ترحيب قاتل ينتظر عودة اللاجئين السوريين

مع اقتراب الحرب السورية من نهايتها وتوقف القنابل البرميلية عن ترويع العباد وتدمير البلاد، يتم تشجيع اللاجئين السوريين على العودة إلى ديارهم من قبل البلدان التي فروا إليها، ومع...
لاجئون سوريون في عرسال يستعدون للعودة إلى سوريا مطلع آب 2017 - وكالة الأنباء الفرنسية

مع اقتراب الحرب السورية من نهايتها وتوقف القنابل البرميلية عن ترويع العباد وتدمير البلاد، يتم تشجيع اللاجئين السوريين على العودة إلى ديارهم من قبل البلدان التي فروا إليها، ومع ذلك فإن الذين يقومون بذلك يجدون أن الاضطهاد الذي تسبب في فرارهم لم يختف بعد، فقد اختفى بعض السوريين الذين عادوا إلى نظام السجون سيئة السمعة في البلاد، وهو تذكير صارخ بالمخاطر التي يواجهها اللاجئون السابقون في البلاد.

هكذا افتتحت أنشال فوهرا تقريرها في الفورين بوليسي الذي أوردت خلاله شهادات أدلى بها أقارب عدد ممن باتوا في عداد المفقودين إثر عودتهم إلى سوريا في مناطق سيطرة النظام، كما تم القبض على عدة أشخاص آخرين وتجنيدهم إجباريا أو احتياطيا في الجيش العربي السوري، فيما يدعي النشطاء أن هناك الكثير من هذه الحالات التي لم توثق لدى المنظمات الحقوقية المعنية.

وأشار التقرير إلى أن سوريا كانت ولا تزال دولة بوليسية لها نفس الحكومة ونفس الأجهزة الأمنية​​ المتهمة بآلاف عمليات الاحتجاز بدوافع سياسية، لكن الحكومات التي تستضيف أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين، بما في ذلك لبنان وألمانيا، تتعرض لضغوط سياسية محلية لإعطاء حوافز للاجئين للعودة إلى ديارهم، فيما حذرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين الحكومات من عمليات الإعادة القسرية لهؤلاء اللاجئين، الأمر الذي يتعارض مع القانون الدولي، وعلى الرغم من امتثال الدول المضيفة لهذا الإرشادات؛ إلا أنها تواصل تصميم سياسات تؤدي إلى نتائج مماثلة، مما يثير قلق كل من اللاجئين والناشطين.

اختار أحد الشباب العودة إلى دياره من ألمانيا بعد أن كان غير قادر على التغلب على العقبات البيروقراطية التي تمنعه ​​من الانضمام إلى خطيبته في سوريا، وكان هناك حافز إضافي يتمثل في عرض الحكومة الألمانية بمنحة قدرها 1200 يورو لمساعدته على العودة إلى سوريا بالإضافة إلى المشاعر المتزايدة المناهضة للاجئين.

بعد أسبوعين من عودته إلى دمشق، تم استدعاؤه للاستجواب في فرع المخابرات المحلي. ومن هناك اتصل هاتفيا بعائلته وأخبرهم أنه سيعود إلى المنزل قريبا، ولكن لم يسمع عنه منذ ذلك الحين أي خبر، ودفع والداه، اللذين حجبنا هويتهما لحمايتهما من انتقام النظام، لوسيط اكتشف أنه قد احتُجز ولا سبيل للإفراج عنه.

ابن عم الشاب، الذي لا يزال يقيم في ألمانيا، أخبر عن قصته، بشرط عدم الكشف عن هويته، وقال “لقد حاول عدة مرات المطالبة بجمع شمل مع خطيبته، لكنه لم يستطع ذلك”، لقد افتقدها وبدأ يشعر بالتعب والاكتئاب. هذا هو أهم سبب لتركه ألمانيا وعودته إلى دمشق”.

وتعتبر منحة الحكومة الألمانية التي شجعت الشاب على العودة جزءا من مخطط يُعرف باسم Starthilfe، والذي يترجم بشكل فضفاض إلى “المساعدة في البدء”، وقد وضعت ألمانيا ميزانية قدرها 43 مليون دولار لهذا البرنامج لتخفيف الضغوط المالية للأشخاص الذين قرروا بالفعل للعودة إلى الوطن، ومع ذلك يشير النقاد إلى أن البرنامج “عامل دفع” يدفع اللاجئين إلى المخاطرة بالعودة إلى ديارهم.

