صوتت مصر، خلال الجلسة التي عقدت ليلة أمس السبت بمجلس الأمن الدولي، لصالح مشروعي قرارين حول وقف الأعمال العدائية في سوريا، حيث اعتبر مندوب مصر أن التصويت جاء لاعتبارات تأييدها لكل الجهود الهادفة لوقف مأساة الشعب السوري، وأنها صوتت بناء على محتوى القرارين، وليس من منطلق المزايدات السياسية.
وقد فشل المجلس في تمرير القرارين حيث لجأت روسيا لحق النقض في تصويتها على مشروع القرار الأول، الذي تقدمت به كل من فرنسا وإسبانيا بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، بينما لم يحصل المشروع الثاني، الذي تقدمت به روسيا الاتحادية، على أغلبية التسعة أعضاء حيث عارضته كل من فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وتعليقا علي تصويت مصر لصالح القرارين، قال السفير المصري عمرو أبو العطا مندوب مصر لدى الأمم المتحدة، في بيان رسمي اليوم الأحد، “إن مصر تؤيد كل الجهود الهادفة لوقف مأساة الشعب السوري، وأنها صوتت بناء على محتوى القرارين وليس من منطلق المزايدات السياسية التي أصبحت تعوق عمل مجلس الأمن”.
وأوضح أبو العطا أن السبب الرئيسي في فشل المشروعين يعود للخلافات بين الدول دائمة العضوية بالمجلس، معربا عن أسفه إزاء عجز مجلس الأمن عن اتخاذ قرارات فاعلة لرفع المعاناة عن الشعب السوري والقضاء علي الإرهاب في سوريا نتيجة تلك الخلافات.
وأشار السفير المصري إلى عدة عناصر مشتركة بين المشروعين المتنافسين، تتلخص في وقف استهداف المدنيين السوريين، ودعم النفاذ الإنساني ووقف العدائيات وفقا لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وضرورة التعاطي الحاسم مع استخفاف بعض الجماعات المسلحة بمناشدات المجتمع الدولي لها بعدم التعاون مع التنظيمات الإرهابية.
وقد وجه مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة نداء للقوى الدولية والإقليمية والداخلية في سوريا بتجنب الصراعات والمطامع السياسية والنعرات الطائفية من أجل إنقاذ الشعب السوري من المآسي التي يعاني منها يوميا.
وأكد السفير أبو العطا إن فاتورة مأساة سوريا لم يعد يتحملها سوى أبناء الشعب السوري الذي تفرق دمه بين مصالح الدول والجماعات، وبين تزييف الحقائق والمتاجرة بمعاناة الأطفال والنساء، مضيفا أنه حان الوقت لتجنيب المصالح الضيقة التي تحكمت خلال السنوات الماضية في مصير السوريين، والتي يهدد استمرارها بتدمير مستقبلهم.
وأكد أبو العطا على أن عملية السلام السورية التي يديرها المبعوث الأممي استيفان دي ميستورا وفقاً لمحددات القرار 2254، والتي تستهدف التوصل للانتقال السياسي في سوريا، تظل بارقة الأمل الوحيدة للتسوية، ودعا جميع أعضاء المجتمع الدولي للوقوف خلف تلك العملية، وخلف المبعوث الدولي، بصدق ونية خالصة، ودعاهم إلى إيلاء مصلحة الشعب السوري الأولوية الأولى بعيداً عن الحسابات السياسية ومواءمات المصالح والأطماع.
وقال أبو العطا “أتحدث إليكم اليوم ليس فقط بصفتي ممثلاً لدولة عضو بمجلس الأمن، بل أيضاً من منطلق كوني مواطناً مصرياً عربياً يتألم من واقع المأساة التي يعيشها الشعب السوري الشقيق تحت وطأة النزاع المسلح المستمر منذ خمسة أعوام، لقد انطلق الحراك الشعبي السوري في مارس 2011، حراكاً سلمياً يتطلع للتغيير، إلا أن العديد من العوامل أدت إلى ازدياد حدة الاحتجاجات والمواجهات وسقوط الأبرياء، وتدهورت الأوضاع على مدار السنوات الخمس الماضية، وزادت التدخلات الخارجية في الشأن السوري بصورة غير مسبوقة، فتم السماح للميليشيات والمقاتلين الإرهابيين الأجانب والسلاح بالعبور للداخل السوري للقتال لصالح أطراف خارجية وداخلية، فاختفى الحراك السلمي، وتحولت الأوضاع إلى صراع مسلح بالوكالة، وتحولت الأراضى السورية إلى ملاذ آمن ومرتع للإرهاب والطائفية والفوضى”.
وأضاف أبو العطا “بعد سنوات طويلة من معاناة الشعب السوري، تمكن المجتمع الدولي مؤخراً، ولأول مرة، من خلال مجلس الأمن ومجموعة الدعم الدولة لسوريا، من التوصل إلى توافق حول الحل السياسي، ولعله من المهم التأكيد في هذا الشأن على أن التوافق الدولي تأسس على عدد من الدعائم الرئيسية والمتوازية، هي:
1- وقف العدائيات في سوريا وصولاً لوقف إطلاق نار شامل في البلاد.
2- تحقيق الانتقال السياسي من خلال مفاوضات بين الحكومة السورية وأوسع طيف ممكن من المعارضة، بناءً على قرار مجلس الأمن 2254 وبيان جنيف.
3- العمل على تحسين الأوضاع الإنسانية وإيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين في سوريا بما في ذلك بالمناطق المحاصرة.
4- مكافحة الإرهاب والتطرف.
وقال مندوب مصر لدى الامم المتحدة “ورغم وضوح عناصر التوافق الدولي وتماشيها مع المنطق السياسي والإنساني، ورغم التطورات الإيجابية التي شهدتها الأوضاع على الأرض في سوريا منذ إعلان وقف العدائيات، إلا أننا فوجئنا مجدداً بتجدد الاشتباكات العنيفة بمدينة حلب وسقوط العديد من المدنيين والضحايا الأبرياء. ودعوني في هذا الصدد أكرر مجدداً إدانة مصر لعمليات القصف التي استهدفت المدنيين، ولا سيما قصف المستشفيات وما خلفته من مشاهد يندى لها الجبين، كما يهمني التأكيد على ضرورة احترام جميع الأطراف في سوريا للقانون الدولي الإنساني، ونفاذ المساعدات الإنسانية والطبية، والتأكيد كذلك على التزام مصر بالعمل مع شركائها في المجلس للتأكد من احترام قرار مجلس الأمن رقم 2286 الخاص بحماية المنشآت الطبية في أوقات الحرب، وهو القرار الذي تم تبنيه يوم أمس بالمجلس بناء على مشروع مقدم من مصر وشركائها أسبانيا ونيوزيلاندا واليابان وأوروجواي”.
وأكد أبو العطا أنه رغم أن مكافحة الإرهاب تظل إحدى الدعائم الرئيسية لتسوية الأزمة السورية، بل ولحماية الأمن والسلم الدوليين في العالم أجمع، إلا أن التردد مازال ينتاب بعض القوى ويعرقل الحسم، ومازال بعض آخر يعتقد أنه محصن من خطر الإرهاب، أو أنه سيتمكن من الاستفادة منه إذا غض الطرف عنه أو أمد له يد العون، وقال “ولعله قد حان الوقت لنواجه أنفسنا، ولنضع النقاط فوق الحروف، فقد توافق هذا المجلس وتوافقت الدول الأعضاء فى مجموعة الدعم الدولية الخاصة بسوريا على استثناء الجماعات الإرهابية من وقف إطلاق النار، إلا أننا مازلنا نلحظ تلكؤً فى مواجهة هذا الخطر، وتسييساً غير مفهوم أدى إلى نجاح جبهة النصرة، أو فرع تنظيم القاعدة بسوريا، في استغلال وقف العدائيات للسيطرة على مزيد من الأراضى السورية لا سيما بمدينة حلب التي تشهد معارك عنيفة، كما تمكنت الجبهة من زيادة معدل التجنيد بصفوفها، واحتواء بعض الفصائل المسلحة التي لم تدرج على قائمة التنظيمات الإرهابية. إن تلك الفصائل مازالت غير عابئة بالتهدئة وتصر على التعاون والتنسيق العملياتي مع النصرة رغم مرور أكثر من شهرين على وقف العدائيات، ورغم مناشدتها بفصل نشاطها عن التنظيمات الإرهابية، وهو أمر غير مقبول، ولا يجب أن يمر دون مراجعة”.
وأضاف “وإنني أنتهز هذه المناسبة لأجدد دعوتي إلى مجموعة الدعم الدولية الخاصة بسوريا، لاسيما الرئاسة المشتركة الأمريكية الروسية، من أجل حسم هذا التردد والتلكؤ، فجبهة النصرة وحلفاؤها لا يقلون خطورة عن داعش، ولن يقبلهم الشعب السوري ولا شعوب المنطقة جزءً من حاضرهم أو مستقبلهم”.
يشار إلى أن المشروع الفرنسي يتضمن دعوة إلى وقف إطلاق النار في حلب، وفرض حظر للطيران في المدينة، وإيصال المساعدة الإنسانية للمحاصرين في حلب، كما يهدد باتخاذ “مبادرات أخرى” إذا لم يُحترم.
أما مشروع القرار الروسي فيدعو الأطراف إلى وقف الأعمال العدائية فورا، كما يشدد على التحقق من فصل قوات “المعارضة المعتدلة” عن جبهة “فتح الشام” باعتبار ذلك أولوية رئيسية.