حصار حلب.. مطلب أمريكي – روسي

من الواضح أن مفاعيل التوافق الأمريكي – الروسي، وما يقال ويتم الحديث عنه خلف الجدران المغلقة في اجتماعات كيري – لافروف لا يصلنا بالكامل ولا تعرفه إلا الدوائر الصغيرة “المقربة” من أجواء تلك المحادثات والاجتماعات، ومن المؤكد أن التصريحات الإعلامية وبعض الشجب والندب يدخل من ضمن تلك الأجندة وهذا التوافق.
على مدار الأشهر الثلاث الماضية قامت “إيران” و”حزب الله” بنقل ما لا يقل عن خمسة آلاف مقاتل مع عدتهم وأسلحتهم من إيران ولبنان ومن الأفغان والباكستانيين وكل جنسيات المرتزقة الذين يتم زجهم بعد منحهم جواز (دخول الجنة) للقتال تحت راية (الحسين) ضد أتباع (يزيد) كما قالها رئيس الوزراء العراقي السابق “نوري المالكي” وأكدها على أرض الواقع “قاسم سليماني”.
هذا الضخ الطائفي البغيض الذي تتخفى خلفه حقيقة المشروع الصفوي – الفارسي، والذي تتحقق من خلاله نبوءة ملالي طهران الذي يدَعي أنه يجتمع مع “المهدي المنتظر” أسبوعياً حسب ما صرح به كبير مراجع الشيعة في مدينة “قم” الإيرانية “ناصر مكارم الشيرازي”: من أن سر النجاحات المتتالية لمرشد إيران “علي خامنئي” يتأتى من تواصله المستمر والمتواصل مع الإمام “المهدي” في أحد مساجد مدينة “قم” (مسجد جمكران).
الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا تعلمان حقيقة تلك الإيديولوجيات، وحقيقة هذا التوظيف الطائفي – الإعلامي، ويعلمون أيضاً أن كل التدخل الإيراني يأتي في إطار مخالفة واضحة لقرارات مجلس الأمن التي فرضت على إيران منع تصدير أي عتاد عسكري أو خبرات أو مقاتلين خارج حدودها، ومع ذلك وعلى مدار السنوات الخمس التي عاش جحيمها الشعب السوري لم نجد سؤالاً غربياً أو أمريكياً يقول: ماذا تفعل ميليشيات إيران وحزب الله في سوريا؟؟
بعد المجزرة التي لحقت بالميليشيات الإيرانية والأفغانية وأنصار “حزب الله” في معركة “خان طومان” في الجبهة الجنوبية لمدينة “حلب” والتي استدعت زيارة سريعة لـ “قاسم سليماني” للمنطقة واجتماعه مع فلول ما تبقي من مرتزقته، الغاية من الزيارة المفاجئة كانت رفع معنويات مقاتليه التي لامست أسفل نعال مقاتلي المعارضة، وهدفت لتقدير الموقف العسكري المستجد، ومعرفة احتياجات مقاتليه في المرحلة المقبلة، وغادر سريعاً للاجتماع مع “خامنئي” طهران الذي يعتبر أيضاً القائد العام للجيش والقوات المسلحة، ولينضم للاجتماع قادة من “الحرس الثوري الإيراني” و”فيلق القدس”، الاجتماع كان حاسماً بقراراته إن كان لجهة استمرار القتال في سوريا أو بتشبيه المرحلة بمعركة “كربلاء الرابعة” في الحرب الإيرانية – العراقية، ومع تصاعد السخط الإعلامي الإيراني من أداء الطائرات الروسية، أعاد مرشد إيران “علي خامنئي” اللباس العسكري للجنرال المتقاعد المنتهية خدمته “محسن رضائي” القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، بهدف تولي الإشراف على غرفة عمليات القوات الإيرانية في سوريا، ومن أجل بعث رسائل طمأنة عشية المسيرات الجنائزية للقتلى الإيرانيين والتي ستجوب أكثر من (10) مدن إيرانية، وبعد قيام مدينة “مازندران” بسحب كتيبتها العاملة في سوريا ورفضها المشاركة بكل تلك الحرب.
في بقية الجبهات لا تقل خسائر “إيران” ونظام “الأسد” عن خسائرهم في جبهات “حلب” فجبهة “ريف حماه الجنوبي” استطاعت أن تتفوق على نفسها، وبعد شبه حصار دام لأشهر، وبعد قصف جوي لا يفارق أجواء قراها وبلداتها، استطاعت من أن تقلب الطاولة على ميليشيات “الأسد” وشبيحة دفاعه الوطني وتحرر قرية “الزارة” التي تٌشكل قلعة عسكرية أقامها النظام في المنطقة بعد أن أطاح الثوار بثلاثة حواجز شكلت موتاً بطيئاً لسكان تلك القرى (حاجز القناطر، حاجز الآليات، حاجز البراميل)، وقبل أن تستفيق ميليشيات النظام من صدمتها، انطلق الثوار لفتح الطريق الواصل بين “الزارة” وقرية “حربنفسه” عبر تحرير حاجزي “الأبنية” و”محطة القطار”، ومن ثم الانطلاق لتحرير حاجز “المداجن” باتجاه قرية “دير الفراديس”، ومن ثم تهديد المنشأة الأكثر أهمية في المنطقة وهي “المحطة الحرارية” عبر السيطرة على حاجز “المساكن”.
جبهة ريف دمشق التي عانت من اقتتال بيني وبعيداً عن جبهات القتال الحقيقية في محيط مطار “مرج السلطان” وفي قرى القسم الجنوبي للغوطة الشرقية “الركابية” و”نولا” و”بالا” و”دير العصافير”، وبعد سحب معظم مقاتلي المعارضة للداخل، استفادت ميليشيات “حزب الله” من هذا الفراغ في تغطية المحاور، وتقدمت لتسيطر على عشر بلدات كانت مزارعها تشكل السلة الغذائية للغوطة الشرقية، وبديلاً يسد رمق سكان الغوطة أمام الحصار الخانق الذي تفرضه ميليشيات “الأسد” على المنطقة منذ أربع سنوات.
في جبهة دير الزور ومع معارك الاستنزاف الدائرة هناك منذ أكثر من عام بين ميليشيات النظام وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وما بين كر وفر ووصول قوات “داعش” إلى حي “الصناعة” وأجزاء من حي “الطحطوح” في جنوب المدينة وعلى مقربة من مطارها العسكري، ومع مناورة التفاف نفذها “داعش” واقترب بها من “البغيلية” في محاولة للتزود من مستودعات النظام هناك، وفرض حصار يهدف الوصول إلى أسوار المطار بعد عملية كانت دامية في داخل المشفى الجامعي بدير الزور، برز الإعلان عن استعدادات لفتح معركة تحرير مدينة “دير الزور” لكلاً من “قوات النخبة السورية” الذراع العسكري لـ”تيار الغد السوري” الذي يقوده الشيخ “أحمد الجربا”، و”جيش سوريا الجديد” الذي كان يقاتل على الحدود الأردنية – العراقية وساهم باستعادة معبر “التنف” من أيدي تنظيم “داعش”، ومما يعطي صورة أن هناك عملية متكاملة وأن هناك توزيعاً للجبهات تم في مكان ما، فـ في محيط “الرقة” هناك تحضيرات لـ”قوات سوريا الديموقراطية” التابعة لـ”صالح مسلم” بإشراف التحالف الدولي وتهدف لتحرير المدينة، بدأت ملامحها بتحرير بلدات في جنوب “عين عيسى” منها قرى (الفاطسة، الهيشة، الواسطة، المتشرجة، نمرودة، قرطاجة، حضرية خليل، وبعض المزارع المحيطة) رغم إعلان متأخر صدر عن قوات “مسلم” أنها غير مستعدة للمعركة بعد، وبنقل السلاح الثقيل لقوات “مسلم نحو الغرب باتجاه “منبج” و”الباب” يغير كل السيناريو الأمريكي المرسوم للعملية، ومن تحضيرات مشابهة على الحدود التركية لأربع فرق عسكرية تتبع لـ “الجيش الحر” وبدعم من الـ”تحالف الدولي” و”تركيا” لفتح معركة هناك والبدء بتحرير بلدات “منبج” و”الباب” و”جرابلس” من مخالب “داعش” أيضاً، لكن الهجوم المفاجئ الذي شنه تنظيم “داعش” صباح الجمعة وبسيطرته على عدة قرى محاذية لبلدة “إعزاز” ومعبر “باب السلامة” وحصاره لبلدة “مارع” تكون كل الخطط التي رٌسمت على الورق والخرائط أصبحت في مهب الريح.
أما جبهة “حلب” وهي مربط الفرس فالأمر مختلف جذرياً، فالطائرات الروسية عاثت فساداً ودماراً وقتلاً وتهجيراً بسكان وأحياء مدينة “حلب”، وكذلك فالميليشيات الإيرانية وميليشيات “أحمد جبريل” في لواء “القدس الفلسطيني”، التي حاولت التقدم على جبهتي “خان طومان” ومخيم”حندرات” حيث جرت معارك طاحنة تكللت برحلات عديدة لطائرات شركة “ماهان” الإيرانية لنقل توابيت قتلاها من “خان طومان” إلى “طهران”، وبمشاهد مزرية لهروب جماعة “جبريل” كالجرذان أمام ضربات فصائل المعارضة السورية في “مخيم حندرات”، ومع كل هذا الواقع بقيت الولايات المتحدة الأمريكية تلتزم الصمت أمام هول ما تحشده إيران في جبهة “حلب”، وزجها لقوات النخبة من عدة ألوية من الجيش الإيراني كاللواء (65) مغاوير “نوهد” التابع للفرقة 19 “فجر” التابعة لفيلق محافظة “فارس” وصاحب التاريخ الأسود الذي ارتبط اسمه بقمع احتجاجات شوارع طهران، اللواء(45) مغاوير شوشتر، اللواء (388) إيران شهر مشاة، اللواء (258) مغاوير بزوهنده لمدينة شاهرود، وألفي مقاتل من فرقة “نبي أكرم”، إضافة لكل من دخل سوريا منذ بداية الثورة من فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني، وكذلك أمام ما يزج به “حزب الله” في جبهة “خان طومان”، والتزمت “واشنطن” السكينة أيضاً أمام الضربات الجوية الروسية التي أحرقت ريف حلب الشمالي والجنوبي، وليخرج علينا الوزير “كيري” مبرراً تلك الجرائم بالقول: من الصعوبة بمكان تحديد أماكن الإرهابيين داخل أحياء “حلب”، وكأنه يعطي الضوء الأخضر لروسيا بالاستمرار بهذا التوحش اللاأخلاقي، وإعطاء صك براءة لطياري “بوتين” بإكمال مهمتهم بقتل من لم يٌقتل بعد وتدمير ما لم يدمر، والدفع بعملية عسكرية تقودها براً “طهران” وتغطيها جواً “موسكو” وتصمت عنها “واشنطن” قد تؤدي إلى تطويق مدينة حلب.
أمام هذا الواقع تبرز عدة أسئلة تقلق الشعب السوري..
هل يدخل حصار حلب ضمن التوافقات الروسية – الأمريكية؟؟؟
وهل ما أعلنه “الحلقي” رئيس حكومة “دمشق” وأكده “الأسد” برسالته لبوتين يأتي من ضمن هذا التوافق؟؟؟
وهل حصار حلب مخطط له ليكون الضربة التي تقسم ظهر المعارضة وإجبارها على القبول بـ”طبخة البحص” التي لا تستطيع معدة الثورة هضمها؟؟؟
إذا كانت أمريكا تخطط لتقديم تحرير “الرقة” من يد “داعش” كهدية لـ”هيلاري كلينتون” في الانتخابات الأمريكية القادمة، فهل تكون حلب هدية “أوباما” لـ”بوتين” لإذلال الشعب السوري وإعادته لحضن “الأسد”؟؟؟
كلها أسئلة يكتنفها الغموض.. وسيد “البيت الأبيض” وبعض العواصم الإقليمية لديها إجابات شافية، ويبقى الشعب السوري من يدفع من دمائه وفلذات أكباده فواتير ما يخطط في تلك الغرف السوداء.

العميد الركن أحمد رحال
محلل عسكري واستراتيجي
خاص تيار الغد السوري

كلمات ذات صلة

العميد الركن أحمد رحال المرتزقة الإيرانيين جبهة النصرة جون كيري حزب الله حلب حماة داعش دير الزور سيرغي لافروف لواء القدس

تعليقات الفيسبوك