إيران تدفع الولايات المتحدة لتعزيز تواجدها العسكري “غير المجدي” في سوريا

بدأ التدخل العسكري الأمريكي الصريح في سوريا قبل أكثر من ثلاث سنوات، وكان عبارة عن بعثة صغيرة مكونة من خمسين عنصرا من القوات الخاصة من النوع الذي ينشره البنتاغون...
نقطة عسكرية أمريكية في محافظة دير الزور

بدأ التدخل العسكري الأمريكي الصريح في سوريا قبل أكثر من ثلاث سنوات، وكان عبارة عن بعثة صغيرة مكونة من خمسين عنصرا من القوات الخاصة من النوع الذي ينشره البنتاغون حاليا في اثني عشر بلدا حول العالم للمراقبة والإنذار المبكر.

ففي خريف عام 2015، أوعز الرئيس السابق باراك أوباما بنشر خمسين من عناصر الكوماندوز لدعم الفصائل السورية في حربها ضد تنظيم داعش، ورفضت إدارته حينها أن يكون قد أخل بوعده بعدم إرسال أي جندي أمريكي إضافي خارج الحدود، وقال إن “هذا مجرد امتداد” للقوات الموجودة بالفعل في المنطقة سواء في العراق أو تركيا.

ومنذ ذلك الحين، ازداد عدد العسكريين الأمريكيين في سوريا بشكل مطرد، أولا ارتفع إلى مائتين وخمسين، ثم إلى خمسمائة، ثم إلى ألفين. وهناك سبب للاعتقاد الآن بأن الرقم الحقيقي هو ضعف ذلك، حيث رجح ضابط أمريكي رفيع المستوى، خلال مؤتمر صحفي عقد في تشرين الأول/أكتوبر 2017، بأن يكون العدد قد وصل إلى أربعة آلاف.

ومع أن الكونغرس الأمريكي لم يأذن بعمل عسكري في سوريا، كما لا يوجد تفويض من الأمم المتحدة يسمح باستخدام القوة ضد تنظيم داعش أو غيره من التنظيمات في سوريا، بحسب سيث هارب في صحيفة النيويوركر اليوم، إلا أنه وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية تحولت مهمة القوات الأمريكية إلى شيء أشبه بالحرب البرية التقليدية، وقامت الولايات المتحدة ببناء عشرات القواعد من منبج إلى الحسكة، بما في ذلك أربعة مطارات، وباتت القوات المدعومة أمريكيا الآن تسيطر على كل الجزيرة السورية، وهي منطقة تعادل مساحة كرواتيا.

ومع أن عملية “الإصلاح المتأصل” في سوريا، كما يسميها البنتاغون، “سرية” وتقع تحت إشراف قيادة العمليات الخاصة المشتركة المعروفة باسم jsoc، فإن الحقائق الأساسية للدوافع والاستراتيجيات والخسائر تبقى طي الكتمان، بما في ذلك تكلفة المهمة والوحدات المعنية ومواقعها وعدد الجرحى.. فيما أحصت وسائل الإعلام الأمريكية مقتل أربعة من عناصر القوات الأمريكية في سوريا على مدى السنوات الثلاث الفائتة.

الغرض المعلن من العملية العسكرية الأمريكية في سوريا ضمن استراتيجية التحالف الدولي هو هزيمة تنظيم داعش، وفي عهد أوباما سيطرت قوات سوريا الديمقراطية بدعم من البنتاغون على مساحة واسعة من الأرض التي كان تنظيم داعش يسيطر عليها في الجزيرة السورية، ومع تولي دونالد ترامب منصبه في البيت الأبيض هدأت حدة الحملة التي تدعمها واشنطن لمدة ثلاثة أشهر، كانت وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكيتين تعملان على خطة بديلة أمر بإعدادها الرئيس الجديد إلا أن المسؤولين فشلوا بترجمة رؤية ترامب إلى خطة بديلة عن خطة أوباما ضد داعش ليضطر في النهاية إلى متابعة المسيرة ومضاعفة عدد القوات بهدوء وإرسال المزيد من القوات، بما في ذلك قوات المارينز، ومزيد من الأسلحة والذخائر والعربات، ما أدى إلى تحرير الرقة في تشرين الأول/أكتوبر 2017 وإنهاء وجود دولة الخلافة الإسلامية التي أعلن عنها داعش 2014.