ومن القصص أيضا، قصة اختفاء رجل سوري آخر غادر ألمانيا في ظل ظروف مماثلة، وقال ابن عمه، الذي لا يزال يقيم في ألمانيا، إنه لم يستطع الحصول على الأوراق اللازمة لتمكين زوجته من الانضمام إليه، حيث تم تدمير جميع وثائقهم في مخيم اليرموك جنوبي دمشق حيث كانوا يعيشون خلال قتال بين قوات النظام وفصائل المعارضة.

لقد غادر ألمانيا واحتجز بالقرب من الحدود اللبنانية السورية، وقال ابن عمه “لا نعرف شيئا عنه بعد ذلك”، مضيفا أنه بدون زوجته، وجد الرجل صعوبة في التكيف مع الحياة في ألمانيا، وهي ثقافة غريبة عنه “لم يستطع التعامل معها”.

لا أحد يتهم ألمانيا بالتصرف بشكل غير قانوني في قضايا مشابهة لقضية هذين اللاجئين، فكلاهما عاد طوعا، لكن ردود الفعل العنيفة المستمرة لسياسة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل تجاه اللاجئين في عام 2015 أجبرت الحكومة على اتباع سياسات تضع اللاجئين السوريين في النهاية في نفس الخطر الذي فروا منه، وتثير هذه السياسات تساؤلات حول ما إذا كان على الحكومات واجب العناية تجاه اللاجئين الذين يعودون بما يتجاوز نص القانون.

لقد اختفى عشرات الآلاف من المواطنين السوريين ببساطة في المعتقلات والسجون التابعة للنظام في سوريا، مع عدم وجود سجل بمصيرهم أو مكان وجودهم منذ اندلاع الثورة 2011، واللاجئون العائدون معرضون بشكل خاص لمثل هذه المعاملة القاسية، حيث شارك بعض الذين يعيشون الآن كلاجئين في المظاهرات السلمية أو يشتبه في كونهم من الثوار ممن حملوا السلاح ضد النظام، أو من أقارب هؤلاء الثوار، بالإضافة إلى أن النظام يعتبر من يغادر البلاد سببا في الشك في ولائه له وتأييده للثورة.

تقول بيليندا بارتولوتشي، مستشارة السياسة القانونية في منظمة حقوق اللاجئين الألمانية “برو أسيل”، إن قرار برلين بتقييد لم شمل الأسرة قد يجبر الأشخاص الذين فروا من الحرب والتعذيب على اتخاذ خيارات خطيرة، بما في ذلك العودة إلى بلد يواجهون فيه الاضطهاد أو القتل، والحكومة الألمانية لم تفهم تماما بعد تأثير سياساتها هذه على هؤلاء اللاجئين. وفي حين أن الحكومة الألمانية لم تنتهك القانون الدولي بهذه التصرفات إلا أنه لا تزال هناك أسئلة أخلاقية للإجابة عليها فيما إذا كان سلوكها يساهم في دعم قرار العودة للأشخاص الذين ما زالوا يتعرضون لخطر الاضطهاد، و”على المرء أن يسأل نفسه عما إذا كان هذا هو فهم حقوق الإنسان التي ينبغي تعزيزها”.

أما بيل فريليك من منظمة هيومن رايتس ووتش فيقول إن مزيجا من عوامل الدفع قد يصل إلى حد الإعادة القسرية أو الإجبارية، حتى في حالة عدم وجود سياسة رسمية، وبموجب مفهوم “الإعادة القسرية البنّاءة”، فإن الأثر التراكمي للظروف في الدولة المضيفة، والتي لا ينتهك أي منها بمفرده مبدأ عدم الإعادة القسرية، يمكن أن يجبر اللاجئ فعليا على العودة في انتهاك للقانون الدولي العرفي”.

ويقول أحمد حسين، الرئيس التنفيذي لمجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا، والتي تتخذ من المملكة المتحدة مقرا لها، ويتتبع تحديدا عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى سوريا، كل من الرجلين السابق الإشارة إليهما سابقا فلسطينيين سوريين، “إنه في كانون الأول/ديسمبر 2018 اعتقلت القوات الحكومية السورية العديد من اللاجئين الفلسطينيين الذين عادوا إلى سوريا من دولة أوروبية بعد رفض طلباتهم لم شمل الأسرة، وأضاف “تم اعتقال مجموعة اللاجئين بعد أن استدعتهم الشرطة في مطار دمشق للاستجواب في فرع فلسطين. لقد حُجبت حالتهم ومكان وجودهم مازال لغزا”.

