معركة إدلب التكتيكية

يعتقد العديد من الخبراء والمحللين الاستراتيجيين أن العملية العسكرية ضد معاقل هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” في محافظة إدلب، والتي تقرع روسيا طبولها وتحشد لها قوات النظام منذ فترة،...
قوات النظام تقصف منازل للمدنيين بريف إدلب الجنوبي - 17 آب 2018

يعتقد العديد من الخبراء والمحللين الاستراتيجيين أن العملية العسكرية ضد معاقل هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” في محافظة إدلب، والتي تقرع روسيا طبولها وتحشد لها قوات النظام منذ فترة، قد تبقى محدودة جغرافيا في إطار عمل “تكتيكي” يستهدف حماية مناطق سيطرة النظام المجاورة أكثر من السيطرة على المحافظة التي يقطنها أكثر من أربعة ملايين مواطن نصفهم من الأطفال مع تحذير الأمم المتحدة المتكرر من أي عمل عسكري كبير فيها.

حيث تواصل قوات النظام إرسال التعزيزات العسكرية إلى مناطق سيطرتها المحاذية لمحافظة إدلب، ما يوحي بهجوم قريب للسيطرة على آخر أبرز معاقل هيئة تحرير الشام وفصائل المعارضة والجيش السوري الحر. وكون المحافظة تقع على الحدود التركية؛ يرجح أن تحدد مصيرها اتفاقات دولية ترسمها خصوصا روسيا، حليفة النظام، وتركيا الداعمة للمعارضة، لا الهجوم العسكري فحسب.

وصباح اليوم استهدفت قوات النظام بالصواريخ والمدفعية بلدة التمانعة بالريف الجنوبي، فيما شهدت أجواء الريفين الغربي والجنوبي تحليقا مكثفا لطيران الاستطلاع، كما استهدفت قوات النظام بلدتي الصخر وكفرزيتا بريف حماة الشمالي بقذائف المدفعية الثقيلة.

ومنذ العاشر من آب/أغسطس، تستهدف قوات النظام بسلاح المدفعية وبوتيرة أقل بالغارات الجوية، مناطق عدة تحت سيطرة الفصائل تمتد من جنوب إدلب إلى ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي، وذلك بعد إرسالها تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، قالت صحيفة “الوطن” إنها “الأضخم في تاريخ الحرب السورية”.

 

مقاتلون من هيئة تحرير الشام خلال معسكر تدريب في محافظة إدلب - 14 آب 2018

مقاتلون من هيئة تحرير الشام خلال معسكر تدريب في محافظة إدلب – 14 آب 2018

 

ويقول الخبير في مؤسسة سنشري فاونديشن الأمريكية آرون لوند لوكالة فرانس برس إن “الدبابات تتجه شمالا، والمسؤولون الروس والسوريون يقرعون طبول الحرب إعلاميا، الأرجح أن تكون هناك عملية ما”.

وتسيطر هيئة تحرير الشام على الجزء الأكبر من محافظة إدلب بينما تتواجد فصائل إسلامية أخرى وفصائل تابعة للجيش السوري الحر في بقية المناطق، وتنتشر قوات النظام في الريف الجنوبي الشرقي. كما تتواجد الهيئة والفصائل في مناطق محاذية في ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي واللاذقية الشمالي.

وتأخذ الفصائل أي هجوم مرتقب على محمل الجد. وينهمك مقاتلوها، وفق وكالة فرانس برس، بحفر الخنادق ووضع السواتر الترابية في مناطق قريبة من تلك الواقعة تحت سيطرة النظام.

ويرجح محللون بينهم لوند أن تكون العملية المقبلة “محدودة”، وتقتصر على مناطق عند أطراف محافظة إدلب التي تستضيف أيضا الآلاف من مقاتلي المعارضة الذين تم إجلاؤهم على مراحل من مناطق عدة، إثر رفضهم اتفاقات تسوية مع دمشق.

ويقول نيكولاس هيراس الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد ومؤسسة جيمس تاون للخبرات التحليلية: “دمشق تسير في طريق الحرب. بنظر دمشق هناك أجزاء ضرورية يمكنها السيطرة عليها لضمان أمن اللاذقية والطريق الدولي بين دمشق وحلب”.