اليوم قوات الكوماندوز ومشاة البحرية الأمريكية تعمل على تطهير الجزيرة السورية من آخر بقايا تنظيم داعش في وادي نهر الفرات في دير الزور، وهو ما وفر الكثير من الجهد والعناء على نظام الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين الذين يدّعون أنهم يحاربون التنظيم، فيما تنحصر جهودهم بالتفاوض مع التنظيم لإخلاء المناطق التي يسيطر عليها واحدة تلو الأخرى مقابل أسرى أو معتقلين أو مختطفين أو أموال “طائلة”، كما وفر الكثير على النظام وحلفائه ليتمكنوا من السيطرة على الغوطة الشرقية ودرعا وقريبا إدلب.

وتثير خريطة سوريا المقسومة إلى ثلاث مناطق نفوذ: منطقة التحالف الروسي الإيراني، ومنطقة التحالف الأمريكي، ومنطقة التحالف التركي، إمكانية التوصل إلى سلام تفاوضي بين المنطقتين الأوليين، بالنظر إلى أن الكرد وبشار الأسد لم يعلنوا أبدا الحرب على بعضهم البعض، وأن الولايات المتحدة وروسيا ليس لهما أي مصلحة في مواجهة عسكرية، لتبقى المنطقة التركية الأكثر استعصاءا على التفاوض بحكم التطرف التركي ضد نظام الأسد بحيث يصعب إبرام أي اتفاق بين الطرفين، واستحالة الالتقاء التركي الكردي في سوريا على أي أرضية.

ورغم البراغماتية التي يتصرف بها الأتراك في سوريا بتنسيقهم مع الأمريكان “حلفاء أعدائهم الكرد” ومع الروس “حلفاء عدوهم الأسد”؛ إلا أن لتلك البراغماتية حدود لا تسمح بمد اليد نحو الكرد أو الأسد الآن أو في المدى المنظور طالما أردوغان وحزب العدالة والتنمية في سدة الحكم في تركيا.

أما الأمريكان الذين يمكنهم عقد اتفاق مع الروس لضمان حل في سوريا بين الكرد ونظام الأسد يحفظ البلد من التقسيم ويعيد سيطرة شكلية مدنية للنظام على الجزيرة السورية، إلا أن ذلك غير ممكن بوجود إيران ووجود عشرات الآلاف من المستشارين العسكريين وعناصر الحرس الثوري والمرتزقة الأفغان والباكستانيين والعراقيين واللبنانيين في سوريا. وقد وعد ترامب حلفاءه العرب بـ”قصقصة أجنحة إيران” في المنطقة وإرجاع قواتها إلى داخل حدودها وعدم تكرار أخطاء الماضي في العراق، ولأجل ذلك فرض عقوبات اقتصادية قاسية غير مسبوقة على طهران وأطلق يد إسرائيل لاستهداف أي هدف إيراني في سوريا حتى 300 كلم من الحدود في الجولان المحتل.

اليوم تجد القوات الأمريكية نفسها والقوات الإيرانية “على مرمى حجر” يفصل بينهما نهر الفرات في دير الزور والرقة، ومسافة أقل في حلب. ومع حرص إيران الأكيد على تجنب أي مواجهة عسكرية مع أمريكا أو إسرائيل، ومع تأكد واشنطن وتل أبيب من ذلك؛ إلا أن ذلك لا يمنع من أن إيران لا أحد يريد بقاءها في سوريا لأنها تعطل الحل السياسي الذي رغم تقلصه إلى الحد الأدنى من تلبية مطالب الشعب السوري التي أقرتها الشرعة الدولية وبيان جنيف والقرار 2254، فالأسد الذي يتقوى ظاهريا بالروس حاليا، إلا أن مصدر قوته الحقيقي كان ومازال إيران ونظام الملالي في طهران، وبالتالي بات يتبجح برفض أي مبادرة دولية للحل. وحتى اللجنة الدستورية “الهزيلة” غير المعروف مهمتها أو دورها والتي تمخض عنها “جبل جنيف” بات يعطلها ما يهدد بفشل مؤكد لها.

