زيارة موسكو وانعكاسها على موقع التيار ودوره في الحل السياسي

المراقبون للوضع في سوريا أصبحوا على قناعة تامة أن الممسك بزمام الأمور هي روسيا، بما في ذلك أدق تفاصيل الحل السياسي، فروسيا جعلت من نفسها الآمر الناهي، بمباركة من النظام السوري الذي جعل البلاد شربة ماء أمام التدخل الخارجي. وعلى أساس ذلك، أصبح النظام الآمر الناهي، والوصي الشرعي للشعب السوري في المحافل الدولية بل وفي المعارك على الأرض في محاربة الإرهاب كما يدعي.

الأمر ذاته ينطبق على التنظيمات الإرهابية التي جعلت من سوريا مرتعا ومأوى للمقاتلين الأجانب الذين أتوا من كل أصقاع الدنيا بحجج واهية، ومنها مقاتلة النظام والدفاع عن الشعب السوري.

كل ذلك جعل العالم متمثلا بالقوى الكبرى والإقليمية المؤثرة في الأزمة السورية أكثر قناعة بأن الحل للأزمة السورية لن يكون بعد الآن إلا حلا سياسيا يمر عبر أبواب موسكو التي تبحث عن حل لايكسر إرادتها وهيبتها الدولية.

على صعيد سوريا وبحكم المنطق لا أحد يستطيع إيقاف ما تفعله روسيا في سوريا بالقوة، بسبب سياسة روسيا التي لا تريد حلا يؤدي إلى ظهور حكومة يإيديولوجية دينية إسلامية” قد تساعد في رسم تكتلات جديدة في المنطقة ربما تكون لصالح القطب الأكبر وهي أمريكا، وهو يتعارض ومصالح روسيا في المنطقة. ولكن من الناحية الأخرى دائما ما تفاجئنا موسكو بتصريحات وخطوات تتخذها تدل أن موسكو بالفعل ليست متمسكة بأشخاص أو حكومة محددة.

كثير من المعارضات أحجمت عن التعامل أو التواصل مع موسكو مع بدأ تدخلها العسكري في سوريا وأبدت اعتراضها أو تقديم وجهة نظرها مما يحدث سواء في تدخل موسكو العسكري أو حتى في اقتراح رؤية مستقبلية لحل سياسي يحد من تدخل موسكو العسكري، ويحصره ضمن ضمن مناطق الجماعات الإرهابية. لذلك تتعامل موسكو مع طرف واحد في محاربة الإرهاب في سوريا وهو النظام السوري، والذي استغل ذلك وباعتراف روسيا ذاتها التي صرحت بأنه لا يوجد سوى النظام السوري من الأطراف المتصارعة في سوريا يتعامل معها، وبأنه مصدر المعلومات والإحداثيات المستهدفة على الأرض، أي أن النظام جعل التدخل العسكري الروسي يصب في صالحه على الأرض وكذلك سياسيا في المحافل الدولية.

الحدث الأهم الذي شهدته الأيام الماضية هو دعوة روسيا لرئيس تيار الغد السوري الشيخ أحمد الجربا لمناقشة الوضع السوري والإطلاع على رأيه بحكم خبرته الكبيرة على مدى السنوات السابقة من عمر الأزمة السورية وتعامله السابق مع الأطراف الدولية في فترة رئاسته لإئتلاف قوى المعارضة السورية، والتي كانت من أفضل مراحل الائتلاف على المستويات كافة وبشهادة الجميع.

وبعد مناقشة المكتب السياسي لجدوى الزيارة، أقر أعضاء المكتب قبول الدعوة باعتبارها فرصة جيدة لوضع موسكو في حقيقة الموقف على الأرض ومناقشة الحل السياسي ورؤية التيار فيه والرؤية السياسية المقترحة، إلا أن زيارة الوفد قابلتها بعض المحاولات الإعلامية لتشويه صورة التيار وشخص رئيس التيار الشيخ أحمد الجربا، بدءً من غاية الزيارة والهدف منا وجدواها، لتأتي الأخبار سريعا مع بدء الزيارة لتغلق أفواه كل من شكك في وطنية وحنكة الوفد الزائر.

ففي عقر روسيا تحدثت قنوات الإعلام الروسي الرسمي عن مطالب وفد التيار التي لم تخرج عن كونها مطالب وطنية تحمل قدرا كبير المسؤولية والشفافية والتعاون في الحل السياسي المستقبلي وعدم الخروج عن مطالب الثوار على الأرض بتحييد المدنيين في الحملة الروسية على الجماعات الإرهابية والكف عن قصف الفصائل المعتدلة والإفراج عن المعتقلين وفك الحصار عن المناطق المحاصرة والدعوة الصريحة بعدم قصف التجمعات المدنية، والرفض القاطع للمشاركة في حكومة النظام الجديدة أو القبول بحلول ترميمية مؤقتة والدعوة إلى إيجاد حلول جذرية تبدأ بمرحلة انتقالية لا يكون للأسد أي دور فيها ويكون للسوريين أنفسهم اليد الطولى في تحديدها وتقرير مصيرهم بعيدا عن الطائفية وعن الإملاءات والتدخل الخارجي، وقد فتحت الزيارة آفقا كبيرة أمام دور التيار المستقبلي الأمر الذي يعزز مكانته في جميع المحافل الدولية التي ستعقد مستقبلا بشأن سوريا.

على الصعيد القانوني كما ذكر الدكتور محمد خالد الشاكر الذي اعتبر الزيارة دفعاً وفرصة مواتية أمام التيار للتنسيق مع المبعوث الأممي لاستصدار قرار دولي جديد يتناسب ومطالب رئيس التيار والتحولات المستجدة على الساحتين الدولية والإقليمية، وهو المطلوب من روسيا في إبداء حسن نية ورد فعل إيجابي على تلبية الوفد الدعوة للزيارة والحفاظ على تواصل دائم مع الوفد في دراسة الاحتمالات المطروحة للحل في سوريا وإظهار جديتها في البحث عن طريق يوصل في النهاية إلى حل ينهي الحرب المأساوية الدائرة في سوريا ويعزز من مصداقيتها “أي روسيا” في عدم دعممها ﻷي طرف على حساب الطرف الآخر وأن غايتها الحفاظ على مؤسسات الدولة والمساهمة في محاربة الإرهاب.

في السياق ذاته رأينا تحولات كبيرة على الساحة الدولية تقودها موسكو من شأنها أن تسرع وتيرة الحل للأزمة السورية، وخاصة ما برز من تطور مهم في إعادة العلاقات الروسية التركية كما كانت عليه قبل إسقاط أنقرة للطائرة الروسية، والسرعة الكبيرة في تجاوز العقبات أمام المصالحة الروسية التركية وإطلاق تصريحات من الطرفين تظهر حاجة كل من الطرفين للآخر في حل المسائل العالقة على المستوى الإقليمي والدولي.

أما عن أثر الزيارة على البيت الداخلي لتيار الغد السوري فيجب أن تكون الزيارة محفزا إيجابيا ودافعا حقيقيا لزيادة التفاعل والعمل بين جميع مستويات التيار في الصف الأول والأعضاء المنتسبين، وذلك بالتنسيق للبدء بعمل جاد يرفع من مستوى التيار أمام الرأي العام في اللحظة التي يحتاج السوريين لتكتل سياسي يمثلهم في المحافل الدولية القادمة، وأن يكون الجميع في صورة الخطط القادمة للتيار والبدء بتفعيل عمل الأعضاء المنتسبين “ع الأرض” من خلال نشاطات وبرامج تكسبهم فنون القيادة وإدارة المجتمع للوصول في النهاية بمستوى الأعضاء من أعضاء متلقين إلى أعضاء فاعلين جاديين ومبتكرين، فالزيارة زادت من عزيمة وثقة أعضاء تيار الغد السوري بقيادة التيار والخطوات التي سيتخذها مستقبلا، ويجب أن تزيد من تلاحمنا وقوتنا والعمل سويا في تطوير التيار بإيصال رسالة شعب عانى المر نتيجة السياسة العقيمة للمعارضة التي لم تستطع الإنفتاح على جميع مكونات المارضة وتصنيف نفسها ممثلا عن الشعب، ولهذا جاء التيار وسيطا وجامعا بينها، والسماع لآرائهم وتجاوز الخلاف معهم في بعض النقاط إنطلاقا من مصلحة شعبنا، والتعويل هنا على شخص رئيس تيار الغد السوري الشيخ أحمد الجربا بخبرته الكبيرة وكعضو مستقل في الهيئة العليا للمفاوضات، والذي طالما أبدى مبادراته الجامعة لأقطاب المعارضة، وآخرها مبادرته في ولادة تيار الغد السوري، الذي يؤمن بأهمية أن تتجاوز المعارضة خلافاتها وتعمل على تحمل مسؤولياتها أمام معاناة الشعب السوري العظيم وتنهي معاناتهم في القصف والدمار والحصار وإطلاق سراح المعتقلين.

سيف رحال – عضو تيار الغد السوري

تعليقات الفيسبوك

اضف تعليق