الليرة تخسر أكثر من 50% من قيمتها خلال ثلاثة أشهر

في الوقت الذي تعيش فيه الليرة السورية عصر انحدارها الأقسى، بسبب تراكم الفشل الحكومي وتدمير القطاعات الإنتاجية وشح رأس المال البشري بسبب عوامل اللجوء والهجرة والنزوح يضاف إليها عقوبات...
مصرف سوريا المركزي

في الوقت الذي تعيش فيه الليرة السورية عصر انحدارها الأقسى، بسبب تراكم الفشل الحكومي وتدمير القطاعات الإنتاجية وشح رأس المال البشري بسبب عوامل اللجوء والهجرة والنزوح يضاف إليها عقوبات دولية صارمة وأزمة سياسية واقتصادية غير مسبوقة في الجارة لبنان؛ خسرت الليرة السورية أكثر من 50% من قيمتها خلال ثلاثة أشهر وسط توقعات باستمرار الأزمة واستفحالها في المدى القريب أيضا.

تدهور قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي وبقية العملات الأجنبية وصل إلى أعلى مستوياته في البلاد منذ اندلاع الحرب التي شنها نظام الأسد على الشعب السروي، حيث يسجل سعر تصريف الدولار مقابل الليرة السورية تصاعدا متسارعا وشبه يومي أسفر هذا التدهور عن زيادة باهظة في أسعار مختلف البضائع والسلع، ما شكّل عبئا على المواطنين، بعد أن ازدادت الأسعار في السوق بنفس النسبة لكل البضاعة وحتى الأساسيات منها كالخبز واللحوم والخضار والسكر والأرز وغيرها، ما يرهق المواطنين في توفير احتياجاتهم الأساسية.

وتقول تقارير محلية إن أعدادا كبيرة من العائلات السورية أُضيفت إلى الطبقة الفقيرة بعد أن كانت قادرة على سد احتياجاتها خلال الشهر أصبحت الآن تستنزف دخلها الشهرية خلال أيام الشهر الأولى فقط، نتيجة الغلاء الفاحش سواء في مستوى الأسعار أو في الخدمات، الأمر الذي أدى إلى تراجع كل مقومات الحياة المعيشية لدى معظم الأسر السورية وفي كل المناطق وخصوصا في المناطق التي تسيطر عليها قوات النظام.

وارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية، حيث وصل سعر كيلو السكر إلى 500 ليرة سورية، ولتر الزيت النباتي إلى 1300 ليرة سورية، وكيلو الأرز 950 ليرة، كما وصل الغلاء إلى المحروقات في السوق السوداء، حيث وصل سعر الأسطوانة الواحدة من الغاز إلى 8000 ليرة مع شحها، والبنزين بات يباع بثلاثة أضعاف سعره مع ندرته ويباع اللتر الواحد بـ700 ليرة سورية، وكذلك المازوت وأيضا الخضار والفواكه كلها ارتفعت أسعارها بنسب كبيرة تصل إلى 50% عن سعرها السابق.

وبعد أن شهد سعر صرف الليرة السورية، الأسبوع الماضي، تدهورا متسارعا أمام الدولار الأمريكي، وصل على إثره إلى أدنى مستوى له في تاريخها منذ عشر سنوات ليتخطى حاجز الألف ليرة مقابل الدولار الواحد، أكد خبراء ماليون أن أزمة لبنان المالية هي من ألحقت الضرر الشديد باقتصاد سوريا، وذلك إثر تجفيف منبع حيوي للدولارات دفع الليرة السورية إلى مستويات قياسية منخفضة.

فمن المعروف أن اقتصاد النظام السوري، الذي تحجبه عقوبات غربية عن النظام المالي العالمي، يعتمد على الروابط المصرفية مع لبنان للإبقاء على أنشطة الأعمال والتجارة منذ اندلاع الثورة السورية قبل أكثر من تسعة أعوام.

وفي الوقت الذي تفرض فيه البنوك اللبنانية قيودا مشددة على سحوبات العملة الصعبة والتحويلات النقدية إلى الخارج، يتعذر وصول أثرياء سوريين تابعون للنظام وموالون له إلى أموالهم، حيث إن تدفق الدولارات إلى سوريا من لبنان شبه متوقف، بحسب ما أفاد رجال أعمال ومصرفيون في دمشق وفي الخارج.

وعاش سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي صعودا وهبوطا منذ عام 2011 حيث كان الدولار الواحد يساوي 48 ليرة سورية لا غير، ثم بدأت الأمور بالانحدار مع كل جديد يعصف بالبلد ومع كل جريمة يرتكبها النظام وتترتب عليها عقوبات اقتصادية جديدة، عقوبات متصاعدة في الشدة والقسوة.

ويؤكد خبراء المال أن الاضطرابات الجارية في لبنان أسهمت بشكل كبير في التدهور السريع الحالي الحاصل في سعر صرف الليرة السورية، حيث شكلت لبنان مصدرا رئيسيا للعملة الصعبة بالنسبة للنظام السوري، لكن مع الأحداث الأخيرة في لبنان بات الأمر معكوسا ليعتمد اللبنانيون على العملة الأجنبية الموجودة في سوريا وحاولت العديد من البنوك الدائرة في فلك الاقتصادر السوري ودعم حزب الله سحب الدولار من سوريا إلى لبنان لتغطية نفسها وسد عجز هائل على الصرف والسيولة في لبنان.

من جهة أخرى، فإن كثيرا من التجار السوريين وأصحاب رؤوس الأموال وللحفاظ على مصالحهم قاموا منذ اندلاع الثورة في سوريا بإيداع جزء كبير من أموالهم بالعملة الأجنبية في مصارف لبنانية، وكانوا يسحبون منها بين الحين والآخر مبالغ معينة ويدخلونها إلى سوريا، لتسيير أمورهم ومصالحهم، ولكن بعد ما حدث في لبنان والقرارات الأخيرة هناك بشأن عمليات السحب من المصارف تقلصت إلى حد كبير المبالغ من العملة الأجنبية التي كان هؤلاء التجار يدخلونها إلى سوريا، ما أدى إلى ازدياد الطلب على الدولار وتراجع سعر صرف الليرة، في حين لا يوجد رقم دقيق لأرقام الأموال أموال التجار السوريين المودعة في المصارف اللبنانية.

وأدى تراجع سعر صرف الليرة السوريّة مقابل الدولار الأمريكي، لارتفاعٍ جنوني في أسعار المواد والخدمات، لاسيما أن هذا التراجع الكبير هو الأول من نوعه منذ سنوات، بعد أن تعدى سعر الصرف مقابل الدولار الواحد حاجز الألف ليرة سوريّة.

كما يواجه المواطنون السوريون في مختلف أنحاء البلاد صعوبات كبيرة في تأمين مستلزماتهم خاصة الغذائية وكذلك المتعلقة بفصل الشتاء كمواد التدفئة والمحروقات إلى جانب المواد الطبية والأدوية المستوردة، في حين أن حكومة عماد خميس في دمشق أصدرت مرسوما يقضي بزيادة رواتب الموظفين من المدنيين والعسكريين، وهذه الزيادة تقدر بنحو 26 دولارا أمريكيا.

وعلى الرغم من الانتكاسات التي كانت تشهدها الليرة السورية بين الحين والآخر، تعايش السوريون مع الأوضاع مرغمين، مع اعتمادهم الكبير على مساعدات ذويهم المغتربين المقيمين خارج البلاد، ففرق صرف العملات الأجنبية كان كفيلا لأن يحل جزءا من المشاكل لكن اليوم ومع تفاقم حدة العقوبات الدولية وحالة الشلل التام في عجلة الانتاج بالإضافة إلى العقوبات على إيران وروسيا وأيضا الأحداث الجارية في لبنان فإن الوضع لم يعد بالمقدور تداركه أو إيجاد حل له.

ومع بدء أزمة الدولار مؤخرا اتهم مصرف سوريا المركزي “صفحة” على موقع فيسبوك تعنى بأسعار صرف الليرة، هذه الصفحة التي تعتبر متابعة للسوق والأسعر وموثوقة لدى السوريين، إلا أنها توقفت عن نشر أسعار الصرف بعد اتهامات أطلقها المصرف بأنها تقوم بالمضاربة على أسعار الصرف بتوجيهات خارجية لكنها عاودت نشاطها من جديد بعد ثبوت زيف ادعاءات مصرف سوريا المركزي وتهافتها.

وعرضت الصفحة حين قررت وقف النشر، سعر “50 مبيعا – 48 شراء”. وقالت: “إغلاق تمناه كثير من متابعي “سيريا ستوكس” وهو السعر الذي كان عام 2011″، أي قبل اندلاع الثورة في سوريا.

وأضافت: “هكذا نكون قد لبينا نداء الكثيرين وأصبحت الكرة في ملعب مصرف سوريا المركزي، بانتظار ماذا سوف يصدر عنه من قرارات، فيما شددت على أنها تنقل لمتابعيها “واقع السوق لحظة بلحظة كما هو. ولا تقوم بالمضاربة في الأسواق أو تحرض على المضاربة بالليرة السورية”.

ومع كل هذه التغيرات التي ليس بوسع الشارع السوري احتمالها من ارتفاع جنوني في الأسعار وتدهور حاد متسارع في قيمة الليرة، قام بشار الأسد مطلع الشهر الجاري بزيادة رواتب الموظفين 20 ألف ليرة، أي ما يعادل 25 دولارا، في حين أن زيادة الرواتب هذه وبحسب مطلعين لا يمكنها سد فجوة ارتفاع الأسعار والأجور، حيث يتراوح متوسط رواتب وأجور العاملين في القطاع العام بين 20 ألف ليرة “25 دولارا” و40 ألف ليرة “60 دولارا” شهريا، وفي القطاع الخاص بين 100 ألف ليرة “140 دولارا” و150 ألف ليرة “200 دولار” شهريا، في حين يحتاج الفرد إلى أكثر من 100 ألف ليرة للعيش بالحد الأدنى.

ولا تبدو “سياسة الترقيع” التي ينتهجها النظام وحلفاؤه مجدية بعد اليوم حيث كانت حكومة النظام تؤمل على بدء تدفقات من الدول المانحة لإعادة إعمار سوريا مما يتيح عدوة عجلة الاقتصاد للدوران ولكن هذا يبدو مستحيلا طالما أن من يتصدر المشهد في دمشق حفنة من الفاسدين والمجرمين المطلوبين للعدالة الدولية.

أقسام
من الانترنت

أخبار متعلقة