الساحة السورية مضمار سباق استهلك الجميع

في سوريا، إن نظرنا إلى الأزمة منذ البداية سنلاحظ إن فيها ثلاثة أنواع من السباقات التي انطلقت ولاتزال مستمرة إلى الآن، ولايزال المشتركون فيها يتابعون الجري وهم يأملون في...
علم الثورة السورية

في سوريا، إن نظرنا إلى الأزمة منذ البداية سنلاحظ إن فيها ثلاثة أنواع من السباقات التي انطلقت ولاتزال مستمرة إلى الآن، ولايزال المشتركون فيها يتابعون الجري وهم يأملون في الوصول إلى خط النهاية فائزين منتصرين.

ونستطيع تقسيم المتسابقين إلى ثلاث جهات أو ثلاثة أنواع يتوزعون على هذا السباق:

الأول: هو من بدأ السباق ويخوض سباق مسافات طويلة “ماراثون”، وهو الشعب السوري الذي أطلق شرارة الثورة السورية، ولايزال مستمرا بها رغم كل الصعوبات والعراقيل التي اعترضت طريق الثورة، ورغم كل المؤامرات التي حيكت في سبيل حرف الثورة عن مسارها.

صدام حسين الجاسر

صدام حسين الجاسر

ويعتبر الشعب السوري هو صاحب أطول سباق لأنه العنصر الوحيد الذي لايزال يتلقى الصدمات من كافة الأطراف، وهو الوحيد الصامد رغم كل النكسات، وهو المحرك الأساسي لهذه الثورة منذ بدايتها. ورغم أن التعب والانهاك قد نالا منه وجعلاه في حالة يرثى لها لكننا لانستطيع إغفال حقيقة أن الصمود الذي أبداه هذا الشعب أمام آلة التدمير والقتل التي استعملت ضده كان صمودا أسطوريا بكل معنى الكلمة، ومن المدهش حقا أنه في أي هدنة يتم الاتفاق عليها نرى أن المظاهرات السلمية تعود للظهور من جديد والهتافات تعود لتصدح بها الحناجر مطالبة بسقوط النظام.

لقد اختار الشعب السوري أن يكون المشترك الوحيد في هذا السباق، سواء كان مرغما على ذلك أو بكامل إرادته، ولايزال إلى الآن يحاول الوصل إلى النهاية وينهي سباق المسافات الطويلة الذي وقع عليه الاختيار ليكون فارسها.

الثاني: سباق التتابع، وهو السباق الذي يشارك فيه النظام وحزب الله وايران وروسيا، والذي في بداية الأمر انطلق متسابقه الأول وهو النظام في بداية الثورة، ولكنه بدأ بالسقوط والانهيار في أول مرحلة من مراحل السباق، وكان على حافة السقوط والانسحاب لولا الضوء الأخضر الذي سمح للاعب الثاني، وهو حزب الله، بالتدخل لإنقاذه وإعادة الحياة إليه وتحقيق توازن لفترة معينة من الزمن، ولكن الوضع عاد للتراجع وأصبح الحزب يلهث ولم يعد قادرا على تحمل الجري لفترة طويلة فكان من الضروري عليه تسليم الراية إلى متسابق جديد وهو إيران التي دخلت بزخم قوي وحملت الراية وانطلقت بكل قوتها لعلها تستطيع إنهاء السباق والحصول على الجائزة الثمينة ووضع سوريا تحت عباءة الولي الفقيه.

ولكن الأمور لم تسر كما يشتهي الإيرانيون لفترة طويلة، وبدأت ملامح التعب تظهر عليهم والإرهاق أصابهم، وازداد الأمر صعوبة حتى في داخل إيران، وأصبح من الضروري الاستعانة بلاعب جديد يمتلك قوة أكبر ومجال حركة أوسع وله ثقل أكبر من ثقل سابقيه لعله يستطيع فرض النهاية على الجميع فكان التدخل الروسي الذي جاء ليسحق الجميع ويبدأ فصلا جديدا عنوانه “الأرض المحروقة”، وصب جام غضبه على المناطق التي يراها تشكل الثورة الحقيقية في سوريا ولم يستثن أحدا من قوته التدميرية.

أخذت روسيا الراية وبدأت في الجري ولكنها تفاجأت أن الأمر ليس بالسهولة التي تعتقدها وأنها دخلت في سباق مرهق، وعمليا لم تستطع إلى الآن أن تحقق شيئا يذكر من أهدافها على الأرض، بل تسبب لها هذا الأمر بتوتر كبير على المستوى الدولي وعزلة واضحة في مجلس الأمن الدولي، وظهرت أمام العالم كله على أنها قوة إجرامية لاغير، وبدأت تظهر أصوات في القارة الأوربية تعتبر أن مايجري في سوريا يرقى إلى جرائم حرب، لكن اللاعب الروسي لم يعد بإمكانه الانسحاب، وقد تورط بشكل حقيقي وأصبح الانسحاب من الأزمة السورية بمثابة إهانة له ولعظمة روسيا التي حاول إظهارها. ومن جهة أخرى يدرك هذا اللاعب أن الوقت ليس في مصلحته وأن الأمور ستتغير بعد فترة قصير، وهي فترة انتهاء الانتخابات الأمريكية، لذا نراه يضع كل ثقله ويدفع بكل آلته العسكرية من أجل إنهاء هذا السباق قبل فوات الآوان.

الثالث: سباق الحواجز، والمشاركون فيه هم الدول التي يمكن أن نطلق عليها “أصدقاء سوريا”، والتي تم وضع خطوط حمراء لها بعد التدخل بشكل حاسم في الأزمة السورية، وهي دول ساندت الثورة في بدايتها وتم السماح لها بإدخال السلاح الخفيف وأنواع معينة من الأسلحة لاتستطيع حسم المعركة، ولكنها تؤثر فيها باتجاه معين، وتتكون هذه الدول من تركيا والسعودية ودول أوربا وقطر وبعض الدول الأخرى.

هذه الدول أصبحت مقيدة بالحواجز التي تم فرضها عليها وبنوعية الدعم التي يحق لها تقديمه إلى الثورة السورية، وهذه الحواجز التي تم وضعها هي في أغلبها حواجز جاءت بأمر من المشرف الحقيقي على السباق، والذي ينظم حاليا حركة المضمار، ومن أشهر هذه الحواجز حاجز الصورايخ المضادة للطيران، والتي يمكنها أن تحدث تغييرا كبيرا في سير المعارك في سوريا وأن تقلب الموازين لصالح الثوار الموجودين على الأرض.

يبدو أن الجميع بات ينتظر الوصول إلى خط النهاية، والذي أصبح أشبه بالسراب، فكلما اقتربوا منه وظنوا أنهم وصلوا، يجدون أنفسهم يدخلون في جولة جديدة. قد نكون اقتربنا من النهاية، ولكن ماهي الجائزة التي سيحصل عليها الفائز الأول، وهل يمكن أن يظهر لاعب جديد يقلب الموازين وينهي السباق حسب رغبته ليصعد إلى منصة التتويج؟.

في كل الأفلام الأمريكية نشاهد البطل يتعرض للضرب المبرح، ولكن في النهاية ينتفض ويقضي على كل خصومه، وبهذا المنطق ووفق هذه الرؤية للصراع يبدو أن الشعب السوري الذي أشعل الثورة وأكملها وضحى من أجلها بكل ما يملك سيكون هو الرابح، ولكن سيتعين عليه خوض سباق من نوع آخر، سباق مع نفسه لإعادة بناء وطن وتضميد جراح ولملمة شتات.

صدام الجاسر – تيار الغد السوري

أقسام
مقالات

أخبار متعلقة