معلوم أن واشنطن لا يعنيها من سوريا إلا أمن إسرائيل، وهو ما يحققه ويقوم به نظام الأسد منذ خمسين عاما، ولا تجد واشنطن غضاضة من استمراره في أداء مهامه مع عدم وجود بديل موثوق عنه، ولكن أزمة واشنطن في سوريا تتمثل بإرضاء حلفائها العرب بالعمل على طرد إيران من سوريا. العرب يستشعرون تخوفا وجوديا ومصيريا من إيران وحلفها في المنطقة ونجاحها في السيطرة على أربع دول سيطرة كاملة خلال السنوات الخمس عشرة الفائتة، وأربع أخرى مرشحة لتتبع إيران بسيطرة أشد فجاجة في وقت أقصر وأقرب بكثير من ذلك.

ومع نجاح العرب في حرف البوصلة الأمريكية عن إيران 180 درجة مع وجود ترامب في البيت الأبيض، يسعون إلى أن إنهاء “الحلم الفارسي” بالسيطرة على عدن والشام و”الحلم الصفوي” بالسيطرة على الحجاز، والنظام العربي أدرك مدى الخطأ الفادح الذي ارتكبه بترك العراق فريسة مجانية لإيران رغم أنه هو من عمل ودفع لإسقاط نظام صدام حسين، ولم يعد ممكنا السكوت عن تجاوزات إيران التي باتت تهدد صراحة باحتلال ما تبقى من الدول العربية، وخلاياها النائمة والصاحية منتشرة في البحرين والكويت وحتى الجزائر والمغرب، وصواريخ المليشيات الحليفة لها باتت تتساقط على السعودية والإمارات بعد أن كانت متخصصة بقتل العراقيين واللبنانيين والسوريين واليمنيين.

رغم عدم تصريح القوات الأمريكية والإعلام الحربي التابع لإيران؛ إلا أن عشرات “الحوادث” وقعت للقوات الإيرانية المليشيات التابعة لها في سوريا على مدى السنوات الثلاث الفائتة بضربات أمريكية مباشرة سيما في البادية السورية وحول معبر التنف الحدودي مع العراق والأردن، حيث تعمل القوات الأمريكية “بكل جدية” لمنع دخول الإيرانيين عبر الطريق السريع بين بغداد ودمشق، وهو ما يثير حنق موسكو التي طالما استنكرت التواجد الأمريكي في المنطقة وما يقوم به من “حد لحرية” إيران من التواجد والتحرك في سوريا للتخفيف من أعباء حماية الأسد والتي ارتفعت كلفتها كثيرا على روسيا التي تعاني أيضا من حصار اقتصادي أمريكي وأوروبي غير مسبوق بسبب أوكرانيا والقرم وسالزبري.

ومع تولي جون بولتون مهام المستشارية للأمن القومي الأمريكي استفحل مأزق إيران في سوريا، فهو من مهندسي حرب العراق قبل خمسة عشر عاما ولديه باع طويل من الخبرة في المنطقة، وفي وقت سابق قال خلال حديث لشبكة فوكس نيوز: “يجب أن يكون هدفنا تغيير النظام في إيران”، وبعد شهر من انضمام بولتون إلى البيت الأبيض ألغت إدارة ترامب الاتفاق النووي الإيراني وأعادت فرض العقوبات التي كانت تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني.

ليس بولتون وحسب، فهناك بريان هوك، أحد مساعدي بولتون خلال إدارة بوش، هو الآن الممثل الخاص لترامب إلى إيران، وجيمس جيفري، وهو دبلوماسي شغل منصب القائم بالأعمال في عهد بوش في بغداد، هو الآن أيضا الممثل الخاص لوزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو في سوريا. وفي 6 أيلول/سبتمبر الفائت أعلن جيفري أن ترامب وافق على إبقاء القوات الأمريكية في سوريا إلى أجل غير مسمى، وقال: “لسنا في عجلة من أمرنا”. وفي 22 من الشهر نفسه تحدث المحامي الشخصي لترامب، رودي جولياني، خلال اجتماع للمعارضة الإيرانية في مانهاتن فقال “لا أعرف متى سنطرد” الملالي من طهران، “قد يكون في غضون بضعة أيام، أشهر، بضع سنوات.

وفي 24 أيلول أكد بولتون خلال مؤتمر صحفي في نيويورك أن القوات الأمريكية لن تنسحب من سوريا حتى تختفي جميع القوات الإيرانية، بما في ذلك “الوكلاء والمليشيات”، والتي يمكن أن تصف أي عدد من الجماعات المسلحة، بما في ذلك نظام الأسد نفسه. وواصل وصف إيران بأنها “نظام مارق”، وأصدر وثيقة لمجلس الأمن القومي تحدد فيها إيران كأعلى أولويات الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب.

وفي 28 أيلول أمر وزير الخارجية مايك بومبيو بإخلاء القنصلية الأمريكية في البصرة بناء على زعم مشكوك فيه أنه تعرض لإطلاق الصواريخ من المليشيات الإيرانية، وقد توّجت هذه الخطوة من الحرب على العراق في 25 أيلول عندما كرر ترامب في خطاب له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تهديد بوش لصدام حسين في عام 2002 فقال عن إيران “لا يمكننا السماح للعالم الراعي الرئيسي للإرهاب بامتلاك أخطر أسلحة كوكب الأرض”.

بطبيعة الحال إيران لم ولن تسكت وهي ترى عشرات المليارات التي أنفقتها في سوريا على مدى أكثر من 25 عاما تذهب سدا، وترى آلاف المقاتلين الذين عادوا إليها في صناديق على مدى ثمان سنوات ذهبوا بلا طائل. ففي الأول من تشرين الأول/أكتوبر الفائت أطلقت إيران صواريخ عبر العراق مستهدفة مواقع قرب القوات الأمريكية قالت إنها تابعة للمقاومة الأحوازية في دير الزور ردا على هجوم استهدف عرضا عسكريا إيرانيا في عربستان، وبعد الضربة، أصدر علي شمخاني، نظير بولتون في طهران، بيانا موجها إلى الولايات المتحدة: “قال جون بولتون أننا يجب أن نأخذهم على محمل الجد. لقد أخذكم قائد قواتنا الجوفضائية على محمل الجد وسقطت صواريخنا على بعد ثلاثة أميال منكم”.

كان من الممكن لحادثة كهذه أن تعطي لبولتون وآخرين من طرازه ذريعة لإقناع ترامب بشن حملة قصف على البنية التحتية العسكرية الإيرانية، ولكن أمريكا-ترامب ليست أمريكا-بوش، ولا يمكن لأمريكا تكبّد ترليون دولار مجددا لضرب إيران كما فعلت سابقا لضرب العراق، خصوصا مع ابتعاد إيران عن استهداف إسرائيل كل البعد وحرصها الدائم على إيصال رسائل التطمين لتل أبيب عبر موسكو وانصياعها انصياعا “مضاعفا” لطلبات نتنياهو والكنيست الإسرائيلي، فإذا طلبوا منها الابتعاد 160 كلم عن الجولان المحتل فإنها تبتعد 300، وهذا كل ما يشغل بال ترامب، أما مطالب الحلفاء العرب فيمكن التحدث بشأنها على مهل مع ضمان أمن نسبي يبقي إيران ضمن حدودها ويقلم أظافر أتباعها في سوريا واليمن ولبنان ويحدّ من انتشار طاعون الملالي في بقع عربية جديدة.

فالولايات المتحدة لا تعتبر إيران، بما تمثله كمرجعية للطائفة الشيعية في المنطقة، خطرا يوازي مجموعات الإسلام السياسي والمجموعات الإسلامية المتطرفة المسلحة على مصالحها ومصالح حلفائها وعلى رأسهم إسرائيل، وحتى مع إعلان ترامب الحرب على إيران اقتصاديا لدعمها للإرهاب لا يبدو ذلك ذا قيمة مقابل ما تقوم به إدارته ضد التنظيمات الإسلامية السنية سواء الراديكالية أو السياسية، خصوصا مع تمرس إيران وتكيفها مع نظام العقوبات الاقتصادية لسنين طويلة، حيث أنشأت امبراطوريات مالية “تحت الأرض” تمتد من أمريكا اللاتينية إلى الصين مرورا بالدول العربية نفسها التي تعلن الحرب على إيران سرا وجهرا.

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة