حركة محمومة تشهدها الساحة العالمية، وكأنها في سباق مع الزمن للوصول إلى حل في سوريا، هذه الحركة التي نشطت بسرعة رغم أنها حديثة الظهور لم تأت عن عبث أو من فراغ، بل كانت نتيجة تراكمات متتالية وخيبات أمل كثيرة، والأهم من ذلك كله نضوج الظروف المناسبة لهذا التحرك على الأقل بالنسبة للاعب الأساسي في المسرح العالمي، ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية.
صدام الجاسر
حراك نشهده على عدة محاور وفي عدة ساحات يرسم مشهدا متكاملا للوحة النهائية التي ستظهر على الساحة السورية، والتي ستكون نتيجة توافق جميع اللاعبين والفرقاء الدوليين.
محور تركيا – روسيا الذي تعرّض لانتكاسة كبيرة بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، والذي أعطى الفرصة لروسيا كي تزيد من تدخلها في سوريا بشكل كبير يصل إلى مرحلة التحدي وانتهاك كل ما هو متفق عليه من قواعد واتفاقيات إنسانية وتحالفات جعلت من الدور التركي يتقزم بشكل كبير، ثم جاءت المصالحة بعد إن أدركت الدولتان أنهما لاتستطيعان تجاوز بعضهما البعض في الأزمة السورية، وأن الاتفاق وإنهاء الخلاف الحاصل بينهما سيعطيهما حصة أكبر ويجعل مواقفهما أقوى، وهذا ماظهر من خلال الاتفاقات التي وقعها الجانبان في الزيارات المتبادلة بينهما.
المحور الخليجي – الخليجي، والذي تمثل بدور تقوده السعودية لجمع دول الخليج كافة والوصول إلى موقف موحد وعدم السماح بظهور الخلافات داخل البيت الخليجي للظهور على السطح، والمتمثلة بدعم قطر لتوجهات الإخوان المسلمين في مصر وفي داخل المعارضة السورية، والتي لاتقبل بها الإمارات ولا السعودية به بسبب الأيدولوجيا الفكرية للإخوان وبسبب المشاريع التي تشابه إلى حد كبير مشاريع الولي الفقيه في إيران ولكن بصيغة مخفية ومختلفة قليلا.
المحور الخليجي – التركي، والذي قادته المملكة العربية السعودية أيضا من خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف إلى تركيا، والتي مهدت إلى عودة العلاقات إلى طبيعتها وتنحية الخلافات الجانبية والتمهيد للاجتماع التركي الخليجي الذي يعقد حاليا.
وأهم خلاف بين السعودية وتركيا هو أن السعودية ترى في تركيا منافسا حقيقيا وقويا في قيادة العالم الإسلامي، السني خصوصا، والذي تعتبر السعودية نفسها أنها المرجع السياسي والديني له، وأي منافسة على هذا المكان يشكل خطرا حقيقيا على كيان السعودية على المدى البعيد، وخصوصا أن تركيا لديها الموروث العثماني.
وتعلم دول الخليج أنها لا تستطيع تجاوز تركيا في الأزمة السورية بحكم موقعها الجغرافي، وأعداد السوريين المتواجدين على أراضيها، وتحسن علاقتها مع إيران في الفترة الأخيرة وتحكمها بعدة فصائل قوية على الأرض السورية، وقدرتها على التأثير في جماعة الإخوان المسلمين التي تتواجد في تركيا بشكل كبير، والتي تسيطر على الائتلاف ومؤسسات أخرى في المعارضة السورية، وتشاركها في ذلك قطر. لذا ترى السعودية أنه من الأفضل ترحيل الخلافات الجانبية حاليا، والتركيز على مايجمعهم لا على مايفرقهم، وخصوصا من الناحية الأمنية التي يمسك بملفها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف، لذا كان هو المتصدر في هذا المشهد.
المحور الخليجي – الأوربي، وقد جمعهم التهميش والخط الأحمر الامريكي، الذي جعل منهم في أحسن الحالات مجرد داعمين، وفي أحيان كثيرة متفرجين لايملكون من الأمر شيئا. هذا المحور قاده ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال زيارات إلى فرنسا ودول أوربية أخرى تم توقيع اتفاقيات خلالها. ومما زاد في تسريع التوافق في هذا المحور التغول الروسي الكبير في سوريا وأزمة اللاجئين التي سببت لأوربا مشاكل كبيرة ساهمت في صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة وحصولها على قاعدة شعبية لم تكن تحلم بالوصول إليها في أحسن حالتها، مما جعل ناقوس الخطر يدق في أروقة الاتحاد الأوربي فسارع إلى تصدير أزمته من خلال مواجهة روسيا والتصعيد معها، ومحاولة الخروج من العباءة الأمريكية التي لم تعد تستطع تغطية التململ مما يحصل. وقد ظهر ذلك من خلال الموقف البريطاني الفرنسي من روسيا في مجلس الأمن الدولي، ومن خلال إلغاء زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى فرنسا.
وقد يتسأل البعض هنا عن إيران.. إيران هي مجرد منفذ تحلم بتحقيق مشروع لها لكنها استنزفت بشكل كبير في الأزمة السورية، وأصبح أقصى ماتحلم به الحفاظ على مصالحها في سوريا، وعليها أن تقدم تنازلات تعتبر مؤلمة لها كي تستطيع الخروج وفي جعبتها شيء يذكر، فقد فاتها أن المشروع الإيراني لايمكن تنفيذه في دولة لها حدود مع إسرائيل، وأن أمن إسرائيل هو خط أحمر للجميع وبطريقة أو بأخرى تم تحويلها إلى مجرد وكيل ورافد بشري للمليشيات التي تقاتل إلى جانب النظام السوري، عدا عن ذلك فإنها لا تستطيع من الناحية الاقتصادية الاستمرار لوقت طويل وخصوصا مع تزايد الخسائر البشرية في صفوف مقاتليها ورفض دول الخليج للهيمنة الإيرانية على سوريا وكذلك الرفض التركي.
هذه المحاور التي نضجت ظروفها مع نضج الرؤيا الأمريكية ورغبة إدارة أوباما الديمقراطية في الاستمرار بالحكم من خلال إيجاد دعم قوي لمرشحة الحزب الديمقراطي “هيلاري كلينتون” مع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية، جعل من هذه الإدارة تتحرك بشكل جدي لعقد “مؤتمر لوزان” والذي تمت دعوة الجميع إليه (ماعدا السوريين) للخروج بصيغة الحل النهائي تحت المظلة الأمريكية، والذي سيعطي الإدارة زخما قوية في استعادة دورها على الصعيد الخارجي والداخلي، والذي سيسهم في القضاء على كل الخلافات الداخلية في البيت الأمريكي، بسبب الفترة التي استفردت بها روسيا في الساحة السورية وظهور الأمريكيين بحالة من الشلل وفقدان السيطرة وانعدام الهيبة.
في النهاية لقد رقص الجميع على صفيح ساخن، ولكنهم لم يعرفوا نهاية هذه الرقصة، فقد احترقت أرجلهم جميعا، وحان الوقت لإنهاء هذه الرقصة بحسب رغبة المايسترو الأمريكي الذي كان يمارس عملية ضبط الإيقاع للجميع، والذي قرر على مايبدو أن الوقت قد حان لوضع حد لهذا الأمر، فقد تمت التحالفات المطلوبة، ونضجت الظروف وأصبح الجميع مستعدا للقبول بشروطه والجلوس، ولو على مضض، على طاولة واحدة لرسم المشهد الأخير وتجميع القطع التي يمتلكها كل فريق منهم للخروج باللوحة الكاملة التي ستحدد حصة كل فريق منهم في العقود التي سيتم توقيعها لإعادة الإعمار والمشاريع المستقبلية في سوريا.
ملاحظة.. هناك محاور أخرى تشكلت سابقا ولاتزال موجودة، ولكنها تعاني من تضارب في المصالح وعدم تكافؤ بين أطرافها كالمحور السوري – الإيراني – الروسي.. وهو ما سأتحدث عنه لاحقا، وقد أغفلت ذكرها لعدم تأثيرها بشكل كبير في الحل السوري، وهي على الأغلب محاور استعمال وتمرير رسائل، وليست محاور ذات تأثير طويل المدى، بل تقتصر على ظروف آنية فرضتها طبيعة المرحلة في الأزمة السورية.
صدام الجاسر – تيار الغد السوري