عندما يَصدُق الأسد..

ليس من السهل تناول خطابات بشار الأسد ولقاءاته الصحفية بمعزلٍ عن الميول والرغبات، لاسيما إذا كان من يتناولها صاحب ميل معين أو متبنٍ لموقف ما في القضية السورية “سواء مؤيد أو معارض”، ربما لما تحمله تلك الخطابات واللقاءات من تعابير فضفاضة وسطحية وعمومية تجعل منها عرضة للتأويل والتحليل من جوانب وزوايا متعددة، وهذا ما جعلني أتأنى لأيام قبل محاولة تناول لقاءاته ولقاءات زوجته الأخيرة مع وسائل إعلام دولية، خاصة وأني وجدت فيها ما يتطابق إلى حد كبير مع أمنياتي التي لطالما حاولت الابتعاد عنها في الحديث عن الأمور في سوريا ككل.

ما دفعني للتفكير كثيرا في تصريحات بشار الأسد وزوجته “رغم أنها لم تخلُ من الترهات التي اعتادا على ذكرها”، هي الرسائل المبطنة التي تحملها ما بين السطور، خاصة وأن المقابلات الثلاثة الأخيرة التي أجروها في فترة أقل من أسبوع، تميزت بالتركيز سواء بشكل مباشر أو غير مباشر على نقاط يتم تناولها للمرة الأولى، ما يجعل منها مرآةً تعكس إلى حد ما حقيقة الوضع الذي يعيشه النظام اليوم.

المطلع على الشأن السوري ممن سمع اللقاءات الثلاث “وأنا هنا لست بوارد سرد ما قالاه بقدر الإضاءة على بعض الجوانب”، يمكنه بقليل من التركيز ملاحظة أن الأسد حاول من خلال تلك المقابلات الاعتراف بالسيطرة الروسية الكاملة على سوريا ومجريات الأمور فيها وعلى وجه الخصوص الأوضاع العسكرية، وذلك من خلال الحديث عن دور الجيش والطيران الروسيين في قلب مجريات الميدان خاصة في حلب، بالاضافة إلى التركيز على ربط التدخل الروسي المباشر بالمصالح الروسية وليس دعم بقائه في السلطة، والتأكيد على أن الحرب في سوريا هي نتيجة صراع أمريكي روسي على النفوذ الدولي وليس نتيجة قمعه للثورة أو رغبته بالبقاء على سدة الرئاسة، مشبها الوضع في سوريا بالوضع في أفغانستان، معتبرا أن البلاد تشهد حربا عالمية ثالثة على أرضها.

وما كان واضحا خلال المقابلات الثلاث هو محاولة الأسد نفي أي دور له في ارتكاب اي خطأ أدى إلى قتل السوريين، من خلال التأكيد على أنه يهتم بالجانب السياسي الخدمي من مهامه كرئيس أكثر من اهتمامه بالحرب، طبعا إلى جانب إشارته إلى أنه ليس المسؤول عن ادارة المعتقلات في سوريا وأن اي قضية ترتبط بالمعتقلين تخضع لمؤسسات أخرى غير مؤسسة الرئاسة، وهذه التصريحات للأسد التي جاءت في الوقت الذي كانت زوجته أسماء الأخرس تجري فيه مقابلة أخرى تتحدث فيها عن زوجها كمواطن وأب سوري حاله حال أي سوري آخر يعيش الأزمة في البلاد، محاولة إظهار أسرتها كأي أسرة سورية عادية تعاني الأثر السلبي للأزمة في البلاد، مركزة على الجانب الإنساني للعائلة، ورفضها ترك البلاد رغم تلقيها عروضا بذلك.

السؤال الأهم الذي يطرح الآن، لماذا هذا التبدل ولو كان مبطنا في كلام الأسد، ليخرج بهذا الكم غير المعهود فيه من “المصداقية” إن صح التعبير، معترفا بأنه لم يعد مسيطرا على قواته وعلى المناطق الخاضعة لنظامه، محاولا تبرئة نفسه من كل الجرائم التي شهدتها سوريا طيلة خمس سنوات ونصف، في الوقت الذي تظهر فيه الوقائع على الأرض أن الأمور تتجه لمصلحته ومصلحة حلفائه، وهي التصريحات التي لم يقولها الأسد حتى في أصعب الأوقات التي مر بها نظامه عندما لم يكن يسيطر على أكثر من 30 بالمئة من مساحة البلاد؟؟.

ولماذا هذه المحاولات لرمي الكرة في ملعب الروس والايرانيين والاعتراف بأن سوريا تحولت لساحة حرب دولية، دون التطرق كما اعتدنا في خطاباته السابقة إلى اطلاق الوعود باسترجاع الأراضي السورية كاملة لسيطرته والاشادة “بالجيش السوري” والحديث عن الأزمة التي يعيشها معارضوه؟؟.

عمليا، يمكن القول إن الأسد “وبناءا على الرسائل التي حاول إيصالها من خلال مقابلاته وزوجته” ربما بات يدرك تماما أن مصيره لم يعد مرتبط بالتغيرات الميدانية على الأرض بقدر ارتباطه بالمتغيرات الدولية، لا سيما مع قرب الولايات المتحدة الأمريكية من اختيار إدارة جديدة، غالبا ما سكتون أكثر عبوسا من إدارة أوباما وربما تتجه إلى إرساء قواعد حل جديد في سوريا إلى حد كبير لن يكون للأسد مكانا فيها، ويمكن هو الشيء ذاته الذي يجب على السوريين إدراكه أو على الأقل التفكير فيه.

قد أكون بالغت في تفاؤلي أو تأثرت بعض الشيء برغباتي، إلا أن ما رأيته في صورة الأسد “المسالم المدني” الذي ظهر واضحا أنه اليوم بلا أنياب على عكس الصورة التي حاول أن يرسمها لنفسه طيلة أعوام الثورة، دفعني لتبني فرضية أن بشار الأسد بات فعليا يمهد الطريق لنفسه للخروج من سدة الحكم، من خلال محاولة ساذجة للظهور كغير معني بالحرب الدائرة اليوم على أرض سوريا، والفصل بينها “أي الحرب” وبين مصيره.

لست بوارد تحليل فيما إذا كان خوفه من ملاقاة مصير ميلوسوفيتش أو صدام حسين أو ربما تايلور هو ما دفع بشار الأسد أن يأخذ وضعيه التأهب لقفز مبكر أو مفاجئ من قارب نظامه، ولكن ما أعرفه أن ذلك عكس حقيقة أن ثقة بشار الأسد بروسيا وإيران لا تختلف اليوم عن ثقة السوريين بالولايات المتحدة وصدق نواياها، تلك الثقة التي غالبا ما أوصلته الى عدم استبعاد فرضية أنه الان ليس أكثر من رئيس مؤقت لا يملك من صلحيات سوى الدعاء لربه بأن يطيل عمر الأزمة السورية.

حسام يوسف – تيار الغد السوري

تعليقات الفيسبوك