في ظل الغموض الذي يكتنف مصير محافظة إدلب وتضارب المواقف الدولية وعلى رأسها الروسية والتركية حيال عملية عسكرية محتملة تشنها قوات النظام والمليشيات الأجنبية الداعمة لها؛ تقوم التشكيلات العسكرية المتواجدة في المحافظة سواء من هيئة تحرير الشام ومن يدور في فلكها من فصائل أو من الجيش السوري الحر وفصائل الثوار المرحّلة إلى المحافظة من عدة محافظات أخرى بموجب اتفاقات أبرمتها مع روسيا بتحضيرات واستعدادات غير مسبوقة لمواجهة أي تطورات عسكرية في المنطقة.
حيث كشفت مصادر في المعارضة السورية عن قرب إطلاق تشكيلات جديدة تتبنى “المقاومة الشعبية” ضد قوات النظام ومليشياته في حال اندلع أي هجوم على إدلب، وتجمع الآراء على أن المعركة لن تكون سهلة مقارنة بما حصل في مناطق أخرى خلال الأشهر الأخيرة، بحسب تقرير نشرته صحيفة “الحياة” اللندنية.
فخلال اتصالات أجرتها الصحيفة مع عدد من مقاتلي المعارضة الذين هجّروا في وقت سابق من العام الجاري، قال مقاتل مهجر من الغوطة الشرقية: “رفضنا البقاء في أرضنا لأننا نرفض العيش تحت ظل نظام حاصرنا لأكثر من خمس سنين وقتلنا بالكيماوي، وجرب مع الروس ضدنا كل أصناف الأسلحة”، مشددا على أنه “لا يوجد أي خيار أمامنا إلا محاربة هذا النظام والصمود في وجهه بكل ما لدينا من قوة وسلاح”.
وقال المقاتل الذي كان يعمل مهندسا مدنيا قبل اندلاع الثورة السورية في دوما ربيع 2011: “حملنا السلاح دفاعا عن أرضنا وعرضنا، ومع تقديرنا موقف تركيا المساند والذي يحدّ من نفوذ إيران، إلا أننا لن نسلم أسلحتنا إذا طلبوا منا ذلك، وسنواصل حتى آخر طلقة لنستشهد على أرضنا ونلحق بمن سبقنا في الغوطة ومناطق سوريا الأخرى”.
وكشف مقاتل آخر هُجّر من حمص أن “عشرات الآلاف ممن هجروا سابقا من درعا والقلمون وحمص والغوطة وجنوب دمشق، لن يقبلوا الاستسلام”، لافتا إلى أن “معظم المقاتلين لا ينتمون إلى هيئة تحرير الشام، إلا أنهم سيواصلون القتال، وهم متفقون على أن نقاط المراقبة التركية ليست ضمانة أكيدة لمنع المعركة، وأن أنقرة يمكن أن تغير موقفها”.
ونقلت الصحيفة عن عدة مصادر في إدلب أن “الحديث يدور عن تشكيل لجان مقاومة شعبية عابرة للفصائل المسلحة الموجودة في المنطقة، وليس لها أي ارتباط مع قوى خارجية”.
هذا فيما شكك مصدر من الفصائل المقربة والمدعومة من تركيا في قدرة هذه اللجان على الصمود طويلا في حال أبصرت النور. وفي الوقت ذاته، أكد أن “تركيا في موقف لا تحسد عليه، فمن جهة تضغط روسيا عليها لإنهاء ملف شائك وصعب خلال فترة زمنية محدودة، ومن جهة أخرى أعلن أبو محمد الجولاني زعيم هيئة تحرير الشام عمليا رفضه أي محاولات تركية للحل عبر تغييرات في أيديولوجية هيئة تحرير الشام وتركيبتها، وأكد أنه سوف يحارب”.
كما أشار المصدر إلى عقدتين صعبتين تعترضان الحل في إدلب: “الأولى الأجانب من جبهة النصرة والتنظيمات الإسلاموية المتطرفة، وهؤلاء يحتاجون إلى تنسيق دولي من أجل تقرير مصيرهم، والثانية تكمن في مقاتلين هجروا في السنوات الأخيرة إلى إدلب ويصرون على مواصلة قتال النظام حتى النهاية، ولهذا بعضهم لم يقصد تركيا أو أوروبا عندما كانت الفرصة سانحة وقرر البقاء، وهؤلاء ليسوا متشددين، ولكنهم قد يقودون المعارك بغض النظر عن موقف تركيا”.
من جهتها، تواصل قوات النظام استقدام التعزيزات وتصعّد من تلويحها بالعملية العسكرية في إدلب ومحيطها ضد الفصائل وهيئة تحرير الشام، حيث كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان استقدام قوات النظام مزيدا من الآليات المحملة بالعتاد والذخيرة وعشرات المجموعات من العناصر إلى خطوط التماس في أرياف حماة وإدلب واللاذقية مع فصائل الثوار والفصائل الإسلامية، والتي تعمد بدورها إلى تعزيز مواقعها تحضيرا للعملية العسكرية التي تصاعد تلويح النظام بها، بالتزامن مع ازدياد المؤشرات على انطلاقتها في المنطقة.
وكانت “الجبهة الوطنية للتحرير” قد أعلنت النفير العام ورفع الجاهزية الكاملة لمواجهة تهديدات قوات النظام والتصدي للخطر المحدق بمحافظة إدلب.
وقالت الجبهة العاملة في محافظة إدلب والتي تضم آلاف المقاتلين المنتمين لفصائل معارضة معتدلة في بيان لها يوم أمس الجمعة “نحمل ما يصدر عن النظام المجرم وأعوانه من تهديدات وتلميحات باقتراب معركة إدلب على محمل الجد، وندعو جميع الفصائل والتشكيلات في المنطقة أن يفعلوا كذلك”.
وتشكلت الجبهة نهاية شهر تموز/يوليو الماضي إثر اندماج كبرى الفصائل العسكرية في المنطقة عدا هيئة تحرير الشام، وتتلقى دعما من تركيا.
ولفتت الجبهة إلى أن مصير المنطقة “أضحى أخطر بكثير من أي تهاون أو مزايدة”، في إشارة إلى التحركات الداخلية والدولية والتصريحات الصادرة عن الأطراف المعنية بالملف السوري، وأنها أعدت العدة والخطط العسكرية اللازمة لمواجهة أي هجوم متوقع، واعتبرت أن “الدفاع عن الأرض والعرض” هو الخيار الوحيد لفصائل المنطقة.