كما سمع يوسف وهبي، الناشط السوري المقيم في ألمانيا، عن هذه المجموعة من الاعتقالات، وقال إنه يعتقد أن هناك الآن شهادات كافية لطرح أسئلة حول السياسة الألمانية، وأن الألمان لا يجبرونهم على العودة، ولكن إذا أراد شخص ما العودة فإنهم يتركونه يرحل، ويقومون بحملة لتشجيع الناس على العودة. في وضع مثالي ، قد يقولون إنه لا يزال غير آمن ، لكن السياسة الألمانية لا تسمح لهم بذلك “.

ويلفت حسين إلى أن ثلاثة أشخاص على الأقل ممن عادوا إلى سوريا مؤخرا قادمين من لبنان اختفوا أيضا، وتزعم الحكومة اللبنانية أن 110 آلاف سوري قد عادوا طوعا إلى سوريا في العام الماضي، فيما الرقم الرسمي للمفوضية هو 17 ألف شخص، وقالت إيلينا هودجز، الباحثة في “سوا للتنمية والمساعدة” التي تتخذ من بيروت مقرا لها، إن الأرقام التي نشرتها الوكالة الحكومية اللبنانية مضخمة، وأن تأكيدهم على أن الناس قد غادروا طواعية يمثل قضية خلافية، ولفتت إلى أن ما يدور حوله النقاش هنا هو المكان الذي يجب أن نربط فيه بين “القسري” و”الطوعي”.

ومنذ بداية الثورة السورية صعبت لبنان على أكثر من مليون لاجئ سوري البقاء في البلاد، وفرضت قيودا على التوظيف، وجعلت الحصول على إقامة قانونية أمرا صعبا ومكلفا، وأصبح العديد من اللاجئين يعانون من الديون ونقص الغذاء، كما تم إجبار الآلاف من الأطفال على الزواج المبكر أو التسول في الشوارع، ويقول معظم السوريين في لبنان إنهم ما زالوا يعتقدون أنه من غير الآمن العودة، ويقول البعض إنهم يفعلون ذلك فقط لأنهم يجدون أنه من المستحيل العيش في ظروف بائسة مسموح لهم بها.

ويشير هودجز إلى أن الحكومة اللبنانية ترى أن جميع العائدين حتى الآن عادوا طواعية، وأنها تحترم مبدأ عدم الإعادة القسرية فيما “يجادل المدافعون عن الحقوق ومنظمات المجتمع المدني بأن الضغط المتزايد على اللاجئين للعودة إلى جانب تدهور الأوضاع في البلدان المضيفة ومخاطر الحماية بلا هوادة في سوريا تضيف إلى سياق تكون فيه العودة غير إجبارية.”

وتنص اتفاقية الأمم المتحدة للاجئين لعام 1951 بوضوح على أن الإعادة الإجبارية غير مسموح بها إذا كانت “الحياة أو الحرية مهددة بسبب عرقه أو دينه أو جنسيته أو عضويته في جماعة اجتماعية معينة أو رأي سياسي”. ويطالب الناشطون في الدول المضيفة للاجئين السوريين في حال وجود حالات عودة بحضور ممثلي المفوضية حتى يمكن تقديم المشورة الدقيقة للأمن على أرض الواقع مع مراعاة ظروف الراغبين بالعودة الشخصية، وعلى الرغم من أن الاعتقالات التي ينفذها النظام السوري بحق العائدين يمكن أن تكون عشوائية، إلا أن الأشخاص المرتبطين بالاحتجاجات المناهضة له يواجهون تهديدا أشد وأخطر.

صحيح أن بشار الأسد وحلفائه لم يعودوا يسقطون القنابل على المناطق التي يسيطرون عليها إلا أن أجهزته الأمنية، المتهمة بإصدار أوامر بالتعذيب وآلاف من الاعتقالات غير القانونية وعمليات القتل خارج نطاق القضاء، لا تزال قائمة. وفي الصيف الماضي، ربما عن غير قصد، جددت حكومة النظام تركيزها على سجل انتهاكات حقوق الإنسان عندما بدأت في إصدار شهادات وفاة للمئات ممن ماتوا أثناء احتجازهم. وتقول هيومن رايتس ووتش إن الاعتقالات مستمرة أيضا لمن ظلوا في مناطق المعارضة بعد أن سيطر عليها النظام مثل محافظة درعا في تموز/يوليو 2018.

وبناءا على الأرقام التي تتقاسمها مع النشطاء عائلات العائدين المقبوض عليهم، فإن أعداد العائدين المضطهدين لا تزال صغيرة نسبيان وربما يكون الوقت لم يفت بعد لإنقاذهم أو حمايتهم، لكن يبدو أن حكومات الدول المضيفة، التي تحرص على تلبية مطالب ناخبيها، تقع ضحية لأوهام التمني أن لا يصيب العائدين مكروه رغم أن احتمالية ذلك كبيرة.

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة