خلافات عميقة بين المعارضة والنظام حول المقترحات الروسية

أظهرت أسابيع من المفاوضات غير المباشرة قادتها موسكو وأنقرة، عمق الخلافات بين النظام وحلفائه من جهة وفصائل المعارضة وحلفائها من جهة أخرى، على مسودة روسية لوقف النار في سوريا، ما دفع روسيا وتركيا إلى إعلان ثنائي لوقف النار وقطع الطريق على تعديلات مستمرة قدمها كل من المعارضة والنظام على المسودة ووضع الأطراف أمام استحقاقاتها استعداداً لعقد “حوار أستانة” عاصمة كازاخستان، في الأسبوع الأخير من كانون الثاني/يناير المقبل.

ونقلت وكالة رويترز عن وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو” أن تركيا وروسيا أعدتا اتفاقاً لوقف النار في سوريا، حيث قال للصحافيين على هامش حفلة تسليم جوائز بالقصر الرئاسي بأنقرة: “هناك نصان جاهزان في شأن حل في سوريا، أحدهما عن حل سياسي والآخر عن وقف لإطلاق النار يمكن تنفيذهما في أي وقت”.

وأضاف أوغلو أن المعارضة السورية لن تقبل أبداً ببقاء بشار الأسد في السلطة. موضحا أن “العالم بأسره يعلم أنه من غير الممكن إحداث انتقال سياسي بوجود الأسد، ونحن جميعاً نعلم كذلك أنه من المستحيل أن يلتف هؤلاء الناس مجددا حول الأسد”.

هذا فيما أوردت وكالة الأناضول أن موسكو وأنقرة اتفقتا على اقتراح من أجل وقف النار في عموم سوريا، لكن الكرملين قال إنه لا يمكنه التعليق على ذلك.

وبدأت المفاوضات غير المباشرة بين الأتراك والروس ونظام الأسد وفصائل المعارضة قبل حوالي أربعة أسابيع بدءاً من تسوية لإخراج المقاتلين وعائلاتهم من شرق حلب، حيث اجتمع ممثلون من الجيش والاستخبارات العسكرية في روسيا مع قادة وممثلي فصائل معارضة بينها “أحرار الشام” و”جيش الإسلام” و”حركة نور الدين الزنكي” و”جيش المجاهدين” وشخصيات من “الجيش السوري الحر”.

وشكلت وثيقة روسية من حوالى أربع صفحات ضمت ١١ بنداً أساسياً للتفاوض في أنقرة بين الجانب الروسي وفصائل المعارضة بحضور تركي من جهة وبين الجانب الروسي والنظام وحلفائه الإيرانيين من جهة أخرى. وتناولت المفاوضات مبادئ سياسية بينها “التأكيد على الحل الشامل للأزمة السورية وبدء العملية السياسية على أساس القرار ٢٢٥٤” و”احترام سيادة سوريا ووحدة الأراضي السورية ووضع حد لإراقة الدماء” و”تحقيق دولة مستقلة تمثل الشعب السوري بكامله”، قبل الخوض في معايير وآليات وقف النار في سوريا الذي يتضمن التزام الموقعين، النظام والميليشيات التابعة له وفصائل المعارضة، على وقف العمليات الهجومية بدءاً من موعد محدد، هو ليل الأربعاء – الخميس، بحسب الإعلان الروسي – التركي، إضافة إلى تثبيت خط التماس بين الأطراف المتنازع عليها” بعد تبادل خرائط عن أماكن انتشار فصائل المعارضة الموقعة على الاتفاق والقوات النظامية وحلفائها.

كما ضمت عناصر “المسودة الروسية” إبعاد الفصائل الموقعة على الاتفاق عن مناطق “جبهة فتح الشام” وفق الخرائط المتفق عليها، مقابل “وقف الضربات الجوية” من الطيران الروسي والسوري، ثم الاتفاق على “آليات توثيق الخروقات لوقف النار ومراقبة التنفيذ وتثبيت نظام العقوبات على أي طرف يخرق الاتفاق”.

بعد ذلك، وخلال مهلة محددة، يقوم الطرفان، النظام والمعارضة، بإجراءات بناء ثقة تشمل إخلاء الجرحى من مناطق المعارضة وإدخال مساعدات إنسانية ثم إقامة “مجال إنساني واقتصادي مشترك يتضمن حرية الشحن ونقل البضائع”، وقيام “مجالس محلية منتخبة من السكان بحيث تجري إدارتها من ضامني الاتفاق وهما روسيا وتركيا، بحيث تقوم هذه المجالس بإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها”.

وبحسب المعلومات فإن التعديلات التي نقلها الجانب الروسي من النظام وطهران، شملت نقاطاً لنزع “أي شرعية” عن فصائل المعارضة، بينها إزالة كلمة “منتخبة” لدى الحديث عن المجالس المحلية ومنع تبادل البضائع والشحن والاقتصار على تقديم المساعدات الإنسانية، إضافة إلى وصف الفصائل الموقعة بأنها “مجموعات مسلحة” وليست “فصائل معارضة”، الأمر الذي ردت عليه الفصائل بتسمية نفسها بأنها “مقاومة”. كما تمسك النظام والإيرانيون برفض الاعتراف بـ”أحرار الشام” و”جيش الإسلام” واعتبارهما تنظيمين “إرهابيين”، الأمر الذي لم توافق عليه موسكو في تغيير كبير لموقفها السابق.

من جهتها، ردت فصائل المعارضة بتقديم ورقة مضادة تضمنت ستة بنود، بينها “وقف إطلاق النار وكل العمليات عدا قتال داعش”، من دون أي إشارة إلى جبهة “فتح الشام”، إضافة إلى أن ذلك تضمن التأكد على شمول وقف النار الغوطة الشرقية لدمشق ومنطقة وادي بردى والزبداني ومضايا وحي الوعر في حمص، باعتبار أن موسكو وافقت بداية ذلك على ذلك، ثم عادت وأبلغت الفصائل رفض النظام وقف النار في ريف دمشق، وسط اعتقاد بأن النظام والإيرانيين يريدان “حسم” معركة المناطق بين العاصمة وحدود لبنان أولاً ثم الغوطة الشرقية ثانياً، قبل تسلّم الرئيس دونالد ترامب وتشكيل إدارته في الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تضمنت تعديلات الفصائل، أن تكون تركيا ضامنة لفصائل المعارضة، وأن تكون روسيا ضامنة للنظام وحلفائه مع وقف القصف الجوي، في إشارة إلى ميليشيات المرتزقة المدعومة من إيران وحزب الله، إضافة إلى تعهد الأطراف الموقعة على الاتفاق “عدم كسب أراض” خلال وقف النار، على أن تبدأ عملية للانتقال السياسي خلال شهر من بدء سريان مفعوله، وشرط أن تقيم روسيا وتركيا آليات مراقبة للهدنة بموافقة الضامنين والطرفين السوريين. وأضيف بند سابع له علاقة بالمساعدات الإنسانية بموجب خطة روسية تركية مشتركة.

وكان عدم وجود آليات رقابة والرد على خروقات وقف النار أحد أسباب انهيار اتفاق وقف العمليات القتالية بين أمريكا وروسيا في شباط/فبراير وأيلول/سبتمبر الماضيين.

وتضمنت مسودة الاتفاق أن تكون مدة وقف النار سنة قابلة للتجديد، ما كان بمثابة إطار زمني لتحقيق تقدم في العملية السياسية بعد إطلاقها في آستانة نهاية الشهر المقبل. لكن لا يزال أمام ذلك كثير من التحديات بينها مدى التزام قوات النظام وحلفائها من جهة وفصائل المعارضة الإسلامية والمعتدلة من جهة ثانية، وقدرة روسيا وتركيا على إلزام حلفائهما السوريين بإعلان وقف النار، واتفاق الطرفين على قائمة المدعوين من عسكر وسياسيين، إضافة إلى رغبة دول وقوى معارضة بضرورة عدم حصول تطورات دراماتيكية قبل تسلّم ترامب مهمات منصبه.

ولم يعد ٨ شباط/فبراير موعداً ملزماً لاستئناف مفاوضات جنيف بين ممثلي النظام والمعارضة بموجب ما كان أعلن المبعوث الدولي استيفان دي ميستورا، لكن الاتصالات قائمة بين فريق المبعوث وموسكو لبحث كيفية تحقيق تقدم في حوار أستانة، خصوصاً ما يتعلق بالانتقال السياسي واستئناف مفاوضات جنيف لدى توافر أرضية لتحقيق اختراق على عكس جولات تفاوضية سابقة جرت في بداية ٢٠١٤ و٢٠١٦.

وأبلغت موسكو محاوريها أنها وضعت على جدول أعمال حوار أستانة بنوداً بينها وقف النار والمساعدات الإنسانية والعملية السياسية بموجب القرار ٢٢٥٤. وبرز في أروقة موسكو اقتراحان للحل السياسي، أحدهما يقوم على تعيين بشار الأسد خمسة أو ثلاثة نواب له أو تشكيل مجلس رئاسي بموجب الدستور الراهن على أساس ضرورة عدم حصول فراغ دستوري. لكن دولاً فاعلة أخرى شددت على أهمية الحديث عن “انتقال سياسي جوهري” بما يتضمن وضع “صلاحيات الرئيس” على مائدة المفاوضات سواء لدى بحث خيار نواب الرئيس أو خيار تشكيل حكومة وحدة تمثيلية بموجب برنامج القرار ٢٢٥٤.

وفي موسكو قالت وزارة الخارجية الروسية، يوم أمس الأربعاء، إن مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا استيفان دي ميستورا يدعم جهود روسيا وتركيا وإيران لمحاولة التوصل إلى وقف للنار في سوريا وترتيب محادثات جديدة للسلام تستضيفها كازاخستان. وأضافت الوزارة أن دي ميستورا تحدث هاتفياً إلى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.

إبراهيم حميدي – الحياة

تعليقات الفيسبوك