزارتي المال والأمن، والذي ينص على تخصيص موازنة ثابتة للجهاز الأمني لمدة خمس سنوات، ولا تتم إعادة فتح الاتفاق إلا إذا طرأ “تغيير جوهري”.
لكن ليبرمان يواصل حملة التهديد والتخويف للحصول على مطلب زيادة الموازنة، مدعيا أنه “منذ توقيع الاتفاق طرأ تغيير درامي، يمكن الحديث عن قسم منه والتكتم على قسم آخر”.
في شهر كانون الثاني/يناير المقبل، ستبدأ المداولات حول الموازنة، وسيجرى الحسم في مطلب زيادة الموازنة العسكرية من جانب الحكومة، فهي التي تحدد مدى الخطر الذي ينبغي على الجيش الاستعداد له. وبالتالي سيطالب المجلس الأمني المصغر بالإجابة عن سؤال: هل التغييرات الجارية في الشرق الأوسط ثقيلة الوزن إلى هذا الحد وتُلزم بتخصيص موازنة إضافية؟.
صحيفة الحياة