ويشير المحللون إلى مناطق عدة سيتم استهدافها عند الأطراف، بينها تلك الممتدة بين جسر الشغور في جنوب غرب إدلب وسهل الغاب الواصلة بين إدلب وشمال حماة، وأخرى تقع على جانبي جزء من الطريق الدولي بين حلب دمشق.

وتكمن أهمية منطقة سهل الغاب ومدينة جسر الشغور المحاذية لها في قربها من محافظة اللاذقية ومنطقة الساحل، المعقل الأساسي للطائفة العلوية والخزان البشري الأكبر المؤيد للنظام.

ويقول الباحث في مجموعة الأزمات الدولية سام هيلر إن “الروس مقتنعون بأن الطائرات من دون طيار التي تستهدف قاعدتهم الجوية في حميميم في اللاذقية تنطلق من هذه المنطقة حول جسر الشغور”. كما أن لمنطقة سهل الغاب، وفق قوله، “أهمية خاصة بالنسبة لنظام الأسد كونها تهدد مناطق تشكل نواة الموالين له” في الساحل السوري.

أما الهدف الثاني من العملية فقد يكون استعادة وضمان أمن كامل الأوتستراد الدولي الواصل بين حلب ودمشق والذي يمر في جنوب وشرق إدلب، ومن أجل ضمان أمنه سيكون على قوات النظام استعادة قرى جنوب غرب حلب وصولا إلى جنوب إدلب.

ويقول الباحث في معهد الشرق الأوسط تشارلز ليستر “سيأتي وقت يرى فيه النظام ضرورة في السيطرة على كامل طريق “إم 5″ (الأوتستراد الدولي) وكل المعابر التي تصل الشمال بالجنوب بين دمشق وحلب”.

وتشكل السيطرة على محافظة إدلب أهمية رمزية بالنسبة إلى النظام، لأنها ستعني نهاية المعارضة المسلحة ضده.

وتندرج محافظة إدلب مع أجزاء من المحافظات المحاذية لها ضمن آخر مناطق اتفاقات خفض التصعيد المتفاهم عليها بين روسيا وتركيا وإيران بموجب تفاهمات أستانة. ولإدلب أيضا خصوصيتها كونها المعقل الأخير لمقاتلي هيئة تحرير الشام الذين تم جلبهم من كل المحافظات السورية بموجب اتفاقات تمت بين الهيئة وروسيا، كما تُعد منطقة نفوذ تركي، وتنتشر فيها نقاط مراقبة تركية تطبيقا لاتفاق خفض التصعيد.

ويتفق محللون على أن أي عملية عسكرية محتملة في إدلب يجب أن تحظى بموافقة تركيا التي تخشى موجات جديدة من اللاجئين إليها لا تستطيع استيعابها. ويقول ليستر “من المحتمل أن توافق تركيا على خسارة بعض المناطق عند الأطراف بشرط أن تضمن استمرارية سيطرتها على وسط إدلب والمنطقة الحدودية” شمالا.

هذا فيما يؤكد القاعدة العسكريون الأتراك المتواجدون في نقاط المراقبة الاثني عشر في المحافظة خلال أحاديثهم للأهالي ووجهاء المناطق التي يتواجدون فيها أن بلادهم لن تسمح بأي اجتياح لقوات النظام للمحافظة وأن كل ما يدور حاليا هو من باب الحرب النفسية التي يشنها النظام وحلفائه لإرهاب المدنيين وتخويفهم.

وفيما تطلب روسيا من تركيا إيجاد حل لإنهاء وجود هيئة تحرير الشام المصنفة “إرهابية” في إدلب لتفادي عملية واسعة، تطلب تركيا من روسيا التريث وعدم خوض عملية عسكرية قد تسفر عن مجزرة غير مسبوقة في سوريا، كما تعمل أنقرة على توحيد صفوف الفصائل لأي مواجهة محتملة مع هيئة تحرير الشام.

ويوضح هيراس أن “روسيا كانت واضحة؛ إما أن تجد تركيا حلا لمشكلة تنظيم القاعدة في إدلب الكبرى أو يفعل الأسد ذلك بأي طريقة مناسبة”. ويرى أن “الخيار الوحيد” لذلك يكمن في أن “تحمل المجموعات التي عملت على مر سنوات مع هيئة تحرير الشام السلاح ضدها وتنهي نفوذها في إدلب الكبرى مرة واحدة وإلى الأبد”. ويضيف هيراس “ببساطة إنقاذ إدلب هو مقتل هيئة تحرير الشام”.

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة